Monday 19 December 2016

حقوق النساء كما ترصدها الأفلام الروائية

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
 للنساء فى مصر
نتيجة سيطرة فكرة الشرف والعيب  فى المجتمع المصرى تغلب فكرة مناقشتها فى الأفلام بدرجة أكبر كثيرا من مناقشة حقها فى العمل أو استقلالها الاقتصادى، وفى الحالات التى يتم فيها تناول قصة امرأة عاملة تعرض مقرونة بفكرة تفوق الرجل وقوامته والانتهاء بأن دور المرأة الحقيقى أن تكون خلف رجلها " تنور بيته وتربى عياله" . القليل الذى نرصده من الأفلام الروائية التى تستهدف الجمهور العريض ناقش حق المرأة فى العمل بل وتفوقها أحيانا على الرجال، ولكنها إما فى أسلوب كوميدى يغلب عليه السخرية من المرأة وطموحها، أو فى دراما رومانسية تنتهى بإقرار المرأة بأن مكانها فى البيت لترعى الزوج والأولاد . سأبدأ مع فيلم الأفوكاتو مديحة الذى أخذت فيه المرأة نصيبها من التأنيب عبر خطب رنانة من أخيها الأكبر يوسف بيك وهبى  وبعد أن نالت ما نالته من التقريع والتأديب نجدها وقد تحولت إلى كائن ناجح فى حياتها العملية وكما ورد فى تعريف الفيلم بموقع السينما العربية (الأفوكاتو مديحة 1950 ﻓﻴﻠﻢ مصرى ﺗﻢ ﻋﺮﺿﻪ 10 ابريل 1950 .)
ويحكى " محمد ناظر عزبة متعلم  ومتواضع  ومديحه أخته محامية شابة تتعالى على حياة الريف وأهله وبرغم طيشها يساندها أهلها الريفيون دون علمها لكى تنجح فى حياتها العملية ." المرأة فى الفيلم رغم تعليمها العالى طائشة، ناقصة عقل احتاج من يوجهها – ويعلمها الصح- الفيلم من ﺇﺧﺮاج وتأليف يوسف وهبي ،  أبو السعود محمد (مراقب السيناريو)، تمثيل مديحة يسري  يوسف وهبي ، سعيد أبو بكر، سانتا ندير ،محمد قنديل و سيد سليمان. بعد الخطب المباشرة لعميد المسرح والسينما يوسف وهبى نجدها وقد تخلت عن تعاليها وإحساسها بالتفوق. لم يكن أمر عملها لتكسب وتنفق على نفسها بل لتحقق ذاتها وهو أمر مستهجن فى الثقافة المصرية حيث مطلوبا من المرأة أن تعمل فقط لتنفق على أولادها عند اختفاء الزوج بالطلاق أو الموت ، أما أن تعمل لكى تصبح عضوا نافعا فى المجتمع فهو ما يسخر منه الفيلم من داخل شخصياته ويتبنى صناعه وجهة نظر هذا المجتمع الذى حجم المرأة وقلص وظائفها.
نسخة معدلة من الفيلم تقوم فيها فاتن حمامة يتمثيل  دور الأستاذة فاطمة

التى درست القانون وتأهلت لتمارس المحاماة تشجيعا من والدها الذى لم ينجب ذكرا يحقق له طموحاته، تتعثر فى مكتبها وتسرق زبائن الرجل الناجح وحين تتزوجه تنجح بما أهلته لها دراستها فى الدفاع عن الزوج كمهمة وحيدة وأساسية للمرأة حتى لو كانت فاتن حمامة التى قامت بأدوار تسعى فيه إلى حريتها وتطالب بفتح الأبواب لها ولبنات جنسها فى مطالب بالمساواة مبكرا جدا فى فيلم لطيفة الزيات وهنرى بركات " الباب المفتوح "، فيه تمر الفتاة ثم السيدة بثلاثة مراحل مع نوعيات مختلفة من الرجال وينتهى باختيارها أن تكون بجوار الحبيب الثورى الذاهب إلى بورسعيد متطوعا للدفاع عن وطنه فى حرب 1956 .
حتى هنا دراستها وتطوعها مدفوعة بالوقوف خلف الرجل وليس بجانبه.
أما الحق فى العمل فيأتى دائما فى حالة الاضطرار كما فى فيلم " أنا وبناتى " الراسخ فى أذهاننا بعنوانه التالى بيت العز، فالبنات الأربع تضطررن للعمل بعد أن يعجز الأب على الإنفاق عليهن ، فى الفيلم مشهد تتكافتن  وتحتضن كل منهن الأخرى باكيات لأنهن سيخرجن للعمل، بعد إصابة الأب ، هذا المشهد تحديدا يصيب بعض ممن يشاهدونه من بلدان أخرى باستغراب شديد فما هى المأساة فى أن يعمل إنسان ما؟ بالطبع هم لا يتصورون قدر الأفكار الاجتماعية الخاطئة التى كانت لديهم يوما ما  قريب فى بدايات القرن العشرين فى وقت ليس بعيد من حوالى مائة عام فقط أو يزيد قليلا فى أوروبا كما يرصد فيلم " ابتسامة الموناليزا " حيث تواجه معلمة طليعية – وهى النجمة جوليا روبرتس- أفكار سيدات المجتمع وصاحبة ومديرة مدرسة للفتيات تهدف من تعليمهن أن تصبحن ربات بيت مطيعات للزوج وأن تقمعن مواهبهن ورغباتهن لتمضى الحياة فى نفاق اجتماعى بزواج يشبه ما نسميه الآن – زواج صالونات- وهو المناخ المسيطر على مصر الأربعينيات حيث لا تعمل النساء لكسب عيشهن أو لتحصلن على استقلالهن الاقتصادى الا عند الضرورة القصوى. وحين تفكر فتاة أو امرأة فى العمل – ياخدوها على قد عقلها – ويتظاهرون بالموافقة حتى يقنعها حبيب أو تقتنع لسبب ما وتعود لأحضان قناعات باقى أفراد الأسرة ذكرها والأم التى تتبنى أفراد ذكور العائلة حرصا على سلامة ابنتها – من البهدلة فى سوق العمل- أكتب وفى ذهنى فيلم " عائلة زيزى" فنيا واحد من أفضل الأفلام الكوميدية الذى يعكس العلاقات داخل الأسرة المصرية  ولكن الأخت - وتؤدى دورها الجميلة سعاد حسنى-  حين ترغب فى التمثيل كعمل تتصور أنها أهل له، يتوحد الأخوان لمنعها من التمثيل بدعم الأم بالطبع ، ويدعمهم بشكل غير مباشر المخرج السينمائي داخل الفيلم الذى يفضلها زوجة ويتقدم لخطبتها وننتهى إلى رسالة أن حصولها على زوج أفضل للجميع من حصولها على عمل.  ولم يكن هذا موضوع الفيلم الأساسى بل كان التركيز على المخترع فؤاد المهندس الذى صمم ماكينة لصنع القماش، كلنا نحفظ تعبير " طلعت قماش " وزوجته – التى ستصبح زوجته – ابنة صاحب المصنع الذى سيمول مشروع المبدع الرجل وهى تسانده ولا تغضب حين يغازلها " أنت أجما ماكينة شفتها فى حياتى" نعم النساء ماكينات تحتجن إلى التشحييم والتزييت ، تحتاج يد الرجل المبدعة لتخرج أفضل ما بها وتطلع قماش. المخرج فطين عبد الوهاب ناقش عمل المرأة فى فيلم كوميدى طريف آخر " للرجال فقط" حيث تتنكر نادية لطفى وسعاد حسنى فى زى الرجال لتتمكنا من العمل مهندسات فى موقع للكشف واستخراج البترول كما زميليها إيهاب نافع وحسن يوسف، هنا مناقشة ساخرة أن حرية التعلم والوصول لأعلى درجات التعليم مسموح بها أما العمل فهناك مهن محددة فقط يميل المجتمع نحو أن تمارسها النساء، ممرضة لا طبيبة، سكرتيرة وليست مديرة، معلمة للأطفال، وإذا عدنا للفيلم نجد أن علاقات الحب بين الشابين والفتاتين وقد تحولت إلى موضوع الفيلم الرئيس وليس حقهما فى العمل الذى تؤهله لهما الدراسة التى درسنها.  النماذج السابقة لأفلام تدور فى الطبقة الوسطى والنساء متعلمات وستم طرح قضية العمل فى أفلام تتناول نماذج للمرأة فى الطبقات الشعبية، غالبا تعملن خادمات منازل اضطرتهن ظروف اجتماعية للتضحية وممارسة هذا العمل، ويمكن أن نضم إليهن أيضا من تحترفن الرقص أو الغناء فى الكباريهات أو حتى فى فرق فنية وينظر لهن بشفقة وتظهرن فى الأفلام بائسات تنتظرن المخلص،
( رجل شهم يحبها ويستتها ويبعدها عن ولاد الحرام). وهن بالطبع كائنات خلقن لغواية الرجل أو لخدمته والجلوس تحت رجليه، فقط الحب الرومانسى قد ينقذها من مصير قطعة القماش الممزقة بتحويلها إلى ست بيت ( هدى سلطان وقد تزوجت فريد شوقى ولم تعد تغنى فى الصالات أو تقرأ الطالع، بل نتظره فى البيت تغنى سعيدة أثناء إعدادها الطعام " الأسطى حسن " وهى ست كُمل صاينة بيته يساندها أهل الحى ويتفهموا لجوءها لعمل الحياكة فى المنزل حتى تنفق على ابنها وأمها وتعوض انصرافه عنها. يتم التعامل مع عمل المرأة  لكسب النقود  بميلودرامية وكأنها مأساة لابد من زوالها بعودة الزوج – الى مراته حبيبته- وإعفاءها من العمل المهين. ستمضى السنوات ويتم تناول شخصية الخادمة والعاملة البسيطة بشكل طليعى يركز على إنسانيتهن ويظهر تضامن النساء ويهاجم بلا مبالغة الرجل الأنانى وأفضل نموذج على ذلك فيلم " أحلام هند وكاميليا " للمخرج المتفرد محمد خان حيث نجلاء فتحى زوجة لرجل بخيل أخذها لخدمته وأعفاها من خدمة الأغراب وصديقتها الخادمة قليلة الحيلة أمام إغواء الرجال . خان يظهر الرجل هو الدنيء ، الأنانى ، الذى يمارس الغواية وليس الفتاة أو السيدة كما يتصورها رجال فيلم  "لحن الوفاء ". فضلت هند أن تترك زوجها وتمارس عملا يضمن لها عيشها على العيش فى انتظار ( خمسة جنيهات تركها الزوج لكى تطبخ له بامية باللحمة الضانى) وهو أمر غير ممكن يتعامى هو عن كيفية تدبيرها النقود المهم أن يحصل على مايريد ( يملأ كرشه) ، لا ينتهى الفيلم نهاية ثورية بأنهما مثلا تنجحان وتشقان طريقهما، بل بضياع تحويشة العمر حين قررتا أن تلهوان قليلا على شاطيء البحر مع أحلام ابنة هند وقد تلاعب المخرج فى عنوان فيلمه البديع وأسماه أحلام هند وكاميليا . الابنة والمعنى معا.
استغلال الرجال للنساء وسرقة أموالهن تيمة متكررة فى كثير من الأفلام ففى " شادر السمك " يستغل أحمد زكى نبيلة عبيد بعد أن تظاهر بحمايتها من معلمى السوق وحين تتزوجه وتسلم له مالها الذى ورثته عن زوجها المتوفى يتنكر لها ويتزوج عليها . السينما التجارية فى مصر هى سينما نجوم كما السينما الأمريكية والهندية تفصل مواضيع أفلامها وقيمها المطروحة لخدمة النجم فنجده مهابا ومثاليا إذا كان النجم رجلا ، والنجمة نجدها مضحية وقوية ، وأخلاقية تقاوم الرجل وقد تغلبه إذا كان الفيلم معدا لنجمة، وأشهر مثال هما النجمتين نبيلة عبيد ونادية الجندى، فى أفلامهما يمكن تمرير حقوق المرأة اقتصاديا واجتماعيا لتظهر البطولات التى يمكن لهما أن تقدماها، ولكنها تبقى مرهونة بهما فقط كشخصيتين استثنائيتين فى رسم يشبه الشخصية النسائية فى الفيلم الفرنسى، المرأة القادرة التى تمتلك من الأنوثة والذكاء وقوة الشخصية ما يمكنها من التفوق على الرجال، وعلى الشيطان أيضا إذا لزم الأمر. " امرأة غلبت الشيطان " عنوان لفيلم يسير فى هذا الاتجاه ومعه أغلب أفلام نجمة الجماهير ( نادية الجندى) حيث تظهر المرأة قادرة على الكيد لأنها فى عداء دائم مع الرجل وهو نموذج تجد فيه سيدات الطبقات الشعبية والوسطى متوسطة التعليم نموذجا يحتذى لتتمكن من الحصول على حقهن اقتصاديا واجتماعيا، أجريت حوارا مع سيادت وفتيات حضرت مصادفة عرض تجارى لفيلم لنادية الجندى وسألتهن عن سر إعدابهن بها قلن أنهن تتعلمن منها، ليس الندية وليس الحق فى العمل وليس القدرة على المحافظة على مكاسبهن المالية بل كيف تنجحن فى الانتقام والكيد لرجال هدفهم استغلال النساء.
بالطبع ليست هذه دراسة كاملة عن كيفية تناول " الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة" فى الأفلام المصرية فمازال هناك الكثير مما يمكن الكشف عنه وتحليله عاكسا أفكار المجتمع وعارضا لتبنى صناع الأفلام لهذه الأفكار. خلافا لما يمكن استنتاجه من السينما التسجيلية وخاصة ما قدمته المخرجة الكبيرة عطيات الأبنودى فى عرضها لنماذج قوية من النساء مثل الفتاة راوية ووالسيدة نجاة، ومرشحات لمجلس الشعب وعاملات فى البناء، وفيها أبرزت نقاط إيجابية تحسب للمرأة المصرية فى مسيرة نضالها للحصول على مكتسبات اجتماعية واقتصادية.
صفاء الليثى

القاهرة مايو 2015
نشر بالعدد الأول من مجلة بنت النيل يصدرها حزب التحالف الشعبى الاشتراكى                                    

Tuesday 6 December 2016

ميموزا الفيلم الحائز على الهرم الذهبى 2016


 الإيمان وليس التدين 
بين الواقع وماوراء الواقع
 
لما كانت جوائز لجنة التحكيم الرسمية لدورة مهرجان القاهرة السينمائى الدولة 38 قد وافقت توقعاتى وتوقعات الكثير من النقاد والمهتمين وجدت أن الفيلم الذى حاز الهرم الذهبى لابد أنه متميز ويحتاج منى مشاهدة متأنية لأفهم، فعدت لمشاهدته فى إعادة عروض الأفلام الفائزة بعد أن شاهدته فى عرضه الأول ضمن المسابقة الرسمية ، فى المرتين لم أشعر بملل وإن احترت فى فهم رسالة المخرج وتفسير ما يود نقله إلينا، ليس الفيلم من أنواع أفلام الصورة التى يمكنك الاستمتاع بها دون أن تهتم بالبحث عن الرسائل بداخله، فالحوار ليس حوار الحياة اليومية فقط ، ولكنه كثيرا ما يروى قصصا ويوجه أسئلة ونصائح خاصة ما حملها شكيب الذى انضم إلى القافلة القديمة من عالم معاصر جعله المخرج موازيا للعالم القديم.
فى ملخص الفيلم بكتالوج المهرجان ، وعادة يرسل الملخص كمادة صحفية من قبل المنتج، نعرف أن قافلة ترافق شيخ يحتضر خلال جبال الأطلس المغربية. أمنيته الأخيرة أن يُدفن مع من أحبهم. ولكن الموت لا ينتظر. يتملك الرعب قادة القافلة من عبور الجبل، رافضين أن ينقلوا الجثة. يسافر أحمد وسعيد – اثنان من المحتالين – مع القافلة، ويدعيان أنهما على علم بخط سير القافلة ويتعهدا بتوصيل الجثة إلى مثواها الأخير. في عالم آخر، يُختار شكيب ليُسافر إلى الجبال في مهمة أخرى وهي مساعدة قادة القافلة غير المُدربين.
بعد مقدمة طالت إلى عشر دقائق نقرأ لوحة مكتوبة بعنوان الركوع تلت مشهد يحكى فيه شكيب قصة آدم وإبليس الذى كما حكى أوشك على الانحناء ( الركوع تدريجيا) قبل أن يرى نور الله فى آدم فيرفض السجود. الركوع عنونه المخرج كفصل أول ونفهم من التتابع أنها تعنى مرحلة متوسطة من الإيمان . تليها مرحلة القيام وهى أقرب إلى الشك أو الاعتراض، ثم المرحلة الثالثة وهى السجود أو التسليم لوجه الله تعالى وتلبية لطاعته. فى الحقيقة استعنت بصديق دارس للصوفية ليكشف لى بعض مفاتيح فهم الفيلم وأخبرنى أنه فى الصوفية لابد أن يظهر شيخ بديل للشيخ المقبل على الموت، وشكيب الذى تم اختياره لمساعدة القافلة يمثل روح الشيخ ألتى ستوجه أحمد الصعلوك الذى خرج لسرقة القافلة مع صديقه سعيد، ولكن رحلة السفر تنقى سريرته وتشعره بالندم على حياة عاشها بلا إيمان. شكيب يبقى كظل لأحمد ينصحه ويفهمه يشجعه لينتصر ويتحمل مسئولية المهمة التى كلف بها من إيصال الشيخ حيث مثواه الأخير فى بلاده ومن إنقاذ الفتاة الخرساء من مصير الشنق على يد غوغاء بعد اختطافها .
يوازى المخرج بين عالم قصة الشيخ بقافلته من الخيول والبغال حيث اختار الشيخ أن يخترق الجبال ليصل إلى موطنه، فكانت جبال الأطلس بالمغرب شديدة البكارة معبرة عن لا زمن أو عن زمن سحيق، وبين عالم معاصر بسياراته وطرقه الأسفلتية وأردية البشر فيه. يتم الانتقال بين العالمين بموسيقى الكترونية أقرب إلى المؤثر الموسيقى منها إلى موسيقى لحنية، تيمة وحيدة تنقلنا من القافلة فى الجبال إلى المدينة الصحراوية والعكس، قرب النهاية سيجمع المخرج العالمين فى مشهد يدخل فيه شكيب بحصان أبيض وسيف على المدينة حيث أحمد، أو قرينه، فى العالم المعاصر،
لقطات تجمع بين الحصان ومركبات حديثة، دراجة بخارية وسيارة نقل . أحمد المتعب يسلم نفسه إلى شكيب بل يشكره ويناديه باسمه للمرة الأولى، يذهبان حيث الفتاة التى يعذبها همجيون وهم مقبلون على شنقها لإنقاذها من هذا المصير، ومع صيحة شكيب شاهرا سيفه وخلفه أحمد وقد ملأ الإيمان قلبه ، تعود التيمة الموسيقية مع قافلة ، فوج من السيارات الحديثة وصوت التلبية يملأ المكان " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ، لا شريك لك).
زمن عرض " ميموزا " بلغ الساعة والنصف ، حافظ المخرج على إيقاعه فيها تماما ، جاذبا المشاهد حتى لو وجد صعوبة فى فهم الرسالة بوضوح، تحدث المخرج عن فكرة الإيمان المختلف عن التدين وطرح أفكارا صوفية مستلهما طريق رحلة قطعها بنفسه مع صديقه الممثل سعيد عجلى، ناقلا لنا تجربته فى السفر والترحال يصحبه إيمانه، وصلاته الدائمة غير مقيدة بطقوس، كان شكيب الشخص القادم من حياة معاصرة هو من حمل صوت المخرج عاكسا ثقافة عربية إسلامية سكنت روحه منذ خروج عائلته من بلاده المغرب للعيش بأسبانيا، الفيلم إنتاج مشترك بين أسبانيا والمغرب وفرنسا وقطر 2016 فى 96 ق تشمل العناوين .
حاولت أن أفهم معنى عنوان الفيلم "ميموزا" ووجدت أنه نوع من النبات تنغلق أوراقه بمجرد لمسها فسميت بالنبتة الخجول . وهو ما لا أجد رابطا بينه وبين الفيلم. السينما فن المكان والزمان ، الأماكن فى الفيلم خلابة ، هذه الجبال الصخرية التى تفاجأنا بمساحات منبسطة وسطها، وأنهار تخلقها الأمتار تجرى بين الصخور، حرارة شديدة وأماكن أخرى يغمرها الثلج. نجح المخرج فى تنويع مناظره التى غلب عليها الاتساع بينما أغلق حدود الإطار على لقطات المدينة – ما عدا الطرق الأسفلتية- مركزا فقط على وجوه لبشر معاصرين عارضا صراعهم وأحقادهم الصغيرة لنيل لقمة العيش. خلاف للصراع الوجودى بين أطراف قافلة الشيخ فى الصحراء التى اتسمت بطرح أفكار متباينة بجمل واضحة تفسر المقصود، ولم يتركنا المخرج فى حيرة تفسير مشاهد يغلب عليها الصمت كما تعودنا من أفلام تصور فى الصحراء وتركز على الصورة فقط.
منحت لجنة التحكيم الدولية بالقاهرة 38  بالإضافة إلى الهرم الذهبى الممثل شكيب بن عمره جائزة أفضل ممثل، وأندهش قليلا من لجنة تحكيم منحته الجائزة وأجد أن الأجدر بها كان أحمد محمود ففى اعتقادى أنه ممثل الدور الرئيس وقد عكست ملامحه الشخصية المركبة الحائر بين ماضيه كصعلوك شرير وبين الخير الذى اكتسبه فى ترحاله مع الشيخ ثم مع جثمانه وحيرته فى التخلى عن مهته بإيصاله إلى بلاده حيث من أحبوه وبين دفنه فى أى مكان بالخلاء. وهى نفس الحيرة التى تملكتنى من منح ناهد السباعى جائزة أفضل ممثلة فى حين أن الدور الأول والأكثر اكتمالا كان لإلهام شاهين فى دور شامية موديل الرسامين كممثلة  عكست فهما للشخصية وأفردت لها مساحة كبيرة بالفيلم.
سبق للمخرج الحصول على الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد بمهرجان كان 2016، والمخرج أوليفر لاكس ولد فى باريس 1982 درس السينما فى برشلونة بأسبانيا ، انتقل إلى لندن وأخرج هناك عدة أفلام قصيرة، قدم عام 2010 فيلمه الروائى الأول " كلكم قادة" عرض بقسم نصف شهر المخرجين بمهرجان كان وحصل عنه على جائزة اتحاد الصحافة السينمائية فيبريسى . والمخرج له جذور مغربية كما حكى عن نفسه.
تنويه: الصديق الذى استعنت به على فهم الفيلم هو ابنى مهاب متولى ، وذكرنى بأننى نسيت أن أذكر جملة هامة يقولها شكيب بعدما سأله أحمد وكيف سننتصر عليهم فأجابه، بالحب ، الحب . كما أتوجه بشكر خاص للزميل الناقد الشاب أندرو محسن لولاهما لما تمكنت من كتابة المقال .   
صفاء الليثى
نشر المقال بجريدة القاهرة الثلاثاء 6 ديسمبر 2016 رئيس التحرير سيد محمود.
 


Thursday 1 December 2016

فى تأبين محمود عبد العزيز

علمنا كيف نغرف من الحياة

بالصدفة شاهدت فيلما من أفلام محمود عبد العزيز الأولى، شابا أشقر بوجه مكتنز وعيون ملونة ولكن يا لسخرية القدر، الشاب مقعد على كرسى متحرك تقتله الغيرة على زوجته الجميلة نجوى ابراهيم، من شاب وسيم آخر هو عمر خورشيد ، تملكتنى الدهشة لاختيار المخرج أن يحبس هذا الجمال ويصوره فى أغلب مشاهده عاجزا على كرسيه المتحرك. النجومية ظلت لفترة لا تأتى إلا لمن يحملون ملامح وسامة ويكون مجرد ظهورهم بالفعل مهندمين مؤدبين عامل نجاحهم مع الجمهور ويثبت مكانته على كرسى النجومية . النجم يكفيه فقط التحدث بوله والتحرك بحساب ليكون معشوق البطلة ومعها مراهقات الفترة. ويبدو أن الحس النقدى لدى كان فطريا يحكم ذوقى فى الأفلام وأبطالها فكنت ومعى عدد لا بأس به من الصديقات نقسو فى الحكم على هؤلاء النجوم المتمتعون بالوسامة ونفضل عددا من الخناشير من الرجال غالبا يؤدون الدور الثانى أو السنيد ونتعالى على النجوم وفى قرارة أنفسنا حكم ثابت " ده ما بيعرفش يمثل، فاكر نفسه حلو قوى"، أحببت فى مراهقتى صلاح قابيل وصلاح السعدنى وعادل إمام، أما حسين فهمى ومحمود عبد العزيز " ياه على تقل الدم " تخلصت من مراهقتى ومن العجيب أن محمود عبد العزيز نفسه قد كره هذه الصورة عن الشاب الوسيم المعشوق من النظرة الأولى وأسعده الحظ وأسعدنا حين فقد مع الزمن قدرا من وسامته فزاد وزنه واكتسب كرشا كأغلب المصريين الذين يضعون قلوبهم فى معدتهم وسقط بعض شعر رأسه، عاد محمود عبد العزيز إلى قاعدة انطلق منها ليكون ممثلا تناسبه أدوار متنوعة صعلوكا عديم الأخلاق فى صعاليك داوود عبد السيد، أو أحد السعاة ، عامل ثائر فى أبو كرتونة ، قبطانا يعتقد فى نفسه الحكمة فى قبطان المخرج سيد سعيد ، سائق نقل عقله عقل طفل فى ثلاثة على الطريق لمحمد كامل القليوبى. لم يكن محمود عبد العزيز صديقا شخصيا لهؤلاء المخرجين – مثلما كان نور الشريف- ولا يحضر مجالسهم ولا يرتاد تجمعاتهم . هو أقرب أن يكون ذلك المحترف الذى يأتيه الدور فيجد نفسه فيه أو يرفضه بلا تردد.
أودعنا خزائنه ورحل
يتقمص أحمد زكى الدور حتى ننساه تماما، هو البيه البواب، أو الملاكم الشعبى فى كابوريا، أو ضابط الأمن القومى فى " زوجة رجل مهم " ولكن محمود عبد العزيز مختلف ، فالقبطان هو محمود عبد العزيز، والزوج المطحون هو محمود عبد العزيز، والعميل المزدوج هو محمود عبد العزيز ، لا يدخل فى الدور ويتقمصه كما أحمد زكى، ولكن الدور هو الذى يتلبسه ويصبح الممثل  قرين الدور وعفريته . ينصت محمود عبد العزيز جيدا لشرح المخرج، هل يفهم ما يقال حرفيا، لا بل يفهم المعنى العام ويلتقط الفكرة ، الشيخ حسنى طبعة محمود عبد العزيز، الأعمى المتحدى لعجزه والساخر منه حتى يتجاوزه.
طالما فاجأنا محمود عبد العزيز بأدوار كنا نشك فى قدرته على أدائها، كعربجى" الجوع" مع على بدرخان، " الساحر" الأب المدهش مع رضوان الكاشف، وسلسلة أفلامه مع على عبد الخالق بعد دوره فى "العار".
غرف محمود عبد العزيز من الحياة حتى شبع، ولما شعر بالامتلاء غادرنا وقد سلمنا صندوقا من جواهر الأعمال فى السينما والتلفزيون، ستبقيه خالدا حيا فى ذاكرتنا باعثة فينا بهجة الحياة .
بقلم: صفاء الليثى
نشرت بمجلة الإذاعة والتلفزيون 19 نوفمبر 2016    شكرا للزميل عرفة محمود