Tuesday, 28 February 2017

عن مشاركتى لجنة تحكيم مهرجان جمعية الفيلم 43



والصحبة تجمعنا سينمائين ونقاد

من أجمل ما حدث لى فى الفترة الأخيرة مشاركتى لجنة تحكيم مهرجان جمعية الفيلم الأخير، اختارنى مدير التصوير محمود عبد السميع مع كوكبة من السينمائيين والنقاد، اقترابى منهم ومناقشاتنا أكسبنى خبرة رائعة أضيفت إلى خبراتى التى جمعتها من الدراسة بمعهد السينما ، ثم بالعمل فى صناعة الأفلام، وأخيرا بالعمل فى حقل النقد والصحافة السينمائية. انخرطت مع مهندس الديكور  محمود محسن فى حديث ذكريات عن معهد السينما ودفعاته متنوعة التخصصات، بحماس أطفال كنا نقاطع بعضنا ونحن نحكى هو عن ذكرياته مع العظيم شادى عبد السلام وأنا مع أبوسيف وشاهين وتوفيق صالح ومحمود مرسى أساتذتى ، وانضم الينا هانى لاشين الدمث الهاديء وتحدثنا عن الدفعتين التوأم دفعتى 1975 ودفعته 1976 . مع مهندس الصوت مجدى كامل تذكرنا تجارب فى مكساج أفلام محمد راضى وخيرى بشارة وعاطف الطيب ، تذكرت أسبوع الفيلم البولندى الذى تعاونا فى تنظيمه بمركز الثقافة السينمائية وجمعية نقاد السينما المصريين مع فيلم فرعون الذى عمل فى إعداد ملابسه الكبير شادى عبد السلام. راجح داوود واستمتاعنا بشرحه المتخصص عن تميز موسيقى فيلم لنفس المؤلفة عن فيلم آخر لها بنفس المسابقة ليالى وطفة، ذكريات مع عاطف بشاى وسيناريوهات أفلام تلفزيونية كتبها وشاركت فى مونتاجها، محاكمة على بابا والمجنون، وشرحه كيف أفاده أسلوب إخراج ابراهيم الشقنقيرى فى إبراز تأليفه والتركيز على جمل قام بتأليفها فوضحت للمشاهدين. تدعيم العلاقات مع زملاء من النقاد ماجدة خير الله وأسامة عبد الفتاح ومجدى الطيب ومحمد عاطف. صحبة جمعتنا مع المخرج سمير سيف، الذى رأس اللجنة وكانت تدخلاته تنير طريق الاختيار المتشعب يدعمها بثقافته الموسوعية ودعابته التى كانت تخفف من احتدام مناقشة خلافية حول آراء متباينة. سعدت كثيرا بالاقتراب من سهير المرشدى، الممثلة المثقفة التى طالما أحببت أداءها وضربت به المثل، دورها فى " عودة الابن الضال " ودورها فى " الزوجة التانية "، ممثلة لا تتعامل كنجمة، بل كسينمائية ومسرحية مثقفة تملأها الفرحة بجمال أفلام لم تشارك بها، حماسها لعمل وفرحتها بتميز مخرجته وإعجابها بأداء ممثلات وممثلين لم ألمس فيه ما يقال أحيانا عن غيرة أهل المهنة، بل حب وتفاخر وكأنها شاركت بروحها فيه. حماسها لا يقل عن حماس رئيس الجمعية الحالى الذى أصر على تكريم مؤسسها أحمد الحضرى ومنح جائزة لناقد شاب رغم عدم الاستعداد الكافى لخروج المسابقة بشكلها العلمى الواجب. إصراره على متابعة كافة التفاصيل بنفسه مرددا أن هذا مهرجان جمعية الفيلم المصرى الذى لا يتشبه بحدث آخر.
مهرجان جمعية الفيلم يتم تنظيمه بتصفية الأعمال المحلية الى عرضت تجاريا فى العام السابق بإجراء استفتاء بين أعضاء الجمعية وأغلبهم من الهواة ومحبى فن السينما من غير المختصين، وبمشاركة النقاد العاملين حاليا للوصول إلى قائمة من سبعة أفلام تتنافس للحصول على جوائز الأفضل فى كل فروع فن السينما ومنها الأفيش، بوستر الدعاية المصمم لكل فيلم. بقراءة سريعة فى جوائز أفلام العام 2016 نلحظ تنوع الأفكار فيما يخص الاحتفاء بقضايا كبرى كقضية الثورة فى فيلمى " نوارة " و" اشتباك"، وقضايا حياتية كتجربة الحب والعلاقة بين الرجل والمرأة فى فيلمى " هيبتا " و" قبل زحمة الصيف" فالمهم كيف يتم تناول الفكرة وكيف نجح صناع الفيلم فى تقديمها بالشكل الفنى الذى يتواصل معه المتلقى. فى البداية تساءلنا عن سر العدد الكبير المكون للجنة التحكيم الذى بلغ 14 عضوا، قبل اعتذار رمسيس مرزوق لانشغاله برئاسة لجنة تحكيم المركز الكاثوليكى المصرى للسينما، واعتذار الناقد كطارق الشناوى لانشغاله، ولكن بالمتابعة وجدنا أن تنوع الأفراد أعطى فرصة للتوازن المطلوب والعدالة فى نتائج الجوائز التى جاءت معبرة عن خبرات متخصصة فى كل فروع الفيلم، ومعبرة عن تنوع واختلاف توجهات أجيال وأمزجة بين تفضيل الواقعية واتخاذها معيارا للتفوق، أو تفضيل الحداثة والمعاصرة والعمل على تشجيع الاتجاه نحوها.
نوارة بواقعيته، اشتباك بطموحه الفنى، هيبتا بتجديده وتميز عناصره، قبل زحمة الصيف برصانة مخرج كبير، الماء والخضرة والوجه الحسن بأجوائه البديعة وتفرده كشكل سينمائى مصرى أصيل.
السينما المصرية تعود بأعمال لمخرجين مخضرمين كبار، ومخرجين لجيل الوسط، ومخرجين فى أعمالهم الأولى كلها تستحق المنافسة وتعود بنا إلى مكانة مستحقة للسينما المصرية كأقدم سينما عربية صناعة وفنا.

صفاء الليثى
القاهرة
نشر بجريدة الجمهورية الأربعاء 15 فبراير صفحة السينما إشراف حسام حافظ 
فبراير 2016    

Friday, 10 February 2017

(1) تكريم المونتيرة نادية شكرى بالمهرجان القومى للسينما المصرية 2004




نص كتابى " سيدة الصحبة " (1)
فى تكريم المونتيرة نادية شكرى بالمهرجان القومى للسينما المصرية 2004
الإهداء

إلى من علمني حب السينما

ونصحني بدراسة المونتاج

معلمي الأول .. أخي الفنان فخري الليثي



صفاء الليثى

القاهرة مارس 2004



قبل العناوين              

ديسمبر 1996  

كانت تصعد التل المرصوف بالأسفلت، محنية الظهر في دأب، بعد أن قطعت شوطا كبيرا من بيتها المجاور لمجمع المونتاج حيث تعودت أن تذهب كل يوم – حتى مع عدم وجود عمل – تلتقي بالزملاء والأصدقاء، ذاك اليوم داعبتهم " احنا رايحين نتثقف " وضحكت ضحكتها الهادئة .. تقود سيارتها الصغيرة  حيث قاعة المؤتمرات المكان الذي يقام فيه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وبجوارها زميلة من جيل آخر، جمعتهما محبة السينما وفن المونتاج .

ها هي تصعد كما فعلت دائما ، تتلفت إلى الزهور حولها تتأمل جمالها، تلتقط أنفاسها وتعبس فجأة بغضب جميل " لما أشوف سي مخيمر ... إزاي مابيعتلوش دعوة  "، تجده أمامها، دون أن تسأله يضع يده في جيب الجاكيت ويخرج تذكرتي الختام لها ولمرافقتها. على الباب لا يسألها أحد عن الدعوة، إنها السيدة التي تفتح لها كل الأبواب، المرحب بها في كل مكان .




يوليو 1992

تمر في ممرات مجمع المونتاج تبرطم من الغضب، اختلفت في الرأي مع المخرج، ضايقها وساوسه وتمسكه بعدم القطع، عبثا تحاول " كده مش حلو " وهو متمسك، تخرج لتنفث عن غضبها يداعبها زميل، يناديها بصوت عال " يا نادية .. "  رغم قربها منه  تتجاوب معه وتنسى غضبها تعود لقيادة آلتها وقد استعادت هدوءها وقدرتها على التكيف مع نزوات كل مخرج تداعبه وقد عادت إليها روح الدعابة وتستأنف العمل .. إنها الغاضبة بجمال .

مارس 1983

على سلالم مجمع الفنون وقف الأربعة، محمد خان عاطف الطيب بشير الديك ونادية شكري . تطل الفرحة من عيونهم فاليوم بدء مكساج وليدهم الأول " الحريف ".

 وها هم يقطعون أمتارا قليلة للوصول لقاعة المكساج، تتقدمهم بخطوات أوسع، لا نلمح أي توتر على وجهها فهي الواثقة دوما .. إنها .. سيدة الصحبة .

 

نادية شكري 
سيدة الصحبة



صفاء الليثي


الفيلم العراقى " بيوت فى ذلك الزقاق " مقال من أرشيفى القديم

بيوت في ذلك الزقاق

النسخة العراقية من الفيلم العربي المشترك

" احنا المنتجين الحقيقيين وهم المرفهين "، " هذا رابع بيت يقع في المنطقة " ، " شعبنا العظيم والحياة القاسية اللي بنعيشها علمتنا أشياء وايا " . باستثناء كلمة " وايا " في الجملة الثالثة التي تنتمي للعامية العراقية يمكن أن تسمع هذه الجمل الحوارية في فيلم مصري أو سوري لأنها جمل في فيلم يتحدث عن قلة من الفقراء " في ذلك الزقاق " تعيش تحت خط الفقر يستغلهم صاحب " 300 بيت ورثها أبا عن جد " وآخر يعيش في بيت بدورين يدير مجموعة مصانع صغيرة يسخر في العمل أسرا فقيرة يعملون في البيوت القديمة التي يملكها الأول ، يمكن أن يكون هذا في أحد الأحياء العشوائية في القاهرة أو عمان أو دمشق . إنه الوضع المشترك الذي يمكن رصده في العالم العربي من المحيط إلى الخليج .

قاسم حول مثقف عراقي يعيش في هولندا مثل غيره من مثقفي بلاده يكتب كتبا، وينظم عروضا سينمائية، يخرج أفلاما وثائقية وروائية في العراق أو اليونان أو ليبيا، أفلاما عراقية الهوى، إنسانية عامة، فنان ملتزم بقضايا فقراء الوطن. تميزت أفلامه الوثائقية وخاصة فيلمه " الأهوار " و " بيوتنا الصغيرة " وغيرها، أمدته بالجو العام وحكايات " بيوت في ذلك الزقاق " الفيلم الروائي الأول للمخرج " قاسم حول " الذي عرض عام 1977 ، ويحكي عن صحفي – بديلا عن المخرج – يخرج باحثا عن حقيقة الأوضاع المتردية داخل الأزقة الضيقة وتحت أنقاض البيوت المنهارة التي يملكها " أبو فهد " الذي تختلف مصالحه مع صاحب رأس المال " مجدي " الذي يستغل ساكني هذه البيوت للعمل منها والتوريد لمصانعه ، وعندما يرغب " أبو فهد في هدم البيوت تتعرض مصالح " مجدي " للخطر ، عندما يضطر الفقراء إلى الرحيل . وبين الاثنين رجال في السلطة لا يهمهم سوى تصالح المستغلين حتى لا تستفيد المعارضة من تردي الوضع  .

والفيلم في طرحه للمشاكل الاجتماعية ورصده للفساد وإرجاعه لنظام عام فاسد ليس ببعيد عن الفيلم المصري " العوامة 70 " للمخرج خيري بشارة الذي بدأ أعماله بمجموعة أفلام وثائقية تميزت جميعها وخاصة " عبد العاطي صائد الدبابات " و" طبيب في الأرياف "  .

وبديلا عن صحفي قاسم حول في " بيوت في ذلك الزقاق " قام أحمد زكي بدور مخرج أفلام تسجيلية  يكتشف أثناء عمله في فيلم عن محالج القطن قضية سرقة كبرى . الروابط المشتركة بين " قاسم حول " المولود عام 1940 وبين خيري بشارة الذي يصغره بسبع سنوات تظهر بوضوح في أفلامهم الروائية والتسجيلية . قاسم يكتب أفلامه التي نسمع فيها حوارا مباشرا وخطبا سياسية بينما يخلط خيري بشارة الفن بالسياسة وتفاصيل الحياة الصغيرة فينجح في العبير عن أزمة الوطن وأزمة المثقف بسرده المتوازي للقضية العامة والخاصة مستعينا بسيناريو كتبه " فايز غالي " عن قصته التي كتبها من خبرته في الأفلام الوثائقية كما قاسم حول الذي يجيد عمل الأفلام والتحدث عنها أيضا ، قال عن فيلمه " بيوت في ذلك الزقاق " :

" إنه يحلل البنية الطبقية والاجتماعية للمجتمع العراقي، ويدور حول العمل الرأسمالي في المنازل، عن الناس الذين يعملون في البيوت للمصانع، والذين ليس لهم وضع قانوني هذه المصانع تنشأ عادة في الأحياء الفقيرة والتجمعات السكانية الصغيرة، ولأنها لا تعمل بشكل قانوني لا تهتم بمصلحة السكان الفقراء وإنما تريد حماية نفسها فتحتمي بالأمن ورجاله من خلال علاقات ومجاملات على حساب هؤلاء الفقراء ، وبذلك يتفسخ المجتمع وتتفشى الدعارة والأطفال المشردين . ومن خلال هذا الفيلم أحلل المجتمع ، وفي النهاية أدين رجال الأمن الذين يغتصبون البنات العاملات الفقيرات بعد إغوائهن بالحياة المترفة .

الفيلم يحلل هذه البنية الاجتماعية الخطيرة وغير القانونية، وعندما عرض الفيلم وبعدما شعرت السلطة بأن الفيلم خطر عليهم طلبوا مني إجراء بعض التعديلات فرفضت .. وكنت سأدفع حياتي ثمنا لهذا الرفض لأنك في العراق لا تستطيع أن تقول لا بسهولة ." الحديث أدلاه قاسم حول للناقد أيمن يوسف عندما التقاه في مهرجان فريبورج منذ عدة أعوام وعندما شاهدنا نسخة فيديو من مقتنيات المونتير" أحمد متولي " الذي قام بعمل المونتاج في العراق  1976، لاحظنا وجود مقدمة لا تمت إلى نسيج الفيلم بمشهد تحقيق تسجيلي يقوم به الممثل الذي قام بدور الصحفي مع إحدى العاملات تعمل على ماكينة في أحد المصانع وتتحدث عن تغير الأوضاع بعد الثورة – 1968- وبعدها مشهد للزقاق تنزل عليه عناوين الفيلم وفي النهاية عودة لمشهد المقدمة مع موسيقى حماسية تعكس حدوث تغيرات ثورية في الأوضاع المنهارة، وذكرني هذا بالتعديل الذي أجرى على فيلم المخرج الكبير توفيق صالح " القلة " عن طريق إضافة تعليق يتحدث عن التقدم الصناعي الذي تشهده الدولة المصرية أيام الوحدة مع سورية " الجمهورية العربية المتحدة " قبل السماح بتناول الفيلم الذي يحكي عن إناء شرب المياه المصنوع من الطمي بينما مصر تصنع الثلاجات الكهربائية كما رأى النظام لنتأكد من كوننا نعاني مع اختلاف طفيف في التفاصيل من أوضاع مشتركة يعاني فيها شعبنا من كثير من مشاكل تمس حياته كما يعاني فيها المثقف الفنان من قيود على حرية تعبيره تدفعه للهجرة كما فعل " قاسم حول " أو التوقف عن العمل كما فعل " توفيق صالح " .

كتبت المقال بعد عرض الفيلم فى إطار نشاط جمعية نقاد السينما المصريين

 تحت عنوان قراءة جديدة (لا أذكر السنة ) .


صفاء الليثى
القاهرة 



Wednesday, 8 February 2017

أحمد الحضرى ومشوار طويل مع السينما



رحيل الرجل الذى احترم الاتقان حد البكاء
  كان أحمد الحضري شابا فى المرحلة الثانوية، حين وقع فى هوى السينما، ومارس التصوير بدلا من تدخين السجائر، تفوق على الإنجليز فى التعبير باللغة الإنجليزية، وهو الأجنبى الوحيد، فسلموه أمانة الصندوق بجمعية الفيلم فى لندن، وهناك صور فيلما لزميلة إيطالية، يبكى الحضرى عندما يتذكر إتقانها وبراعتها فى إخراج الفيلم، وتصويره الذى لم يرتكب فيه خطأ واحد، كما يبكى عندما يتذكر تحديه لوزير الثقافة المصري الأسبق ثروت عكاشة فى حكومة الضباط الأحرار.


   درس الحضرى الهندسة المعمارية فى كلية الفنون الجميلة وتخرج عام 1948. ثم تمكن من ممارسة هوايته فى التصوير أثناء بعثته بلندن، اشترى الكاميرا وحمض أفلاما صورها بكاميرا 8 مللي وعرضها بجهاز عرض نفس المقاس. عاد لمصر مهندسا معماريا وعمل بتخصصه 19 عاما مهندسا عاملا وسينمائيا هاويا، ثم عكس الأمر فمارس السينما 19 عاما والهندسة أصبحت هوايته. فى لندن تعرف على تجربة "جمعية الفيلم" ونقلها إلى مصر فأسس مع مجموعة من المثقفين المصريين "جمعية الفيلم" بالقاهرة. عاد عام 1955 إلى مصر وكله حماس لتطبيق ما تعلمه، وشارك فى نشاط جمعية "الفيلم المختار" حتى عام 1959، وتم تأسيس "جمعية الفيلم" عام 1960 كأول جمعية تسجل بالشئون الاجتماعية. بدأت نشاطها فى مايو 1961، وهى الجمعية التى استمرت حتى الآن.

ومن نتائجها المهة فيلم "حصان الطين" الذى أنتجته الجمعية لفتاة هاوية سينما وقتها وهى عطيات الأبنودى، قام الحضرى بتصويره مع محمود عبد السميع الذى خلفه الآن فى رئاسة جمعية الفيلم.

نشاط الجمعية وكتابة المقالات عن السينما فى مجلة المجلة لفتت النظر إلى ضابط الاحتياط أحمد الحضرى الذى كان يحضر اجتماعات السينما بزيه الرسمى. اختاره ثروت عكاشة لعمادة معهد السينما بعد أن طلب منه كتابة تقرير عن كيفية تطوير مناهج معهد السينما فكان تقريره مركزا على زيادة الناحية العملية وعاد بعد زيارة لمعاهد بولندا وتشكيوسلوفاكيا وفرنسا ليستفيد من كل المناهج ومن طرق التدريس التى تقدم بالخارج المتقدم. بعدها استلم العمل بالمعهد وقام بمحاولة لتنفيذ رؤيته فى التطوير ولكنه اصطدم بكثيرين قدموا اعتراضات ضده، أما هو فقام بترجمة كتب فى الدراسات السينمائية ليستفيد منها المبتديء والمحترف على حد سواء. حبه للاتقان على طريقته واصراره على التميز يجعله ينجح فى أن تكون سنة عمادته 67/68 كأول دفعة يتخرج منها الجميع بعد أن أنهوا مشروعات تخرجهم بالكامل ومنهم سمير سيف وابراهيم الموجى.

بعد اعفائه من عمادة معهد السينما كلف بالإشراف على نادى السينما وقدم فيه كل الخبرة التى اكتسبها فى لندن وخاصة إصدار النشرة التى تعد مرجعا هاما للثقافة السينمائة وتوثق للنشاط الكبير الذى قدم للسينما. مرت سنوات طوال، فيها تنوعت أنشطة الحضرى فى جمعية الفيلم، ومعهد السينما، والمركز القومى للسينما، وصندوق دعم السينما، إلى جانب العمل فى مهرجانى القاهرة والاسكندرية.

كنت أجريت لقاء معه ونشر بمجلة الفن السابع تحت عنوان "حديث من القلب" فى العددين 29 و30 عام 2000. سجلت معه فى منزله واندهشت من مرارات يحملها فى ذاكرته الرجل الذى نظنه ثابتا كصخرة، كانت دموعه تغلبه فأضطر لغق الكاسيت وأنتظر تماسكه ليعود إلى البوح. دموع الفرحة بعمل يحبه وتفوق فيه، ودموع قهر لأن هناك من لم يتحمل دقته وإصراره على التغيير، دموع لم تتوقف يوما تفضح رهافة حسه وامتلاء قلبه وعقله بحب الجمال والفن والإتقان.
تزاملنا بمجلس إدارة جمعية نقاد السينما المصريين، شجعنى على تحمل مسئولية أمانة الصندوق وحين تخوفت من عدم قدرتى على أداء المهمة، أكد لى وبحنو الأخ الأكبر أنه سيساعدنى ويكون بجانبى، وقد كان حقا. رغم اختلافاتنا فى بعض التوجهات النقدية فنا وسياسة إلا أن صفة كانت تجمعنا فقد كان الراحل الكبير يجن جنونه لعرض الفيلم بأبعاد تشوه الكادر فتمطه طوليا أو عرضيا، أشاطره فى هذا الرفض ويصعد بنفسه درجات عالية حيث كابينة العرض ليضبط مع مسئول العرض حجم الكادر ودرجة الصوت. لم يسكت يوما عن الحق، ينبرى للإعلان عن رأيه بدرجة فيها قدر من نزق الشباب. نعم فقد كان شابا حتى نهاية العمر، صدفة قابل نادية كامل فأنبها على فيلمها " سلطة بلدى " الذى وجده يدعو للتطبيع مع اسرائيل. ومن حوله يشعرون بالحرج، بينما هو غير ملتفت لدعوات التهدئة ويرى أن هذه أمور لا يمكن التنازل فيها. صراحته لم تكن تغضب أحدا، بل احترمه المختلفون معه قبل المتفقون لثقتهم فى براءة يتمتع بها، شابا يتمتع بفتوة فى الإيمان بما يعتقد وفى الدفاع عنه حتى آخر مدى.

وتبقى الكتب التى ترجمها بالنسبة لى إنجازا كبيرا فعناوين الكتب بالإضافة إلى دقة ترجمتها وجمال اللغة العربية التى تخلو من العيوب الشائعة لكثير من الترجمات مما يجعلها كتبا باقية تسهم فى تعلم السينما ومنها كتاب مارسيل مارتان الهام المعنون اللغة السينمائية، وكتاب كيف تتم كتابة السيناريو. بالإضافة لجهده فى إصدار دليل السينما المصرية وخاصة جزأه الأول والذى نسميه فيما بيننا بالكتاب الأسود نظرا لغلافه بين الرمادى والأسود ويعد حتى الآن واحدا من أهم المراجع لكل ما أنتج من أفلام الطويلة منها أو القصيرة والتسجيلية ولم يضاهيه أى دليل صدر بعده حتى يومنا هذا.

وحتى وقت قريب قبل رحيله كان متابعا لكل الأنشطة، مشجعا لكل محب للسينما، لم يتوقف يوما عن الاهتمام بالاتقان الذى اشتهر به وشهد له كل من تعامل معه وخاصة زميله الذى رحل قبله بقليل الباحث يعقوب وهبى، وكأن مصيرهما فى خدمة الثقافة السينمائية الواحد والكبير قد وصل إلى محطته النهائية وكلاهما راض عما قدمه لخدمة فن أحبه وثقافة أخلص لها. أحمد الحضرى ترك لنا ترجمات من أهم الكتب السينمائية تؤكد أن أصحاب الفضل لا يموتون بل هم باقون خالدون طالما بقيت آثارهم الهامة روافد لمعرفتنا ولتطور السينما فى مصر.

صفاء الليثي
مونتيرة وناقدة سينمائية مصرية

 نشر بكتاب الهلال فبراير 2017 رئيس التحرير سعد القرش
 

Monday, 30 January 2017

 عيد ميلاد فوزى سليمان بمنزل فريدة مرعى
سهام عبد السلام ، وهالة لطفى .
الجمعة 20 يناير 2017

Friday, 20 January 2017

قراءة فى أفلام مهرجان القاهرة السينمائى الدولى 38



أفلام عالمية هامة وممتعة
 والمصرية مخجلة
 
فى ندوة فيلم " كلز اون هويلز القتل على كراسى متحركة " الحائز على أفضل إخراج من لجنة التحكيم الدولية فوجيء الحضور بالبطل المشارك فى العمل على كرسيه المتحرك بجوارى الصديقة طبيبة وناقدة قالت إنه بالفعل يعانى من شلل رباعى، صفقنا طويلا للفيلم الممتع ولبطله القادم من المجر على كرسيه المتحرك، أدركت دون أن يكون لدى معلومات مسبقة أن المخرج لابد وقد أعاد صياغة أوراقه، السيناريو الأولى ليتناسب مع الكاستنج الذى اختاره لفيلمه، سألت الممثل وكان الرد أن النسخة التى صورت هى النسخة التاسعة للاسكريبت. وهذا فى رأى سر نجاح الفيلم – أى فيلم – إذ ينطلق من سيناريو مبدئى ثم يتم التعديل ليتوافق مع فريق العمل ومستجدات التصوير. ينتمى " القتل على كراسى متحركة " لنوعية فيلم الكوميدى أكشن، قديما كان لدينا نماذج ناجحة من هذا النوع وهناك محاولات حديثة لثلاثى من السينمائيين الشباب لإحياء هذا اللون المحبب ( قدموا  سلسلة أفلام بدايتها كان سمير وشهير وبهير ) وهذا النوع يتميز بتحقيقه للنجاح الجماهيرى ولإعجاب النقاد أيضا. نعود للفيلم الفائز بجائزة الإخراج للعمل الأول، الجائزة استحقها لعمله على السيناريو وتطويره، ففى النهاية  السرد والتتابع  المكونان لسيناريو الفيلم الذى يصلنا فى النهاية مسئولية مخرجه حتى لو لم يقم بنفسه بعملية الكتابة، بشكل أوضح  تقع مسئولية سيناريو الفيلمين المصريين على عاتق مخرجيه كاملة أبو ذكرى فى " يوم للستات "، وعلى إدريس فى " البر التانى" . حين قمت بدراسة لأفلام صلاح أبو سيف ومن قبله بركات ونيازى مصطفى لاحظت أن السيناريو يتشارك فيه أكثر من مبدع وصلوا إلى أربعة فى الفيلم الكبير "رصيف نمرة خمسة" لنيازى مصطفى، وعادة يتخصص مبدع فى كتابة حوار أفلامناالمصرية التى نسميها أفلام الزمن الجميل ، انفراد شخص واحد بالقصة والسيناريو والحوار وعدم وجود جلسات مناقشة السيناريو والعصف الذهنى الواجب حدوثه قبل التصوير سبب رئيس لخلل البناء فى أفلامنا المصرية الحديثة. 
صلاح أبو سيف قال: " نجيب محفوظ يقيم الأسمنت المسلح فى عمارة الفيلم". 
البراعة فى قيادة الأطفال فى بطولات أولى
شاهدنا بمهرجان القاهرة عددا من الأفلام بطلها الأول طفل أو طفلة فى حوالى العاشرة من العمر، الفيلم المشارك بالمسابقة الرسمية "لسنا وحدنا" من التشيك الذى حاز مخرجه جائزة الإسهام الفنى به طفل شديد الذكاء ، والده حارس سجن ما زال يعيش حنينا للحقبة الشيوعية ويمارس قسوة على الجميع ولا يتفهم حب زوجته لابنهما الوحيد، الطفل يتناول الحلوى ، بل يلتهمها بسرعة خشية أن يلحظه أبوه، يمارس الطفل أفعالا سادية بتعذيب الحيوانات الصغيرة وينجح بذكائه الخارق فى إبعاد الشكوك عنه حين تولى محقق التحقيق فى الأمر، بدهاء يستولى على نقود القواد بعد مقتله على يد أبيه الحارس القاسى ويسافر ، يهرب من جحيم البلدة ويترك المخرج النهاية مفتوحة والطفل يراقب شاطئ آخر يبدو أكثر أمنا بالنسبة له. الطفل يعبر ببراعة عن تركيبة شخصية تجمع بين من يتملكه الذعر وأيضا الإصرار والشجاعة على مواجهة هؤلاء الكبار الفاشلون.
الفيلم الثانى لبطولة طفلة فى حوالى العاشرة الفلبينى اليابانى "بلانكا" فى أسلوب يقترب من سينما الحقيقة حتى تشعر أنه فيلما وثائقيا أعيد أداء أبطاله فى صياغة درامية عن طفلة شوارع تلاقى مصيرها وتتصرف بذكاء بعد أن تلتقى بأعمى تتخذه أبا بينما تدخر نقودا لتشترى أما ترعاها.
 الفيلم الثالث الهندى "نصف تذكرة" بطولة طفلين من المنبوذين بعد سجن والدهما وشقاء الأم لترعى شئونهم، يعملان فى جمع الحديد الخردة ويبعانه ليحصلا على نقود قليلة فجأة يتملكهما حلم بتناول البيتزا ويبذلان المستحيل ليجمعا مالا يكفى تناولها. أجواء الفيلم كلها تتحرك بين البيئة العشوائة التى تشبه عشوائات مصر مع البعض من البرجوازيين منهم طفل يتمتع بثراء والديه ويجرى بينه وبين البائسين الصغيرين حوار .
المخرج ناجح تماما فى قياده أطفاله وفى تسكين كل أبطال فيلمه فى أدوار تناسبهم، مما يحقق اندماج المشاهد مع الأحداث وكأننا نشاهد واقعا حقيقيا من خلال مرآة سحرية. فيلم رابع شارك المسابقة الرسمية بعنوان" يعقوب الصغير" لرجل يتذكر طفولته البائسة مع والده القاسي الذى كان يجلده لأقل غلطة.

يبدأ الفيلم بيعقوب رجلا وحيدا فى منزل مرتب ثم يقتحم بيته وخزانة أسراره الطفل ويسرد لنا المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو قصته مع حادثة سقوط ماكينة الدريس على ساق والده، ثم الحاقه بمدرسة داخلية ومشاكله مع أقران له يتمتعون بدفء الأسرة، وقبلها مشاهد لموت الجدة وحزنه الشديد لفقدها، من خلال التذكر ينجح الرجل فى التصالح مع ذكرى أبيه ويسامحه على قسوته.
 لدينا ميراث من أفلامنا يستخدم فيه الأطفال بأدوار سنيدة دائما يتصرفون ويتحدثون بطريقة تتجاوز أعمارهم حتى أصبح لدينا دعابة عن طفل لا يناسب حديثه  ولا طريقة تصرفه عمره " ده عامل زى أطفال التلفزيون، أو زى عيال السيما " . الأفلام الأربعة ( يعقوب الصغير، نصف تذكرة، بلانكا، لسنا وحدنا )  تتعامل مع الطفل بتفهم لسيكلوجية الطفل وأغلب مخرجيها لديهم تجارب مع السينما الوثائقية أو لجئوا لأبحاث قبل أن يكتبوا سيناريوهات أفلامهم.
أفلام كبرى خارج المسابقة الرسمية

واحد من أهم أقسام المهرجان ما يصنفه المدير الفنى الناقد الكبير يوسف شريف رزق الله تحت مسمى القسم الرسمى خارج المسابقة والذى شهد إقبالا كبيرا وخاصة مع  عدد من الأفلام التى سبقتها سمعتها العالمية مثل فيلم " تونى إردمان" الذى يروى عن الأب ستيفن الذى يقرر أن يزور ابنته حيث عملها الستراتيجى الهام فى بوخاريست، الفيلم الألمانى به موضوع قوى فى إطار من الكوميديا يدهشنا أنها آتية من ألمانيا حيث نعانى أحيانا من تصورنا النمطى عن صرامتهم وجديتهم، الفيلم ممتع وإنسانى نجح فى ايصال رسالته عن تفضيل العلاقات الإنسانيىة الحقيقية عن شهوة النجاح فى العصر الحالى رغم طول  زمن عرض الفيلم الذى تجاوز الساعتين بنصف الساعة.  ومن المملكة المتحدة استمتعنا بفيلم النجمة ميريل استريب وثيو جرانت وأيضا لا يخلو من نوع خاص من الكوميديا الراقية .
الإقبال الأكبر كان لفيلم  " درب اللبانة " للمخرج أمير كوستورتشا الذى قام بنفسه بدور البطولة فيه يعود فيه لموضوعه الأثير والسخرية من الحرب ، هذه المرة مع إنتاج ضخم شاركت فيه الصرب مع المكسيك،  وأجده مفتعلا يفتقد طزاجة وعبقرين البداية التى أحببنا كوستورتشا بسببها . وفيلم " التخرج " الرومانى " وبطله ذو الملامح العادية المختلفة عن نجوم السينما، الفساد فى رومانيا وصعوبة العيش فيه دون أن ينجرف الجميع نحو هذا الفساد.
فى نفس القسم الفيلم الكندى الفرنسى " إنها فقط نهاية العالم" الذى اختلفت حوله الآراء ووجدته يمتلك أسلوبا خاصا فى التعامل مع الكادر فى لقطات شديدة القرب غالبا وبإضاءة مجهدة للعين – وخاصة مع ضعف العرض بالمسرح الكبير – شوش على استقبالى للفيلم ما ذكره كثيرون عن بطله الشاذ جنسيا فى حين كانت عودة الابن الكاتب لأسرته ليخبرهم أنه مقبل على الموت، الارتباك الذى أحدثه ظهوره بعد اثنى عشر عاما من الاغتراب وما سببه من ردود أفعال متباينة مع أمه وأخيه الأكبر، زوجة الأخ والأخت الصغرى، نوع من الدراما النفسية التى تتطلب يقظة فى التلقى واستعدادا لاستقبال أسلوب سينمائى مغاير للمعتاد.  التميز الأسلوبى فى الإخراج يتمتع به المخرج الفلبينى ميندوزا فى فيلم "ماروزا" وخاصة فى تعامله مع مشهد التحقيق مع الأم فى قسم البوليس الذى يشهد فسادا كبيرا، التعامل مع القسم والتحقيق غير التقليدى وحركة الكاميرا التى جعلها تصحب ضابط القسم الكبير الفاسد وهو يخرج من الباب الخلفى حاملا أموال الرشوة، حركة كاميرا كاشفة وتشرح الكثير دون كلمات مباشرة، شخصية الأم التى تمتلك متجرا صغيرا وترأس أسرتها وتحاول حماية أطفالها أداء جبار للممثلة بتوجيهات المخرج. أما فيلم المُدرسة فرغم سيطرة فكرة الهجوم على الحقبة الشيوعية ورفضى لهذا الهجوم الذى بدا فجا وهو يتناول المدرسة التى تستغل موقعها كرئيسة لخلية الحزب الشيوعى الحاكم وقتها فى استغلال تلاميذها وأولياء أمورهم، ما أراحنى أن نهاية الفيلم تظهر المدرسة وهى تمارس نفس الأفعال بعد سقوط الشيوعية مما ذكرنى بالحكمة القائلة بأن الناس معادن، وهاهى سواء فى الحقبة الشيوعية أو بعد انهيارها تمارس نفس الأفعال فى فيلم قوى وممتع فى أن يعكس الاختلافات بين البشر فى قضية تخصهم، من يهادن، من يخالف ضميره، ومن يمتلك الشجاعة لمواجهة الخطأ والفساد. كل الأفلام الناجحة لا نجد بها خللا فى السرد ولا ارتباكا فى الأسلوب، كل فيلم له نسيجه الخاص المتسق مع فكرته، أكتب هذا والحسرة تملؤنى لضعف الأفلام المصرية التى اختاروها للمشاركة بمعزل عن لجنة اختيار الأفلام تدور فيها مناقشات ونتبادل فيها الآراء ونقدم رأينا مكتوبا عن حيثيات الرفض أو القبول أو القبول بحماس، وما زالت الحكمة العربية " ما خاب من استشار" صالحة وحامية فى مواجهة اختلاف الأذواق وفى مواجهة رقابة رسمية أو مجتمعية.
عن الفيلمين المصريين المشاركان بالمسابقة الرسمية
خلل البناء أضاع الهدف
شارك فيلمان مصريان بدورة مهرجان القاهرة 38 أولهما للمخرجة كاملة أبو ذكرى التى حققت سمعة طيبة وخاصة بمسلسلات تلفزيونية ناجحة أولها "ذات" عن قصة للكاتب الكبير صنع الله ابراهيم، ثم "سجن النساء".
والعملين للسيناريست مريم نعوم وتصوير نانسى عبد الفتاح. حازت المسلسلات الإعجاب العام باستثناء صوت وحيد كان يصرخ بأن هذا ليس فنا، رأى أن نقل الواقع والإغراق فى التفاصيل ليس كافيا لنسمى العمل فنا. ويبدو أن لعنة المسلسلات – والتى يجدها مخرج مثل داوود عبد السيد أعمالا تهدد السينما وتأتى على النقيض من التكثيف المميز للفيلم السينمائى- لعنة المسلسلات أصابت مخرجتنا التى نجحت قبلا مع فيلم "واحد صفر" وقبله مع "ملك وكتابة". 
هنا فى "يوم للستات" شعرت بأننى أتابع مسلسلا مضغوطا وليس فيلما سينمائيا مبنى على أساس من سرد لا يتجاوز الساعتين فى بناء محكم أيا كانت شخوصه، هل لبطل مفرد أو بطولة جماعية لأفراد يجمعهم مكان واحد وإن اختلفت الشخصيات. المخرجة كاملة أبو ذكرى لا تكتب أعمالها ولكنها أيضا لا يمكنها أن تقوم بتنفيذ ورق وصلها – الورق تعبير يستخدمه أهل صناعة السينما فى مصر ويردده خلفهم الصحفيون، المهم الورق، العيب فى الورق، عندنا أزمة ورق. الورق، السيناريو المكتوب الذى تسلمته المخرجة سواء من المنتجة  أو عن طريق الكاتبة، لابد أنها قرأته جيدا  فوجدت فيه ما يستحق حماستها لتخرجه ومن المؤكد أيضا أنها تناقشت مع الكاتبة والمنتجة لكى تصل إلى نسخة سيناريو معدة للتصوير. فى كتالوج المهرجان ملخص الفيلم وهى المادة الصحفية التى يرسلها صناع الفيلم كتبت هكذا: تدور أحداث "يوم للستات" على مدار أربعة وعشرين ساعة في أحد أحياء مصر الفقيرة حيث يقرر مركزا للشباب أن يُخصص يوماً خاصاً بحمام السباحة للنساء فقط. تكشف الأحداث عن عواقب هذا القرار على الحياة الاجتماعية، النفسية والعاطفية لنساء الحي.
عذرا لم أشعر من الإيقاع أن الأحداث دارت على مدى 24 ساعة بل على الأقل على مدى 24 يوما تبدل فيه حال ناهد السباعى من عزة الهبلة إلى فتاة تحب وتتمنع، وتتحب ويصحبها حبيبها لتأكل فى مطعم كنتاكى، ولا أن تتغير نظرة نيللى كريم الكئيبة للحياة بعد فقدها لابنها وزوجها فى العبارة وتبتسم لأول مرة بعد أن عرفت أن مدرب السباحة هو من يرسل لها رسائل على محمولها بدون توقيع، ولا أن تلتقى الهام بعد عشرين سنة من الانتظار بحبيبها الذى تزوج غيرها وتنام معه، أخيرا هناك من تعامل مع جسدها بما هو أكثر من التحسيس. – سمعنا فى مونولوج طويل منها كيف يعاملها من يرسمونها دون أن نشاهد ما تحكى عنه-
خلافا لشخصية المتعصب الدينى وانكشاف سبب تعصبه نتيجة الكبت الجنسى والإحساس بالفشل، هل يمكن لأحد أن يوهمنا أن مشاهد حمام السباحة المتتالية تمت كلها فى يوم واحد، يوم تحضر فيه الهبلة وبقدرة قادر تصبح قادرة على العوم ثم تحضر باقى النساء ويقام الحفل وتسرق ملابسهن وتبقين فى الحمام ثم يتم العثور على بعضها بجوار الزبالة ثم يردون الكيل للرجال ويدخلون الحارة بملابس داخلية مبللة . وشجار و... تفاصيل كثيرة التشعب لا يمكن بحال من الحوال أن تتم فى 24 ساعة. ما علينا. لا يذكر الملخص أيضا ما يتعلق بمشاهد تتم فى الحارة – ديكور العزيمة وما تلاها من أفلام حتى وقتنا هذا- ولا ما يتم فى بيت الفيشاوى وأختهم نيللى، ولا فى بيت الهام ولا فى بيت الهبلة وجدتها المريضة ، وكلها بمفردها تشكل فيلما يضاف إلى تيار الواقعية المصرية بحارته ونماذجه الشعبية ومعاركه وأفراحه القليلة أيضا. نشاهد المشهد وتعلو الموسيقى ويجتهد الممثلون ثم لا شيء يحدث. وتعود الفتاة فى لقطتها تسبح وكأنها من رواد نادى الجزيرة حتى نيللى كريم فشلت فى أن تغرق بل غطست كسباحة ماهرة وعلمنا فقط من الصراخ وحوار عالى من الهام والأخريات أن ليلى بتغرق، وبدلا من أن تنفرد بمشهدها يصبح مشهد الاعتراف لالهام عن رسمها وهى عارية فتبكى نيللى بحرقة فتصرخ الهام لأن البكاء انفراجة مما يعنى أنها شفيت من كتمانها لرد فعلها، مشهد به مجهود كبير من الجميع ولكنها تعود حزينة بنفس التكشيرة، وحتى عندما تخرج فى مشهد مصنوع صور بالاستديو مع اياد نصار وتبتسم تعود كما كانت وكأن كل ما نشاهده لقطات مجانية لا تؤثر فى تطور البناء الدرامى مما يحدث التغيير فى مسار الشخصيات .فقط (آدى احنا لعبنا شوية وعيطنا شوية وحبينا شوية) وعدنا للمجارى الطافحة ولم يفعل حمام السباحة فعله مع ناس – على الأرجح يستحقون ما هم فيه من بؤس ولا سبيل إلى إصلاحهم. من أين أتى مدرب السباحة الراقى الوسيم هذا، لا نعرف جذوره ولا أى خلفية عنه هل تكفى الكتب فى ديكور منزله لنستنتج أنه مثقف ولهذا هو محترم، وكيف تتمكن الهام ومعها حميدة من تحقيق ليلة دخلة بهذه السلاسة وهما المحرومان منذ ما يقرب من عشرين عاما، فى عودة الابن الضال وبعد زفاف سهير المرشدى على على العائد مهزوما من الحرب تغتصبه بشراسه وتمزق ملابسه، كبت السنين لا يمكن أن يحل هكذا ببساطة فنشاهد الهام جالسة على السرير فى حضن الرجل الذى تركها وتزوج غيرها وكأنها عروسان ليلة دخلة عادية جدا. من المسئول عن هذا التناقض فى رسم الشخصيات وتفهم دوافعها؟ من حوار أجرته المخرجة مع مجلة وزعت على من حضروا عرض الفيلم حاورتها عالية قاسم قالت كاملة أن جيل الهام كان مسئولية الهام المنتجة والبطلة الأولى وأن جيلها مسئوليتها هى، عن أى جيل تتحدث كاملة، هل العمل اخراج مشترك بينها وبين المنتجة، هل الكاتبة قامت بتفصيل خطين واحد يرضى الهام فى الحارة مع الممثلين المخضرمين حميدة والفيشاوى ونصار تجاوزا وخط يرضى كاملة مع ناهد السباعى وأحمد داوود والفيشاوى الصغير. وأين تقع نيللى من كل هذا ومع أى خط تتواجد!. لا شك أن العمل به بعض اللمحات الفنية المميزة ولكنه افتقد البناء المتماسك الذى يجعلنا نصل إلى فكرة العمل الرئيسية، هل هى دعوة للحرية؟ ،هل هى بكائية على حال فقراء فى عصر مبارك شوارعهم بها طفح دائم للمجارى؟ هناك شكلانية سواء فى مشاهد بها تصور ساذج عن الرومانسية المفقودة والتى يفكر بعض الفنانين فى إعادتها، وهناك الواقعية الفجة بنماذجها من متعاطى الحشيش والمخدرين السابحين فى المجارى. وكل مشهد مع نوره نانسى تهتم بوجه الحبيبين نيللى ونصار وكأنهما فى عالم آخر لولا شريط الصوت الذى أضيف لاحقا فى المونتاج والمكساج. الهام مع حبيبها بالشموع دون حساب لسنوات العجز والفشل. فجأة تتحول الهبلة التى شاهدناها فى بداية الفيلم تسبح وسط الصبيان بملابس داخلية  إلى فتاة بمايوه تسبح كما الفراشات تربية النوادى وتجلس مع الميكانيكى فى مطعم حلمت به.  يبدو أن الجميع فى حالة من ألزهايمر لا يتذكرون كيف كانوا وكيف أصبحوا. صناع الفيلم جعلونا نتفرج على الشخصيات وكأنهم مجموعين فى حديقة حيوانات بشكل فولكلورى تماما يحضرون حلة محشى بجانب حمام السباحة، ويرقصون على أنغام مختلطة، تختار كاملة الكومبارس كما اعتاد صناع السينما السائدة اختيارهم كاركترات مضحكة، هى لا تكرههم ولكنها تنظر لهم عن بعد ككائنات لا تعرفها.
تتمتع المخرجة كاملة أبو ذكرى بسمعة طيبة فى الوسط السينمائى وبين الصحفيين مما جعل البعض يلقى بمسئولية ضعف الفيلم بشكل كامل على الكاتبة هناء عطية، وهى تتحمل جانب كبير من مسئولية السيناريو بالطبع ولكن السيناريو الذى وصلنا مع الفيلم المعروض مسئولية المخرجة وخاصة أنه ليس عملها الأول .  فنقلا عن كتالوج المهرجان أيضا: 
  المخرجة " كاملة أبو ذكري ":
 ولدت في مصر عام 1974. بدأت كاملة أبو ذكري مشوارها المهني كمساعد مخرج. في عام 2004، أخرجت فيلمها الروائي الطويل الأول "سنة أولى نصب". يتضمن رصيدها السينمائي فيلم "واحد صفر" الذي أشيد به نقدياً وشارك في العديد من المهرجانات السينمائية من بينها مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. حصل الفيلم على أكثر من خمسة وأربعين جائزة دولية، وأخرجت أيضاً فيلم "ملك وكتابة" عام 2006. على صعيد الدراما التلفزيونية، أخرجت مسلسل "حكاية بنت اسمها ذات" عام 2013 ومسلسل "سجن النسا" عام 2014.
فيلموجرافيا مختارة: ملك وكتابة (2006)، واحد صفر (2009).
 يوم للستات فيلم المخرجة كاملة أبو ذكري، بطولة : إلهام شاهين، محمود حميدة، نيللي كريم، إياد نصار، فاروق الفيشاوي، أحمد الفيشاوي، أحمد داوود، ناهد السباعي، هالة صدقي، رجاء حسين.
  سيناريو: هناء عطية فى ساعتين إنتاج مصر لشركة الممثلة الهام شاهين بعد عمل سابق مع الكاتبة فى خلطة فوزية للمخرج مجدى أحمد على مما يؤكد اقتناعها وتفهمها لما تقدمه هناء عطية وهى كاتبة قصة لها مجموعة مميزة بعنوان هى وخادمتها، تخرجت من المعهد العالى للسينما قسم سيناريو وهذا العمل مساهمتها الثانية للفيلم الروائى وتعد للممثلة عملا آخر سوف تخرجه المخرجة هالة خليل.
 قدمت هناء عطية فكرة لامعة يمكن صياغتها كالتالى، ما الذى يمكن أن يحدث لو خصص يوم للستات فى حمام سباحة بنادى شعبى، وهى فكرة يمكن عن طريقها مناقشة أوضاع تتعلق بالعلاقة بين الرجال والنساء وبين بعضهن البعض، مكانا مفتوحا يسمح بعرض شكل من أشكال الدراما مختلف عن الحارة التى تمسكت بها المخرجة وجعلتها خطا موازيا لما يحدث بالحمام .
للأسف ضاعت فكرة جيدة جدا فى سرد مفكك وتم الاهتمام بتفاصيل على حساب تأسيس الشخصيات وتبيان جذورها ودوافعها، انجرفت المخرجة وراء الانبهار بسباحة الفتاة الساذجة حتى انها كررت لقطتها كموتيف بالفيلم ونسيت غزل خيوط باقى الشخصيات فلم نعرف من أين أتوا وما هى دوافعهم، باستثناء شخصية الموديل التى قدمتها الهام شاهين كانت الأكثر اكتمالا فى العمل ووحدها تصلح لبناء فيلم، ولكن صناع العمل - ولهم كامل الحرية - فى تفضيل السرد عبر مسح لشخصيات الحارة وهو خط يؤسس بمفرده لفيلم متكامل دون أن تطغى عليه مشاهد الحمام ، باختصار لم يتضافر الخطان ولم يتم غزلهما معا ليخدم كل منهما على الآخر. ولا أعتقد أنها عيوب ورق أو كتابة ولكنها مسئولية المخرجة المسئولة عن السيناريو الذى وصلنا فى نسخة الفيلم النهائية وخاصة لما لدى كاملة ابو ذكرى من خبرة فى أفلام متماسكة سابقة لها كفيلم "واحد صفر" وفيلم "ملك وكتابة". رغبة المنتجة ورغبة المخرجة فيما يسميه أهل المهنة( أفيش حلو ) يتزاحم فيه عدد كبير من الممثلين النجوم أضر بالفكرة وأضاع رونقها وخاصة مع تنميط عدد من الشخصيات وخاصة دور الفيشاوى الصغير. أختلف مع لجنة التحكيم فى منح الجائزة لناهد السباعى فقد فلتت منها الشخصية وأصابتنى بالحيرة، هل هى هبلة فعلا أم انسانة فقيرة بتستعبط بالإضافة أنها ليست بطلة العمل ودورها ليس الدور الاول بل دور الهام شاهين.
 أما العمل الثانى "البر التانى"  فمشاكله أكثر فداحة فالأفكار الكبرى لا تقف وحدها لعمل فنى كبير المهم كيف يتم تناول هذه الأفكار وكيف تتم معالجتها فى فيلم اختار مناقشة الهجرة غير الشرعية التى يلجأ إليها شباب من دول كثيرة هربا من البطالة فى بلادهم، على مدى سنوات شاهدنا أعمالا تسجيلية وروائية تناولت الحدث وأغلبها كان هروبا من بلدان المغرب العربى حيث أوضاع اقتصادية قاسية إلى الحلم الأوربى عبر السباحة أحيانا أو عبر الارتحال بمركب غالبا يقوم تجار ليس لديهم ضمير بتكديس الناس فيه وتحميله أكثر من حمولته فيغرق ويغرق أغلب المهاجرين قبل الوصول إلى الشواطئ الأوربية. انضم مهاجرون سوريون بعد الأزمة السورية وأخيرا انضمت مصر أيضا وآخر ما وصلنا فاجعة سميت بمركب رشيد التى غرق بها أكثر من 400 شاب كانوا يسعون للوصول إلى إيطاليا. شاهدنا أفلاما عديدة عرضت بمهرجان الإسماعيلية ومهرجان القاهرة عبر دوراته فى العشر سنوات الأخيرة وأخيرا فى بانوراما الفيلم الأوربى. ويبدو أن صناع الفيلم المصرى لم يكلفوا أنفسهم عناء الاطلاع على هذه الأفلام ولو من باب عدم تكرار مشاهد ما. فجاء عملهم الأضعف الذى مر على حتى كتابة هذه السطور. سيناريو شديد البطء أضاع زمنا طويلا قبل الوصول الى مربط الفرس أو المشهد المنتظر بالتجمع عند شاطيء البحر. ومخرج تعامل باستهتار كامل مع تفاصيل مطلوبة لنصدق أن ما نشاهده مركب تحمل مهاجرين وليس مجموعة أصدقاء فى رحلة بعرض البحر. مرت أربعون دقيقة بكاملها لتجميع أبطال الفيلم الثلاثة من قراهم التى بدت كقرى خارج الزمن، فلاحوها أقرب إلى فلاحين السينما بطريقة حديثهم وأداؤهم الميلودرامى الفج. فى برامج تلفزيونية شاهدنا كيف يتحدث أهالى منكوبى حادثة رشيد وكيف تبدو الفلاحة التى فقدت ابنها ثابتة وهى ترد على سؤال المحاور بأنها سترسل ابنها الآخر لأنه لا يوجد بديل. فمن نجح فى الوصول تمكن من الزواج وبناء بيت وشجع غيره على خوض المغامرة، هكذا شاهدنا الواقع وعلى قسوته إلا أن به مرارة تفوق ميلودراما مشاهد صناع الفيلم وهم يقدمون لنا نماذج فلاحية اختفت من عالمنا المعاصر.
أعود للقول أن التركيز على ثلاثة نماذج أحدها فقط المنتج الذى انفرد بالملصق الدعائى للفيلم وأنه طرزان ذاهب إلى مغامرة فى الأدغال. الفاعل الوحيد على المركب، المنقذ الجميع من الغرق ومن الفشل ومن الإحباط. نموذج اختفى من عالم السينما شجيع السما هذا القادر وحده على شق البحر والعوم بجثة زميله المهاجر. فاتنى أن أذكر انفراد أحدهما بمشاهد عودة للخلف لتوضيح دوافع سفره وتميز آخر بمشاهد قفز للمستقبل تعويضا عن إفلاس فى استعراض ما يمكن أن يحدث لرحلة بحرية فى خضم بحر هائج ولمسافة كبيرة لمسنا خطورتها من أفلام سابقة تناولت الفكرة، أفلام فرنسية ومغاربية وأفلام أخرى إفريقية فالحدث متكرر فى كثير من بلدان تعانى أزمات اقتصادية مثلنا الآن.
وحتى لا يتم التحجج بضعف الإمكانيات يمكننى ذكر فيلم عرض بدورة بانوراما الفيلم الأوربى الأخير اكتفى مخرجه بالتعامل مع أحد الساعين للهجرة وصور زملاء له يتجمعون على جزيرة بالمغرب تواجه سورا عاليا بأسبانيا، ونجح فى تقديم فيلم شديد الجمال دون أن يستخدم تقنيات تصوير مكلفة ودون أن يغادر الجزيرة وبقى مستعرضا نماذجه من الحالمين بعيش أفضل فى أوربا، واستعان فقط بشريط المراقبة بجودة تصوير شديدة التواضع  لتصور عملية العبور المضنية  بتسلق السور الحديدى البعيد عن نيران البوليس .

فيلم " البر التانى " يتبنى فى محصلته النهائية وجهة نظر رسمية تدين المهاجرين وتوضح أنهم وحدهم سبب مأساتهم فكيف يجمعون أموالا كثيرة ويمنحونها إلى مهربين فاسدين ويلقون بأنفسهم إلى التهلكة.
البر التانى 99 ق انتاج مصرى 2016  اخراج على ادريس ، سيناريو زينب عزيز، تمثيل محمد على . ملخص الفيلم كما ورد بكتالوج المهرجان يتتبع قصص مجموعة من الشباب المصريين يحاولون الهرب من قراهم الريفية المحرومة من أساسيات الحياة، تجمعهم رغبة واحدة وهى الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا حيث يسافرون على متن سفينة قديمة متهالكة. بينما رؤية الساحل الإيطالى تشعل آمالهم. تضع أمواج البحر الغادرة نهاية لأحلامهم.
لاشك أن هذا الملخص به طموح لم يصلنا معناه لفشل تام فى التعبير عن مراحل الرحلة والتى عبرت أفلام كثيرة عنها ببراعة مؤثرة. والمدان الوحيد فى الفيلم خفر السواحل الإيطالى الذى حصل على رشوة بالاتفاق مع قائد المركب وفجأة تظهر نقود لا نعرف من أين أتت رغم طول مدة التحضير. لا إدانة لبوليس مصرى يهمل سواحله ولا يراقبها ولا يوجد نموذج واحد رفض السفر أو وصل متأخرا. لا دراما حقيقية بل نوع من الاستسهال وافتراض أنه ما حدش هياخد باله- ويا ليتنا كنا فعلا مش واخدين بالنا .
  " آخر أيام المدينة " والتراجع عن مشاركته المسابقة الرسمية
 بينما مثل مصر هذين الفيلمين مٌنع من المشاركة فيلم " آخر أيام المدينة" رائع البناء والمميز بتداخل الروائى مع التسجيلى به، وكيف كثف فكرته تماما وقلل من شخوصه. البطل خالد عبد الله مخرج وثائقى هو المخرج ذاته فى حيرته وبحثه عن مسكن بقلب القاهرة ومع رحلة بحثه التى تسير فى خط يقطعه لقاءات مع صديقيه كل من مدينة انتهت بالفعل بيروت وبغداد نرى الأصدقاء وقد تجمعوا بسيارة مفتوحة تجوب القاهرة والمخرج المصرى مع كاميرته يصور المدينة فى لحظة توشك فيها الثورة على الانفجار، ومع سفر الأصدقاء العرب، حبيبته تتركه وتقرر السفر للهجرة وتتركه.
مهزوما فى العثور على مسكن يحاول الاحتفاظ بذكرى من والده فلا يجد أحدا يعرفه.  بمشاهد منفذه بشكل رائع، يرصد تحولات النسيج السكانى وأزمة الأصدقاء، ينجح فى نقلها إلينا عبر شحنة عاطفية تضعنا فى حالة الانتظار، الاستعداد للانهيار فى مدينة توشك على أن تلحق بأخواتها وتكون " آخر أيام المدينة" على مشارف العام 2011 . فهل ننتبه. 

فى الخلفية هناك صيحات لمظاهرة .. يسقط .... ومجموعة بملابس مدنية تقبض على متظاهر وتشحنه بعنف فى سيارة، بينما يعبر البطل يشاهد حبيبته التى هجرته يطلبها بالتليفون نراه ويراها هى تنظر الى الرقم ولا تجيب. حالة الفقد والقهر تتداخل يزيدها المنازل التى تهدم على محتويات كأنها بشر أحياء.
 منذ متى تشارك السينما التجارية بأعمالها فى المهرجانات وتستبعد أفلام بديلة مكانها العرض بالمهرجانات المتخصصة، منذ متى نعاقب فنانا على وجهة نظره  السياسية فنقف له بالمرصاد ونعاقبه لأن هناك فى الخارج من احتفى به، منذ متى نتسول من صناع السينما ليشاركوا بالمهرجان فيملون شروطهم ومنها عدم العرض على لجان الاختيار والقبول الفورى للفيلم ومنحه امتيازا إضافيا بعرضه فى الافتتاح، كما حدث مع " يوم للستات " أو بشراء التذاكر لتمتلئ الصالة بالموالين مدفوعى الأجر. كما حدث مع " البر التانى " . منذ متى تقزمنا إلى هذا الحد وأصبح المنتج التجارى هو الممثل الوحيد والمعتمد  للسينما المصرية.
فى الوقت الذى تم حذف فيلم " آخر أيام المدينة " من المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى 38 يواصل عروضه ونجاحاته خارج مصر، ينقل لنا الناقد السورى ماهر عنجارى صورا مفرحة لتزاحم الجمهور على حضور العرض بمهرجان نانت بفرنسا للقارات الثلاث ومنها أن العرض اثانى للفيلم حضره وزير الخارجية الفرنسى المداوم على حضور المهرجان منذ كان عمدة لمدينة نانت وأعجبه الفيلم جدا وأخذ يبحث عن المخرج تامر السعيد ليشكره على إبداعه، يشير ماهر عنجارى الأخبار والصور مصحوبة بتعريف تامر السعيد يسبقه لقب المخرج المصرى، نعم هذا هم المخرج المصرى كريم العنصرين . 
نشر بالعدد الثامن من مجلة الفيلم نوفمبر 2016
رئيس التحرير سامح سامى رئيس التحرير التنفيذى حسن شعراوى