Tuesday, 25 January 2011

صلاح مرعى ... سحر الواقع والخيال


صلاح مرعى كبير جيل التحدى
" أحمد الله أن يكون حظى فى كتابى هذا مع شخص لا يتفاخر بعظمة الإبداع، ولا يتوارى ادعاء بفضيلة التواضع، بل يوصف عمله بنفس سمات البساطة الإنسانية التى ارتضاها منهجا لتصميم وتنفيذ أعماله" . هكذا كتب السينمائى مجدى عبد الرحمن الذى أخلص للبحث وتوثيق إبداعات زملائه وخاصة من تجمعهم مدرسة شادى عبد السلام صاحب المومياء. كتاب مجدى عبد الرحمن وعنوانه سحر الواقع والخيال صدر عن صندوق التنمية الثقافية بمناسبة تكريم صلاح مرعى فى المهرجان القومى السابع للسينما المصرية عام 2001. 
أهدى الباحث كتابه إلى كل العاملين فى حقل الديكور السينمائى، ولم يكتف بذلك بل خصص الجزء الأول منه إلى رحلة الديكور السينمائى فى مسيرة السينما المصرية متتبعا تاريخ فن الديكور ومراحله منذ السينما المصرية الصامتة مرورا بمرحلة ستديو مصر وما أسماه بالتاريخ العظيم محللا نماذج من هذه الأعمال حتى يصل إلى جيل معهد السينما .. جيل التحدى، وكبيرهم صلاح مرعى خريج الدفعة الأولى عام 1963. أذكر أن مجدى عبد الرحمن فى ندوة عرض الكتاب بالمجلس الأعلى للثقافة بدأ حديثه بذكر كلمة Devotion  للتعبير عن صلاح مرعى ومن قبله أستاذه شادى عبد السلام. كانت الدموع تكاد تفطر من عينيه محاولا البحث عن كلمات تعنى هذا الديفوشن. غير مكتف بالترجمة العربية والتى تعنى الإخلاص. وهى صفة تجمعه مع صلاح مرعى وجيله من خريجى الستينيات التى كانت تموج بالتغيير الثورى الحقيقى خاصة فى مجالات الثقافة والفن. وعند الحديث عن ديكورات فيلم المومياء يتوقف الكاتب عند الإتقان فى تنفيذها من خلال الملمس والتفاصيل. يمضى بإخلاص مماثل محللا تفاصيل الخامات التى يختارها صلاح مرعى والخبرة المستفادة من ملاحظة الطبيعة ومدى تأثيرها على المظهر النهائى للخام بعد سقوط الضوء عليه. وهى تفاصيل تتكامل مع إضاءة العظيم عبد العزيز فهمى ويدعمها بساطة التكوين عند شادى عبد السلام. 
ويتوهج إبداع صلاح مرعى مع فيلم الجوع لعلى بدرخان الذى بنى فيه السيناريو على أكثرمن قصة من قصص الحرافيش لنجيب محفوظ ،يذكر مؤلف الكتاب كيف طلب صلاح تحديد الفترة التاريخية للقصة لتكون 1882حيث لم تتغير القاهرة الفاطمية كثيرا من وقتها وحتى الآن، وكيف اعتمد على مراجع من الأدبيات المستشرق ادوارد وليم لين، وخطط على مبارك ومقدمة ابن خلدون، وكيف بناها فى اتجاه شمال جنوب وليس شرق غرب لتجنب وقوع الشمس على جدار الحارة طوال ساعات النهار، وكيف اهتم بالوصول إلى روح الفترة واصلا لأعلى مستوى ممكن بالتفاهم مع مدير التصوير للاتفاق حول خطة الألوان، وأماكن تحرك وحدات الإضاءة خلافا لحركة الشمس على الحوائط.يكتسب فيلم الجوع أهمية خاصة فى مسيرة عمل صلاح مرعى حيث قام بتصميمات الملابس إضافة لتصميمات المناظر. مركزا على الحالة الاجتماعية للشخصية ،ولأول مرة يتم تصميم الملبس القاهرى بطريقة صحيحة تماما ، وخاصة لفة العمة التى جاءت مطابقة تماما للعصر بعد أن جمع رسوماتها من المراجع التى استعان بها. ولأن الحارة بنيت بخامات طبيعية خفيفة ظلت تستخدم مع تعديلات طفيفة فى أعمال أخرى محتفظة باسمها حارة الجوع وشاهدة على الإبداع  الفريد لصلاح مرعى.
يبقى كتاب مجدى عبد الرحمن مرجعا هاما لكل من يريد دراسة فن الديكور فى السينما المصرية . يذكر محمد كامل القليوبى فى شهادته داخل الكتاب كيف اندهش عندما علق صلاح مرعى على تكريمه بقوله" ماذا فعلت لكى يتم تكريمى؟" بل يرى أن صلاح مرعى يستحق جائزة الدولة التقديرية منذ عدة سنوات مستهجنا ضرورة أن يكون من يحصل عليها طاعنا فى السن. مرت عشر سنوات على هذا الحديث أضاف فيها صلاح مرعى إلى مسيرته الإبداعية أفلاما متنوعة حصل بعضها على جائزة أفضل ديكور، ومازال إبداعه مستمرا منذ المتمردون  لتوفيق صالح عام 1968 مرورا بالمومياء ، وراء الشمس  لمحمد راضى ، والجوع  لعلى بدرخان، وانتهاء بفيلم زهايمر لعمرو عرفة والذى قدمه  صلاح مرعى رغم مرضه الأخير بأسلوبه الساحر البسيط .  
يرقد صلاح مرعى بالمستشفى ترافقه زوجته ورفيقة الدرب المونتير رحمة منتصر، لا يفارقه صديقه أنسى أبو سيف توأمه فى الموهبة والإخلاص للمهنة ولصناعها. يتحدى صلاح مرعى مرضه بنفس الروح التى تحدى بها جيل الكبار ونجح فى تحقيق الاستمرار فى مسيرة السينما المصرية بأعمال متجددة يمثل فيها الديكور حائطا أساسيا فى تركيبة الإبداع. بالإضافة لدوره مع طلابه بمعهد السينما، ودوره فى مهرجان الإسماعيلية الذى اكتسب شكلا حميميا من روح صلاح مرعى ابن الريف المصرى بملامحه الصعيدية، يتحرك بجلبابه راقصا رقصة الحياة مقدما صورة عن الفنان الذى يتنفس السينما سواء مشاركا بعمله الفنى كمهندس للديكور أو مصمما للملابس، أو منظما لمهرجان متخصص فى السينما القصيرة والتسجيلية، و مصمما لميدليات الجوائز التى يقدمها بكل الحب والإخلاص لفن السينما ولصناعه من مختلف الأجيال. 


Sunday, 16 January 2011

الشوق: دراما إغريقية معاصرة فى عمل فنى كبير


الفقر والعوز وضعف الرجال
صوت راوى يحكى على لقطات فى مدينة الإسكندرية، والعناوين تتخلل المشاهد ثم حارة تحيل للحارة المصرية فى أفلام الأسود والأبيض، فصلتنى عن المقدمة فسألت جارى هوه احنا فين فقال الإسكندرية، هل نسيت المقدمة دى كلها، آه نعم، لن نعود إلى الشاطىء بل سنبقى فى الحارة وكأنها خشبة مسرح لا نخرج منها إلا نادرا وعندما نخرج يكون الأشخاص عاديون شاهدنا مثلهم فى أفلام أخرى، فقط الحارة وسيد رجب، سوسن بدر وبناتها، هل هذه معالجة أخرى لبيت من لحم؟، عفوا للقصة الأطول فى احكى يا شهرزاد، آه ها هو محمد رمضان الذكر المخادع المقتول فى شهرزاد، لا ولكن هذا أمر آخر، صورة مختلفة، وشخوص طالعة من الحواديت، لا ليس من الحواديت بل من الدراما الإغريقية. قارئة الفنجان وكأنها إحدى الساحرات، هل هذا نوع من الصرع، مرض نفسى، يتداعى لى فيلم سيكو لهيتشكوك وصوت الأم يخرج من الشاب بعد القبض عليه مهددا الذبابة. نوبة تحدث لسوسن بدر تتقمصها ويخرج صوت رجل من داخلها، وسط الفوضى تأتى سلوى محمد على الجارة تضع مخدة صغيرة تحمى الرأس من الانفجار. سيزرع هذا المشهد مرات ومرات وعندما ينفضح أمرها وتفقد سحر غموضها ويتيقن الجميع من مصدر دخلها الذى يجلب العار، يتركونها بلا إنقاذ لتصاب فى مقتل وهم يتفرجون، مشهد النهاية كدراما مسرحية تراجيدية الجميع فيها حاضرون يراقبون تاركين الشخصية لمصيرها القدرى. 

هل يتحدث الفيلم عن الفقر فى مصر؟، عن الكبت الجنسى ؟ أم عن عجز الرجال ؟ من قال إن هناك خللا فى السيناريو؟ هل لأننا نعرف سيد رجب ممثلا مغمورا فنجده لحما طريا لنقدنا للفيلم. يأخذنى الشوق بعيدا عن آراء سمعتها تسخر من منحه جائزة مهرجان القاهرة، وتسرعت كعادتى وتصورت أن هذا اتجاه يتماشى مع اختيار الاحتفاء بمصريين أبدعوا فى الخارج، أو مصر فى عيونهم، فاتتنى مشاهدة الفيلم أثناء المهرجان، وهأنذا فى العرض الأول منتشية من الجمال الفنى للفيلم، أيوه كده يا خالد الحجر، مثلك قادر على هذا، عند توفر التمويل والنص، وهؤلاء المبدعين من الممثلين، سيد رجب سوسن بدر روبى وميريهان. صورة الفيلم بديعة، بعض اللقطات تظهر فيها الخلفيات وكأنها بالكاميرا الرقمية، هل صور الفيلم بالكاميرا الديجتال "رد" ثم نقل إلى شريط السينما 35 مللى، إذا كان هذا ماحدث فالديجيتال هو المستقبل كما قال محمد خان منذ فترة. 

مرت الحارة المصرية فى السينما بمراحل عدة منذ حارة العزيمة ، والحارة المفتوحة فى سارق الفرح، حارة ليه يا بنفسج ،والحارة الرأسية فى يا دنيا يا غرامى، وهنا الحارة السد، مغلقة تمنع رؤية البحر بمشروع الرجل الذى أصيب فى ضهره. الضهر شعبيا يحمل دلالات ومعانى عدة، نقول راجل من ضهر راجل، وتغنى الأم عندما ترزق بصبى، لما قالولى ده ولد اتشد ضهرى واتسند، الولد الضهر، وضل راجل. هنا فى الشوق ضهره انكسر. والنساء من كل الأعمار منتظرات بلا جدوى. بعض الخلل فى مشاهد خرجت عن أسلوبية الفيلم وجاءت ضعيفة جدا، أغلب مشاهد أحمد عزمى فى تركيبة نمطية للشاب الذى يعمل بدخل بسيط، يزوجه الأهل لأنهم سيساعدونه فى تكلفة الزواج فيفرضون شروطهم، ومشهد الفتيات وحواره المعاد "اتأخرتى يا أمه، احنا بعنا شرفنا يا أمه"، رغم أننا شاهدنا الفتيات تتجاوبن برغبة حقيقة ولم يظهر أنهن يبعن شرفهن. كالعادة يأتى المال بعد ضياع أشياء أخرى أهم، الكرامة والعزوة وشرف البنات. تتركن الحارة السجن وتذهبن للقاهرة حيث الزحام الذى يصعب معه أن تنكشف الحقيقة.  ابتعدت عن سرد قصة الفيلم، لأنها ليست الغاية ولأن تلخيصها قد يعطى صورة باهتة جدا ومجتزأة عن فيلم سينمائى خاص جدا، يحمل أسلوبا خاصا يندر أن يتكرر، لا يمكن تصنيفه كفيلم واقعى، بل يتجاوز الواقع إلى ما وراءه كاشفا عن شخصيات تعيش مأساتها، يقترب من الفلسفة الوجودية التى تقول بأن الجحيم هم الآخرون. دون أن تفقد قدرا من الانتماء لأسرة ما ، لحلم ما ، لرغبة ما يصعب أن يتركك الآخرون قادرا على تحقيقه.  لا يخرج الفيلم عن كثير من الأفلام المصرية المعاصرة التى تتعاطف مع البنات، البائسات غير المحققات لأحلامهن، تدين عجز الرجال المادى والجسدى والمعنوى، تدين الفقر الذى يقتل الكرامة ويضيع معه الشرف. ولكنه يختلف عنها بالبعد عن تنميط الشخصيات وبالطبع بالبعد عن الشعارات والكلمات الرنانة ، لا خطابة فى الفيلم ولا زعيق. عناصر الفيلم من صورة ومونتاج وموسيقى وشريط صوت كلها مميزة ولها أسلوب متسق على مدى الفيلم كله. يمكننا القول أن الشوق فيلم للمخرج خالد الحجر. يستحق الفيلم جائزة الهرم الذهبى لمهرجان القاهرة السينمائى وتستحق سوسن بدر جائزة التمثيل ، كما تستحقه ميريهان وروبى –بهذا الترتيب- ويستحق سيد رجب جائزة التمثيل عن أداء نادر للانسان المقهور فقرا وعجزا. فيلم الشوق سترتفع مكانته مع الزمن لأنه ليس فيلما عن ظاهرة وقتية يتم عرضها والسلام- بسطحية- بل فيلما فلسفيا يحتاج منا أن نتأمله لندرك عمق معانيه التى قد تصيبنا بالحزن الممزوج بفرحة الاستمتاع بعمل فنى كبير.   
 

Sunday, 9 January 2011

مهرجان وهران الدولى للفيلم العربى 2

رؤية مكثفة للواقع العربى الأليم
وكشف عن سينما سعودية واعدة

قبل الحديث عن الأفلام دعونى أحدثكم عن النظافة والخضرة، نظافة مدينة وهران أمر لافت يفوق عواصم وبلدان أوربية، الخضرة والشجر فى كل مكان وكثرة عدد المنازل القديمة بطابقين أو أكثر، بدأ فى التزاحم معها أبنية حديثة مرتفعة بنوافذ زجاجية، مبانى العولمة التى تمسح الطابع الشخصى وتهدد بزواله. كرم الضيافة والهدوء فى التعامل مخالف للصورة التى تصلنا من الإعلام وحتى عبر الأفلام الجزائرية نفسها. العنف فى الشارع ، والعنف فى المنزل تجاه المرأة والأطفال آفة المجتمعات العربية مطروح فى أكثر من عمل مشارك بمسابقة الأفلام الطويلة بمهرجان وهران للفيلم العربى.

كارانتينا 
عدى رشيد
المخرج العراقى عدى رشيد يطرح برؤية تأملية هذا الواقع متوغلا فى الشخصية العربية لرجلين أحدهما رب أسرة عراقية فقيرة فى الواقع الراهن، يكاد يكون عالة على الزوجة التى تعمل وتعول أسرتها فى وجوده، يساعدها الصبى الصامت الذى ينهض باكرا دون تريج – دون تناول إفطاره- حاملا صندوق مسح الأحذية بينما الأب جالس يأكل بشهية وراغبا فى زوجة ترفضه لأنها بالطبع متعبة. الرجل الثانى قاتل محترف يسكن أعلى منزل الأسرة السابقة، يبدو مظهره قويا ولكن عدى رشيد سيكشف لنا عن مدى هشاشته وعقدته التى تعذب وجوده. حتى أنه يحرق كتاب الحساب الخاص بالصبى الذى يذاكر بنفسه جنب ممارسة عمله. تقترب كاميرا المخرج من الوجوه بإضاءة طبيعية معتمدا فقط على ضوء الشمس يقول عن ذلك أن ظروف انقطاع الكهرباء هو الذى فرض هذا الاختيار. وأن مصوره هو أخاه الأصغر صاحب التجربة المحدودة. النتيجة جاءت مبهرة ودعمت التناول العميق للشخصيات والأماكن ، تخلف الأب الذكر ، تسلطه على العائلة بديلا عن عجزه تجاه المجتمع الذى يقهره، المراهقة المعذبة والمعتدى عليها، الصبى المقهور طفلا يعمل بديلا عن اللعب والتعلم. العنف ضد المرأة، عمالة الأطفال عصابات القتل وزنا المحارم موضوعات طرحت كثيرا ولكنها فى فيلم "كرنتينا" بأسلوب المخرج غير مباشر والبعيد عن الصراخ تكتسب بعدا فنيا وتحدث تأثيرا لدى المشاهد حتى من يجد فيهم قدرا من المبالغات كاعتداء الأب على ابنته ثم إحضار مشعوذة لإخراج الجن من جسدها، أو اختيار التصفية الجسدية واحدا من الحلول لا يجد له القاتل المحترف بديلا وقد أصبح يمارسه ببساطة حتى مع أم صديقه ليتمكن الصديق من تنفيذ حلمه بالهجرة. رسم شخصية القاتل يحيلنا لشخصية "ليون " فى الفيلم الفرنسى والتى أداها الممثل جاك رينو حيث شخصية غير نمطية للقاتل المحترف، لا ينفى عدى تأثره بليون ويضيف عليه أعمال مخرجين فى السينما الفرنسية، والفيلم بالفعل أقرب للمدرسة الفرنسية التى تركز على ردود الأفعال وتحذف من سردها المشاهد العنيفة فنحن لا نشاهد الاغتصاب أو القتل ولكن ما نجم عنهما. 

ينهى عدى رشيد فيلمه بالأم تصر على الرحيل مع ابنتها بعد تلقيها علقة ساخنة من الأب، تمضيان فى اتجاه عمق الصورة ويلحقهما الطفل الصبى ويثبت الكادر والطفل ناظرا خلفه فى غضب. الفيلم لا يدين الأمريكان ولا صدام بل يدين الشخصية العربية الذكر العاجز عن الفعل. عمق الفيلم ظهر أيضا فى عمق ردود المخرج العراقى على الأسئلة التى وجهت إليه من الصحافة الجزائرية بوهران ومنها شرحه عن اسم الفيلم كارنتيا الذى يعنى "الحجر للمجانين" فى رؤية تبدو قاتمة للواقع الراهن بالعراق، يمحيه بالطبع المشهد الأخير وقد ترك الصبى والأم والفتاة المكان متطلعين لحياة مختلفة. عدى رشيد له فيلم طويل سابق بعنوان غير صالح استخدم فيه خاما سينمائيا فقد لونه ليرسم لوحة لعراق ما بعد الأزمة. حاز الفيلم عدة جوائز وسبقه بكتابة وإخراج عدد من الأفلام القصيرة والتجريبية . منحته الخبرة فى صياغة عمل فنى رفيع ظهرت فى فيلم كارانتينا الذى أثار ردود فعل إيجابية لدى عرضه باليوم الثانى من عروض المهرجان وتدفقت الحيوية بين النقاد والمخرجين المشاركين بالمهرجان مجمعين على أن مشاهدة فيلم جيد أمر يثير الحماسة ويوقظ مشاعر إيجابية. وتوقع كثير من النقاد حصول الفيلم على جائزة، واتفقت لجنة التحكيم برئاسة الأديب الجزائرى الكبير رشيد بوجدرة على استحقاقه جائزتها التى تعد الثانية بعد الجائزة الكبرى التى ذهبت لعمل جزائرى تونسى مشترك. شهدت المسابقة الطويلة حضورا جيدا للعراق بعملين هما ابن بابل وكارانتينا، ولبنان بفيلم شتى يادنيا وكل من قطر والإمارات بفيلم واحد وسوريا بعملين وتونس بعملين والجزائر بثلاثة أعمال.
الإسكافى وعايش : سينما سعودية واعدة
فى القسم القصير كان مفاجأة المشاركة السعودية بعمل قصير عنوانه الإسكافى لمخرجته عهد كامل حصل على تنويه خاص وعمل آخر حاز الإعجاب عنوانه عايش لمخرجه عبد الله العياف الذى تناول شخصية عايش الذى يعمل حارسا لمشرحة ثم يحتاجونه لحراسة دار توليد فيشعر بالخوف وتتغير حياته ،
اعتمد المخرج تفاصيل جيدة ترسم صورة عن الشخصية بداية من صحيانه فى الصباح وبجواره مصغر لدراجة بخارية، توقفه لملاحظة دراجة حقيقية بينما ينتظر حافلة عامة تقله لعمله،خشيته من التقاليد وانتقاد حيازته لدراجة نارية للشباب فقط لا تناسبه، حياة جديدة ينفتح عليها حين يخوض تجربة ملاحظة المواليد المبتسرون وينجح فى إنقاذ أحدهم من عطل بجهاز التنفس، الممثل الذى قام بادور عايش يحيلك لسينما الحقيقة فلا تتصور أنه يقوم بدور تمثيلى، حصل العياف على جائزة أفضل فيلم قصير بمهرجان الخليج عن عمله هذا، كما حصل على عدة جوائز أخرى فى موطنه بالسعودية ومن الإمارات، كشف مهرجان وهران للفيلم العربى عن موهبته وجمعه مع مبدعين أشقاء من مختلف الدول العربية، يزداد إعجابنا بالعياف وفيلمه كونه يبدأ من الصفر بمفرده تماما صاقلا موهبته بمتابعة جيدة للأفلام من كل أنحاء العالم . ليبيا كانت لها مشاركة بفيلم بعنوان المشاركة يحكى ببساطة قصة إنسانية عن أخ فقير وأخته يتقاسمان حذاء واحدا ، كل يرتدى فردة فى القدم الباقية من أثر حرب ما، اختار قويدر التجريد فى فيلمه مركزا على لمسة تعاطف مع فقراء ما فى حرب بأى مكان. لم يكن التنافس على الجوائز هدفا للمخرج بل التواصل والاحتكاك مع زملائه من السينمائيين العرب. كان للجزائر فيلمين مختلفين فى الأسلوب أولها العابر الأخير حاز جائزة أفضل فيلم قصير بمهرجان أبوظبى وفيه يتناول المخرج مؤنس خمار شخصية شاب محبط يتملكه اليأس من عدم تحقيقه لذاته فى عمله كممثل، وعندما ينتحر يكون هذا عبورا أخيرا نحو تحقيقه لأحلامه، أسلوب السرد والتداخل بين الواقع وما بعده هو ما يميز هذا الفيلم الذى يشي بموهبة لمخرجه فى استخدام جيد للغة الصورة وللتكوين وقدرته الممتازة على قيادة ممثله، تحكمه بإيقاع فيلمه وشريط الصوت الذى يحقق تناغما مع الصورة. لم يحصل العابر الأخير على جائزة من وهران بل ذهبت لمواطنه عبد النور زحزاح عن فيلمه قراقوز وهو فيلم بسيط يوجه مشكلة المتطرفين المسيطرة على الواقع العربى الآن واقتسم معه الجائزة المخرج التونسى مليك عمارة بفيلمه الكوميدى الأسود عن الزوج المضطهد، حملات الدفاع عن المرأة ورفضه لتزايد الأعمال الفنية التى تنحاز للنساء وتظهر مشاكل التمييز ضدهم دفعته لتقديم نموذج مضاد لاضهاد رجل على يد امرأة. لاقى فيلمه استحسان الجمهور وتجاوبهم، كون الكوميديا الى اتبعها أثارت موجة من التعاطف مع قضية الرجل المضطهد. ومن الأفلام التى انتبه إليها الجمهور المتواجد وأغلبه من الصحفيين والنقاد كان الفيلم المصرى الوحيد المشارك فى المسابقة القصيرة أحمر باهت لمحمد حماد وتركزت التعليقات حول نجاحه فى التعبير عن قهر الفتاة فى ظل أسرة ضعفت لغياب الأب بسبب السفر لتحسين الدخل وبقاء الفتاة فى رعاية الجدة التى ترى المحافظة عليها فى قتل الحياة ممثلة فى ملابس داخلية حمراء أجبرتها على إزالة لونها ليتحول إلى أحمر باهت فاقدا عنفوانه وشبابه الطبيعى. إحدى المشاهدات وصلتها رسالة معكوسة وشكرت المخرج على استجابة الفتاة لنصيحة الجدة واتباعها التقاليد رغم أن الرسالة الناعمة للفيلم تنعى قتل الحياة. أحمر باهت حاصل على أفضل فيلم قصير بمسابقة الديجيتال بمهرجان الإسكندرية، ومسابقة مهرجان تارتان، وجائزة منظمة المرأة العربية بقرطاج الأخير. أحمر باهت يصب فى نقد المجتمعات العربية مثل كارانتيا العراقى الذى ينتقد كونها تحولت فلى رأيه أشبه بمعتقل كبير للمجانين، ويتماس مع عايش فى نقده للقيم المحافظة التى تقف دون أن يعيش الفرد بحرية ممارسا رغبات بسيطة كركوب موتوسيكل أو اقتناء لعبة كطفل صغير.
تميزت الأفلام القصيرة التى تعكس حضور موهبة السينمائيين الشبان من مختلف الدول العربية اختارتها بعناية ياسمين شويخ المخرجة والممثلة والتى حصل فيلمها الباب على جائزة من مهرجان الإسماعيلية منذ عدة أعوام ، وكانت أيضا ملازمة للوفود حيث صحبتهم من وهران للجزائر تساعد فى حل مشاكل حجز الطيران الذى تأثر بسبب عوامل الجو. كان نبيل حاجى مسئول الاتصال قد فرغ من عمله بوهران ولحقنا بالجزائر ومعه نبيلة رزايق حتى اللحظات الأخيرة بالمطار. دفء الأشقاء من الجزائر ومنهم المصور الصحفى حمزة ، والصحفيى رياض وطار وصحفى جريدة الوطن فيصل مطعونى، وهيبة مسئول الندوات، ومهدى فى التنظيم، وكثير من الصحفيات الشابات، جمعتنا بهم لقاءات مودة ومع كل الضيوف من مختلف الأقطار العربية يجعل وهران جامعة فنية لكل الدول العربية .

Sunday, 2 January 2011

الدورة الرابعة لمهرجان الفيلم العربى بوهران


جامعة فنية وروح محبة رغم الإعلام غير المسئول 

حالت الظروف الجوية دون عودة المشاركين من مختلف الأقطار العربية إلى بلادهم فى الموعد المقرر، وبدلا من العودة مباشرة من وهران حيث تقام الدورة الرابعة للمهرجان الدولى للفيلم العربى، بقينا فى الجزائر العاصمة كل الوفود ليوم وليلة وبقينا نحن العائدين إلى القاهرة يومين وليليتين، فى اليوم الثانى وبعد انصراف المسئول الرسمى للمهرجان الذى تبادلنا معه العناوين وتصرف بلطف، بقى معنا المخرج الجزائرى الشاب مؤنس خمار، وجاء لتحيتنا الجزائرية  نادية شرابى المخرجة والمنتجة والسيد د. جمال عبيدى المدير العام لشركة الإنتاج بروكوم انترناشيونال التى أنتجت فيلم " النخل الجريح" الذى حاز الجائزة الكبرى الأهقار الذهبى. 

كان الصحفيون قد اندفعوا تجاهى بعد إعلان الجوائز سائلين عن رأى فى الجوائز ووقعت بالفخ وقلت أنها جوائز مسيسة لترسيخ التعاون العربى العربى طبقا لما أعلنته وزيرة الثقافة السيدة خليدة تومى. لم أكن أعرف أن ما قلته سيتصدر أخبار المهرجان فقد حملت جريدة الشروق عنوانا رئيسا " تتويج النخل الجريح التونسى .... يثير غضب المصريين". كان د. جمال لبيدى يشرح لى أن هناك اتجاهين بالجزائر، توجه عربى وآخر فرانكفونى، حين اصطحبانى لتناول الشاى فى فندق قديم بناه المصريون فى نهاية الستينيات، وجدنا جرائد الصباح موضوعة قسمين أشار على الصحف العربية والفرنسية مؤكدا كما ترين جزائر عربية وأخرى فرانكفونية. اشترى الجرائد لى ولزوجته، أخذت الشروق وما إن فتحتها حتى وجدت العنوان، أية مفارقة أصحاب النخيل الجريج فى دعوة محبة على شاى والجريدة تجرى تحقيقا وتعمم ما قلته على كل المصريين. تتذكرون دور هذه الجريدة فى إشعال الفتنة أثناء أحداث الكرة. كان خالد أبو النجا أكثر ذكاء منى فعندما توجهوا إليه قائلين مواطنتك الناقدة المصرية تقول إن الجوائز مسيسة قال هى تستطيع أن تقول ذلك ولكنى لا يمكننى أن أعلق على قرارات لجنة تحكيم على أعمال أشارك بها. ثم هنأ الفائزين . لحظة إعلان الجوائز كان أبو النجا يقدم العرض الثانى لميكرفون بدار السعادة القريبة من سينما المغرب حيث يجرى الافتتاح. فى الحفل الأول لعرض الفيلم انفجرت بالبكاء وأنا أشهد تزاحم الجمهور الجزائرى لمشاهدة الفيلم المصرى. فى تكرار لما شاهدته بقرطاج فى تونس. 

شهدت ندوة الفيلم أيضا تزاحما على خالد أبو النجا الذى أدار بنفسه مؤتمره الصحفى ونجح فى كل ردوده على الأسئلة، كان صادقا وذكيا فى ردوده مؤكدا أنه يمثل نفسه فقط كفنان مصرى يرى ضرورة التواجد مع فيلمه فى كل مكان يعرض به. اخالد أبو النجا  كان قد لحق طائرة إلى باريس ولم يصادف البقاء الاضطرارى الذى صادفه كل من محمد حماد المشارك بفيلمه القصير المستقل أحمر باهت، ولا الصحفى  بالجمهورية مصطفى الكيلانى ، ولا التونسية سناء يوسف المقيمة بمصر، ولا كاتبة هذه السطور المشاركة بندوة النقد العربى الذى نظمها الناقد الجزائرى نبيل حاجى. لحقنا بالفندق القديم مؤنس خمار وسناء يوسف (اسمها قبل الشهرة سناء كاسوس) وجرى بيننا حوار عام حول السينما والعلاقات المصرية الجزائرية . كانت آلام الغضروف قد فاجأت مصطفى الكيلانى وبقى معه محمد حماد وذهب معه للمستشفى للعلاج وكانت تجربة هامة لمخرج يلتقط تفاصيل الحياة اليومية قال لى إنه شعر بكثير من المشابهات مع القاهرة وناسها المهمومين بأمور حياتهم. لم يغضب محمد حماد لعدم حصوله على جائزة، فى قرطاج حصد جائزة منظمة المرأة العربية، كما حصد ميكرفون التانيت الذهبى، لم يغضب خالد أبو النجا ممثل ومنتج ميكرفون، ولم يتوقف الكيلانى عن عدم حصول مصر على الجوائز. وتعليقى على الجوائز قلت مثيلا له فى القاهرة حين حصلت الأفلام المصرية على كل الجوائز الرئيسية فى دورة مهرجان القاهرة الأخير، الناقد يقوم بعمله بصرف النظر عن قوميته، السينمائى دائما ما يرفع شعار السينما هى الوطن، ولكن حين يزداد الهجوم مع نقص المعلومات وتحريفها يعود الواحد منا لوطنه الأول. 

وهذا ما حدث فى ندوة النقد العربى حين ذكر الناقد المغربى الزميل خليل الدمون أمرا عن السينما المصرية السائدة ووجدتنى أشرح بحماس كيف أن بمصر سينما موازية وبديلة مثل عين شمس وميكرفون، ومخرجين كبار نجحوا فى الجمع بين النجاح الجماهيرى والتقدير النقدى داوود عبد السيد فى رسائل بحر وقبله أرض الخوف والكت كات، أسامة فوزى بحب السيما ويسرى نصر الله وخاصة مع عمليه باب الشمس واحكى يا شهرزاد. وأمن على قولى عدد من الصحفيين الجزائريين والعرب المتواجدين بوهران.  
أداء الصحافة والصحفيين كان محل انتقاد من وزيرة الثقافة حيث هاجمتهم بشدة فى مؤتمر صحفى عقدته بعد الختام، كانت فى خطابها قالت ليس لدينا جين –عنصر وراثى بالدم- يسمى تنظيم المهرجانات ولكننا نتعلم ونكتسب خبرة بالاستمرار فى عقد التظاهرات الثقافية. وجدتها مناسبة للإعلان عن تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية وعن الخطوات التى تعد لهذا الحدث الكبير. عموما كان خطابها الذى أعقب إعلان الجوائز بمثابة مذكرة دفاع أمام هجوم الصحافة على شخصها وعلى المهرجان. أعجبت بحماسها ونسيت برودة استقبالها لى فى حفل شاى باليوم الذى سبق الختام، بينما كانت تشد على يد الليبيات المشاركات بالمهرجان السيدة خدوجة وهى ممثلة ومدير فنى لشركة إنتاج ليبية، وتشد على يد زهرة منتجة الفيلم الليبى القصير المشارك بالمهرجان لمخرجة صلاح قويدر، لاحظت كيف تبادلت كلمات لطيفة مع المشاركين من البحرين والإمارات، وحوارها المطول مع المخرج السورى سمير ذكرى. كان المخرج مجدى أحمد على حملنى رسالة لها يطالب بمستحقات جائزته فى الدورة الثالثة لم تصله حتى الآن. أعطيت الرسالة للسيد محافظ المهرجان مصطفى عريف عن طريق الناقد نبيل حاجى، كما وصلت نسخة أخرى من الرسالة مع خالد أبو النجا، هل ستحل مشكلة تجميد قيمة الجوائز لكل من مجدى أحمد على عن فيلمه خلطة فوزية، والناقد أمير العمرى عن أفضل مقال فى السينما؟ صحيفة الوصل كانت نشرت مقالا مطولا عما أعلنته عن الموضوع، ومقالا آخر به حوار معى معنون بكلمات قلتها أن القطيعة لا تكون إلا مع إسرائيل. نعم فالصحف أيضا متنوعة، والوصل صحيفة مستقلة جاءت تغطيتها للمهرجان من زوايا متعددة دون الرأى المسبق الذى ساقته جريدة الشروق. أما جريدة الخبر فتبدو جريدة متوازنة تعرض الأمور بلا إثارة فى شكل أقرب للتحقيق الموضوعى، وقد نشرت حوارا أجراه جعفر بن صالح مع خالد أبو النجا وكانت العناوين تصب فى خانة التصالح: ألغيت كل مواعيدى فى أوربا من أجل الجزائر، وما حدث بيننا فتنة مدبرة وأصوات متوترة يجب تجاوزها. بالفعل مكنت الدورة الرابعة للمهرجان الدولى للفيلم العربى بوهران من تجاوز كثير من التوترات وأكدت للجميع أن التناول الإعلامى كان ومازال مع الأسف هو الذى يشعل الفتيل كتعويض عن فراغ ثقافى يجب القضاء عليه نهائيا.  تحية إلى دفء الاستقبال من صحفييى الجزائر وفنانيها ومسئوليها ومنظمى المهرجان ومنهم السيد مهدى الذى حضر ليتأكد من راحتنا فى الجزائر انتظارا لطائرة العودة إلى القاهرة. تحية للمجهود الكبير الذى بذلته سارة مسئولة الحجز وهى فتاة فى العشرين تدرس الاقتصاد حرصت رغم مشاغلها على حضور عرض ميكرفون الفيلم المصرى الوحيد المشارك بالمهرجان وأعجبها جزئيا، تحية إلى التواصل المستمر بيننا عبر الشبكة الاجتماعية ، ودور كبير يلعبه الصحفى الشاب مصطفى الكيلانى الذى كسب أصدقاء من شباب الجزائر حملنا الكثير منهم التحية والسلامات لمصريين كثيرين حضروا دورات وهران السابقة وتركوا جزءا من روحهم المحبة فى وهران والجزائر. 
فى مقال لاحق سأتناول الأفلام وخاصة ما كشف عنه المهرجان من سينما سعودية واعدة.

Sunday, 14 November 2010

رسالة أوربا : مرحبا ... ولكن



أجمل الأفلام لا تتناول بالضرورة قضايا كبرى


ينتظر عشاق السينما بانوراما الفيلم الأوربى بلهفة تزايدت مع دورته الثالثة لهذا العام، أتاحت أفلام مصر العالمية لنا فرصة متابعة آخر ما وصلت إليه السينما فى بلدان أوربية تشارك أفلامها فى المهرجانات الكبرى الثلاث كان وبرلين وفينيسيا . 

اتفق المتابعون على تقدير أفلام لم تصلنا أصداء سابقة عنها، أفلام بديعة لا تتناول قضايا كبرى ولا تخوض فى الشأن السياسى. ليست فى شهرة فيلم بيوتيفل، ولا رجال وآلهة. سعدنا بفيلم " قريبا منك " الألمانى الذى يتناول تغييرا طرأ على موظف بنك لديه هوس بالنظام والانضباط عندما يلتقى صدفة بعازفة تشيللو عمياء النظر، لديها بصيرة قادرة على فهم الآخر والتواصل معه. التناول الكوميدى للموضوع مع إنسانيته العالية تدهش المشاهد الذى لا تفارقه الابتسامة طوال متابعته للفيلم. أبطال " قريبا منك" محدودين وأماكن الأحداث أيضا، إدارة الممثل وبراعة السيناريو تبعد أى إحساس بالملل . معانى عميقة خلف أشياء تبدو عادية جدا. فبعدما يسرق مجهول محتويات منزل فيليب، وضمنها سلحفاه باول، يكون هذا الحدث بداية لتحول عميق فى شخصيته واكتشافه لسخف التعلق بالأشياء، وبعد دخول عازفة التشللو حياته تتباعد قيمة الأشياء نهائيا، ويفاجئنا المخرج بكرة عملاقة تجمعت فيها محتويات المنزل فى الطريق أمام البيت يصطدم بها فيليب والضريرة وعندما تسأله يقول لها أنها أشياء بلا قيمة. وفى النهاية يصل البوليس للسارق وهى جارة فيليب الحسناء التى سرقت سلحفاته كنوع من الدعابة وأخذتها وتركت له كراكيبه الأخرى. الأشياء المادية فى الفيلم ليست لها المدلولات الشائعة فالسرقة ليست سرقة، بل يكسبها المخرج معنى التمرد على الرغبة فى الامتلاك. يسرق فيليب رزمة نقدية فى نوبة حراسته البديلة بدلا من ابن المدير الذى تتصادف دروس التمثيل لديه مع نوبات الحراسة فيقوم فيليب الطيب بها بدلا منه. سرقة فيليب كانت نوعا من التمرد على المثالية وعقابا للابن المدير الذى يستغله، يعطى المال للعازفة لتحقق حلمها بامتلاك تشيللو خاص بها وخاصة بعد أن باعت السيدة التى تتدرب على آلتها المكان بما فيه. يتعامل المخرج مع الإعاقات بشكل طريف فى رسالة مفادها أنها لا يجب أن تضعف من البشر، فيليب وإعاقته النفسية، العازفة وإعاقتها البدنية، صاحبة التشلو ويدها اليمنى المقطوعة كلها أمور يمكن تجاوزها وخاصة فى وجود شخص محب " قريبا منك ". السينما الألمانية لها أكثر من عمل فى البانوراما وهناك إضاءة خاصة على فاتح أكين التركى الذى يضيف للسينما الألمانية عددا من الأعمال الهامة وكأنه شخصيا ينفى الفكرة التى ترددت فى عدد من الأفلام عن عدم جدوى الهجرة ، ونجاحه يعد ردا عمليا على رسالة وصلتنا من أفلام أخرى بالبانوراما يقول فيها الأوربى مرحبا للمهاجر ولكن لاجدوى من المجيء والأفضل البقاء فى بلادكم. يقولها الفيلم الكبير "بيوتيفل" الأعلى مشاهدة فى البانوراما ضمن رسائله العديدة ، فالبطل الذى يقترب من الموت لإصابته بالسرطان، يعانى من مشكلة كبرى من أم طفليه غير السوية نفسيا ومن مشاكل تورطه فى أعمال غير مشروعة مرتبطة بمهاجرين غير شرعيين، صينيين وأفارقة وصلتنى رسالة الفيلم تطلب من المهاجرين الرحيل، وتوضح أن وجودهم يضيف إلى مشاكل أهل البلاد، بمعنى" نحن فينا اللى مكفينا ، مش ناقصينكم" ، الأجيال المسيسة من المشاهدين التقطوا الرسالة المعادية ضد الأجانب من بيوتفل، أما الجيل الأكثر شبابا فالرسالة الوجودية التى تتناول الموت وفلسفة الوجود كانت الأقرب إليهم. وهكذا السينما الكبيرة تتعدد بها الرسائل ويجد فيها كل مشاهد جانبا يتواصل معه، تفتح نقاشا وجدلا كبيرا يتواصل لأسابيع بعد انتهاء المهرجان المكثف للسينما الأوربية الذى شهد تزاحما على أفلام تسجيلية كبيرة كفيلم المخرجة الفرنسية من مجموعة الموجة الفرنسية الجديدة أنييس فاردا فى عملها العبقرى " شواطئ أنييس " تظهر فيه بشخصها مع ذكرياتها الشخصية والسينمائية بخفة ظل وإصرار على الحياة ومواصلة الإبداع.
والتسجيلى الرائع لفاتح أكين عبور الجسر صوت اسطنبول الذى تتأكد فيه هويته التركية ويصبح بمثابة رد على دعاوى صدام الحضارات.
قضية الساعة الخاصة بالهجرة إلى أوربا التى تؤرق الأوربيون يتم تناولها بشكل مباشر فى الفيلم الفرنسى مرحبا الذى شارك بمهرجان الإسكندرية الأخير وحاز جائزته الكبرى، يتناول بشكل مثالى شخصية مدرب سباحة يقع مصادفة مع شاب كردى أتى من العراق يرغب فى تعلم السباحة ليعبر المانش، بلال كان رياضيا تحت العشرين بطلا فى سباق الجرى يشعر الفرنسى تجاهه بأبوة ولا يكتفى فقط بتدريبه، بل يعطيه بذلة غطس ليتمكن من العبور المستحيل، ينتهى الفيلم بغرق بلال وإعادة شرطة السوائل الإنجليزية جثته للفرنسى الذى ينوى تدريب مهاجرين آخرين، هنا يبدو التعاطف معهم فرديا ولكن الحكومة وغالبية الناس لا تريدهم . نعم مرحبا بكم ولكن تواجدهم هنا مستحيل. يصل الفيلم الألمانى عندما نرحل إلى أبعد من هذا فى تناوله العنصرى لأسرة تركية مهاجرة فى ألمانيا، وقسوتهم الشديدة على ابنتهم التى زوجوها لتركى فى اسطنبول يضربها كما يضرب ابنه، وعندما تتركه محتمية بأسرتها فى ألمانيا يرفضونها ويعتبرونها عارا على الأسرة. الفيلم ميلودرامى ردئ، ينحاز للشخصيات الألمانية ويصورهم كملائكة يتعاطفون مع المرأة ويصور الأتراك كوحوش حتى أن الأخ يقتل ابن أخته بالسكين، وهذا التناول يعكس جهلا شديدا بالشخصية الشرقية التى تقول بأن الخال والد، وتبالغ ككل الأعمال المتخلفة فى الرسم الأحادى للشخصيات. وسواء كان العمل كبيرا مثل فيلم بيوتيفل، أو متوسطا كفيلم مرحبا أو ردئيا كفيلم عندما نرحل فالرسالة واضحة، ليس لكم مكان بيننا، أيها الصينيون، أيها الأفارقة ، أيها الأتراك ، ارحلوا إلى بلادكم.
بانوراما الفيلم الأوربى ليس فقط ساحة لعروض الأفلام بل مؤتمرا سينمائيا تعقد فيه محاضرات وتتم فيه لقاءات بين صناع الأفلام ومتلقيها، وتتم لقاءات عفوية أخرى بين المشاهدين يتبادلون الآراء حول الأفلام ورسائلها. كان عرض فيلم زنديق للمخرج الفلسطينى ميشيل خليفى فرصة للالتقاء به والاستماع لتجربته مع السينما، زنديق إنتاج فلسطينى بلجيكى مشترك يواصل فيه خليفى التزامه تجاه قضية بلده فلسطين، وزنديق يقوم فيه محمد بكرى بدور خليفى نفسه وقد وصل الناصرة لحضور جنازة أحد أقاربه، يصطدم بالخلاف الفلسطينى الفلسطينى، يقضى ليلته فى متاهة مطرودا من كل الأطراف، وعندما يكفر بالعودة ويلقى بمفتاح البيت فى النار، يقابل صبى فلسطينى يهرب مع زميل له من الفاسدين الذين يستغلونهم، يقرر بكرى البقاء حاملا سلاح الكاميرا ويصور صراع أطفال فلسطين من أجل البقاء. من الذاكرة الخصبة أول وأهم فيلم لميشيل خليفى مرورا بعرس الجليل وطريق 181 انتهاء بزنديق يواصل خليفى دوره فى المقاومة بالسينما. لا شك بذل مجهودا كبيرا وامتلك قدرة على البقاء تقاوم دعوات الترحيل سواء فى بلده فلسطين، أو فى موطن هجرته بلجيكا،وهو كفاتح أكين رسلا حية للتواصل والتعايش بين الشعوب. مكنهم فن السينما وموهبتهم التى يمتلكونها من التعامل بندية مع الآخر الأوربى الذى تجعلنا البانوراما نقترب من تفكيره وتعرفنا بمشاكله، فلا يصبح ذلك الغريب المجهول الذى نخشى التعامل معه.
استجابت ماريان خورى لما طلبناه من عرض البانوراما فى دار عرض قريبة من وسط البلد، فكانت البانوراما بدارى عرض مكنت القاهريين على اتساع أماكنهم من المتابعة من أقرب مكان إليهم. ونضيف هذا العام طلبا بتخصيص دار عرض واحدة صغيرة لعروض دائمة للفيلم الأوربى تغطى تعطشنا لسينما جميلة شكلا، تتناول قضايا إنسانية هامة وجادة تقرب المسافات بيننا وتحقق سلاما بين الشعوب. تخلق حالة من الجدل وتعبر الجسر بين الثقافات المختلفة.

Sunday, 7 November 2010

أيام قرطاج السينمائية الدورة 23 JCC





 
المهرجان تونسى
 والعرس مصرى عربى أفريقى



ميكرفون :فيلم تونسى بلهجة مصرية


أهم ما يميز مهرجان قرطاج ،عفوا "أيام قرطاج السينمائية" هو الحضور الطاغى للجمهور التونسى رفيع الثقافة المحب للسينما الذى تزاحم لمشاهدة عروض الأفلام كلها دون تفريق بين الروائى الطويل والتسجيلى والروائى القصير. هذا الجمهور هو الذى منح الجائزة الكبرى للفيلم المصرى ميكرفون فقد كان التجاوب معه طاغيا وخاصة بين الشباب، بعد العرض قابلت شبابا تونسيا قال لى أحدهم هذا فيلم تونسى بلهجة مصرية، مضيفا كيف أنه يعبر عن الشباب من خلال هذه الفرق الموسيقية التى تقدم رؤية فنية جديدة بكلمات ونغمات مختلفة، وتصادف نفيا من مؤسسات رسمية تمنح وتمنع طبقا لما تراه.
كم صفق الجمهور التونسى فى مشاهد يتعنت فيها مسئول "المركز الوطنى " ويمنع الشباب من الغناء ويقدم بدلا منهم فتاة تغنى لأم كلثوم. توحد الجمهور التونسى مع نماذج فيلم ميكرفون وشعروا بأن مشاكله هى مشاكلهم. من مزايا أيام قرطاج أيضا حضور لجنة التحكيم الرسمية العروض مع الجمهور ففى الصف الأول من البلكون جلس أعضاء اللجنة وعلى رأسهم مخرج هايتى الذى ترأس لجنة دعم الجنوب راؤول باك، والنجمة إلهام شاهين والكاتب عتيق رحمى من أفغانستان والموسيقى التونسى أنور ابراهيم الذى وضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام التونسية الهامة كصفائح من ذهب لنورى بوزيد وحلفاويين لفريد بوغدير، وصمت القصور لمفيدة تلاتلى، كما ضمت اللجنة أيضا المخرج السنغالى جوزيف راماكا الحاصل على الأسد الفضى من مهرجان فينيسيا عام 1997 عن فيلمه"هكذا يكون"وأيضا المخرجة الفرنسية ديان بارتيه التى قدمت فيلما تسجيليا عن والدها المخرج جاك بارتيه. أدهشنى التصفيق الحار من رئيس اللجنة بعد انتهاء ميكرفون متجاوبا ومتأثرا بالجمهور التونسى ناسيا التحفظ الذى يجب أن يبديه كرئيس للجنة التحكيم. قبل العرض كنت اقترحت على الزملاء من النقاد العرب والأجانب مشاهدة الفيلم ذاكرة أنه يمثل موجة جديدة للسينما المصرية لشباب تعاملوا مع الديجيتال كوسيط ليمكنهم تقديم أعمالهم بعيدا عن السينما السائدة، ولكن شيوخ النقاد عربا وأجانب تحفظوا على الفيلم ووجده بعضهم مشابها لفيلم " نحن لا نعرف شيئا عن القطط الفارسية " الإيرانى حتى أن كثيرين من الصحفيين وجهوا للمخرج أحمد عبد الله سؤالا حول تأثره بالفيلم الإيرانى الذى لم يشاهده. وكان ردى على هؤلاء النقاد أن الفيلم يرصد واقع جديد فى مصر وخاصة فى الإسكندرية لشيئين هامين أولها الرغبة فى التعبير عن أنفسهم وامتلاك ميكرفون خاص بهم ، والثانى التواجد فى الاسكندرية ومحاولة تغيير صورة أن كل شيء يتم فى القاهرة فقط. ميكرفون عمل طموح يعبر عن أجواء التغيير فى مصر الآن، وفى الاسكندرية تحديدا وقد انتفض شبابها ثورة على أن كل شيء يتم فى العاصمة فتكونت فرق موسيقية، وفنانين تشكيليين ومتمردين صغار عل القيود العائلية، نسج أحمد عبد الله فى فيلمه الثانى بين خطوط الفيلم وضفرها ببراعته المونتاجية وبأسلوب سرد يشرحه على لسان منة شلبى فى نهاية الفيلم والتى كان مشهدها مع خالد أبو النجا عصب الفيلم وعموده الفقرى معبرا عن أزمة الوجود للشباب المصرى وحيرته بين الهجرة والبقاء فى البلد. متوازيا ومتقاطعا مع أحمد مجدى ويسرا اللوزى يقدمان مشروع تخرجهما ويشرف عليهما المخرج يسرى نصر الله. باستثناء البطلين خالد أبو النجا ومنة شلبى تعبر شخوص الفيلم عن دورها الحقيقى فى الحياة التى رصدها أحمد عبد الله وترك لها مساحة التعبير والميكرفون لتقول نحن هنا. الفرق الغنائية مقدمة فى الفيلم بأسمائها الحقيقية، الحس التسجيلى بالفيلم يذكرنا بأمجاد خيرى بشارة، وخاصة نهايته ، لماذا نتذكر القطط الفارسية وننسى فيلم آيس كريم فى جليم . ميكرفون فيلم مبدع فى كل تفاصيله الصغيرة بداية من كتابة اسم الفيلم وانتهاء بتترات النهاية مكتوبة على صخور شاطيء الإسكندرية . طالت أحيانا المقاطع الغنائية لأنها جزء أساسى فى الفيلم الذى يوثق لفرق شابة تصرخ للتعبير عن نفسها ويرفضها المركز الوطنى ، تجاوب الجمهور التونسى فى السخرية منه. مشاهد الشاب الذى يحرس لافته الدعاية الانتخابية مكتوب عليها رجل المستقبل، تفاصيل أخرى يحفل بها فيلم ميكرفون مثل الشعار كن مع الله وقد أصبح كن مع الفن على واجهة دكان الجرافيك الذى مات صاحبه وتصر ابنته وابنه على إدارته ومواصلة رسالة الفن. تفاصيل يمكن التقاطها من الصورة التى تطورت كثيرا عن هليوبوليس.
لا توجد ندوات للأفلام تعقب العروض ولكنها تقام فى صباح اليوم التالى للعرض، وأعتقد أن هذا الأمر يجب تجاوزه وتغييره فى قرطاج، فالندوة بعد سخونة العرض تكون أكثر حميمية وهو ما حدث – ولا أعرف سببا لذلك – مع الفيلم التسجيلى "شيوعيون كنا " للبنانى ماهر أبى سمرا، حيث أدارتها الناقدة نورا بورصالى بعد عرض الفيلم بدار عرض مخصصة لمسابقة الأفلام التسجيلية، وكانت ندوة هامة طرحت فيها نقاشات هامة حتى أن واحدة من الجمهور التونسى -وهى محجبة- ناقشت المخرج حول موقفه من حزب الله بالفيلم وأوضحت اتفاقها معه رغم الخلاف الأيدولوجى. وبهذه المناسبة أذكر أن الحجاب نادر جدا فى تونس والنسبة الطاغية فى الشارع تذكرنى بمصر-والقاهرة تحديدا فى بداية السبعينيات حيث النساء سافرات بعضهن بجيبات قصيرة، مظهرهن أوروبى والمنطقة كلها التى تدور فيها فعاليات المهرجان أوربية الطابع كمنطقة وسط البلد بالقاهرة أو كمصر الجديدة قبل زحام العشوائيات.
توزع عروض أقسام المهرجان على دور عرض متقاربة تحيط بفندق أفريقيا حيث المقر الرسمى للمهرجان ومركزه الصحفى. الأفلام الروائية طويلة وقصيرة فى سينما الكوليزى وهى سينما عريقة تذكرنى بدار عرض ديانا بالقاهرة. هناك باب لدخول أصحاب البطاقات وآخر للتذاكر، التذكرة بدينار ونصف،أى ما يعادل سبعة جنيهات مصرية تقريبا، بينما تبلغ تذكرة السينما حاليا فى القاهرة بين خمسة عشر وثلاثين جنيها. المهرجان لأهل تونس هذه هى فلسفة المهرجان منذ أسسه الطاهر الشريعة رغبة فى تثقيف الجمهور والترويج لسينما فنية عربية وإفريقية.
كرم المهرجان الطاهر الشريعى وقدم فيلما تسجيليا عنه من إخراج محمد شلوف، فيلم تكريم الشريعى كان أيضا مصريا إذ يبدأ بمخرجنا الكبير توفيق صالح يقدم شهادته عن الطاهر الشريعى وكيف دعاه لعرض فيلمه بقرطاج، كيف اصطحبه لنوادى السينما المنتشرة والمزدهرة بتونس مع فيلمه، يقول توفيق صالح فى الفيلم ، كانت المرة الأولى التى أعرف فيها معنى مهرجان سينمائى. تظهر فى الفيلم أيضا مخرجة السينما التسجيلية عطيات الأبنودى التى حصلت على الجائزة من مهرجان قليبية بتونس أيضا. الفيلم التسجيلى عن الشريعى يحوى مقابلات حديثة مع توفيق صالح وعطيات الأبنودى وعدد من رموز السينما العربية والإفريقية كما يحوى وثائق نادرة منها لقطات أرشيفية من أيام قرطاج ظهر فيها يسرى نصر الله شابا يتسلم جائزة أيضا. كرمت عطيات الأبنودى من قبل منظمة المرأة العربية التى ترأسها السيدة ليلى بن على قرينة الرئيس التونسى. تذكرت ما صرحت به عطيات الأبنودى فى حوار لى معها نشر بالف السابع المصرية –التى أسسهها محمود حميدة- بأن مصر ليست دولة نامية بل هى دولة كبيرة تمر بأزمة. نعم مع كل الحضور المصرى فى أيام قرطاج السينمائية والذى توج بحصول فيلم ميكرفون على التانيت الذهبى وحصول الفيلم القصير أحمر باهت على جائزة لجنة رئاسة منظمة المرأة العربية، وحصول آسر ياسين على جائزة التمثيل عن دوره فى رسائل بحر لمخرجنا الكبير داوود عبد السيد. شعرت بالفخر وأحببت التواجد المصرى فى تونس وسط شعب يحبنا. حضور مصرى مشرف فى فعاليات المهرجان ومؤتمراته، التمثيل المصرى فى مؤتمرى النقاد الدوليين وملتقى النقاد العرب، مشاركة الناقد أسامة عبد الفتاح فى لجنة تحكيم الفيبرسي بقرطاج وهى اللجنة التى تعقد بأيام قرطاج للمرة الأولى وتعقد مثيلتها فى مهرجان القاهرة للمرة الخامسة. كما أعلن كلاوس إدر السكرتير العام للفيبرسي أنها ستعقد فى مهرجان أبو ظبى فى دورته القادمة أيضا. يسرى نصر الله فى يلقى محاضرة فى السينما، أحمد رشوان وشريف المغازى وتامر السعيد فى ورش تطوير المشروعات. نجومنا إلهام شاهين فى اللجنة الرسمية وخالد أبو النجا فى لجنة القصير والمسابقة الوطنية. د.خالد عبد الجليل رئيسا للجنة تحكيم جائزة رئاسة منظمة المرأة العربية ،ومعه فيولا شفيق عضوا فى نفس اللجنة، داوود عبد السيد مع فيلمه رسايل بحر تألقت معه بسمة بطلة العمل. منى أسعد مع فيلم جيران منتجة الفيلم ومخرجته المنفذة. أشعر بالسعادة لحب الجمهور التونسى الذى يتهافت لتحيتى بمجرد سماعهم للهجة وأنا أتحدث مع زميل. يلتقطون الكلمة ويرددونها كأنها أغنية. كنت مع الناقد الليبى رمضان سليم فى انتظار بداية عرض فيلم محمد بكرى زهرة وقلت "هوه ده " رددتها خلفى فتاتين تونسيتين جميلتين بدلع.
كنت أحي داود عبد السيد أهلا أستاذ داوود ،التفت محمد بكرى مبتسما حييته، وقبل عرض فيلمه قدمت له ناقدة تركية ترغب فى التحاور معه سألته أى لغة تتحدث فقال أتحدث اللغة العربية، كان يريد تأكيد هويته وياليت الأخوة التونسيون يفعلون مثله بدلا من تمسكهم بالفرنسية.
فيلم بكرى الجديد "زهرة " تسجيلى 63ق بورتريه عن الجدة زهرة مستعرضا حياتها منذ النكبة عام 1948 وحتى الآن وعائلتها الكبيرة التى عملت على تمسكهم ببعضهم وبأرضهم، فى الفيلم يأتينا صوت بكرى مرددا شعر محمود درويش، سجل أنا عربى. أبكانى الفيلم وشعرت بفرحة إلقاء الضوء على جانب مقاوم للتمسك بالحياة دون تنازل. تقابلت أيضا مع المخرجة الفلسطينية مى مصرى التى ابتسمت بفرحة لملاقاتى وبادرتها ، لم نعد نراك فى الإسماعيلية، قالت إن مستوى التكريم الذى حظيت به لا يمكن تكراره. هنا فى تونس هى مع ورش تطوير المشروعات، واحدة مثلها مثل شباب المخرجين الذين تمنحهم أيام قرطاج السينمائية فرصة تطوير المشروعات والحصول على دعم جزئي لاستكماله. أيام قرطاج السينمائية لم تكن فقط تونسية ، بل مصرية وعربية وإفريقية، يحق لدرة أبو شوشة وفريق عملها آنى جميل والمخرج طارق بن شعبان وباقى فريق العمل، يحق لهم الفخر لأنها ليست مخازن أو علب لعرض الأفلام ، بل برامج مدروسة وفعاليات متنوعة وتنظيم جيد لا يدلل المشاركين، بل يعطيهم كل شيء منذ اللحظة الأولى، خريطة بأماكن العروض، والمطاعم والفنادق، يتركك لتتحرك بحرية متجولا فى البرنامج المكثف لأيام قرطاج السينمائية ويمنحك مساحة لالتقاط الأنفاس قبل حلول دورته التى تأتى عام 2012 يكون عندها الجمهور التونسى قد طال شوقه لسينما العالم على أرض بلده الخضراء. وعندها أتمنى أن تكون الموجة المصرية التى ظهرت مع البطوط وأحمد عبد الله قد امتدت وأصبحت هى السينما المسيطرة التى تجمع بين الإقبال الجماهيرى والنقدى.

Tuesday, 19 October 2010

اتجاه جديد للفيلم التسجيلى يشارك فى حركات تغيير المجتمع



المخرجة منى عراقى
ومدرسة التحقيق الاستقصائى


كشف مهرجان الإسماعيلية فى دورته الأخيرة  2-9 أكتوبر 2010عن ظهور اتجاه جديد فى السينما التسجيلية المصرية وهى  مدرسة التحقيق الاستقصائى الذى تتبعه المخرجة منى عراقى فى أفلامها. فى دورات سابقة للمهرجان شاهدنا نماذج فرنسية لهذا الاتجاه وتمنينا أن نشاهد عملا مصريا أو عربيا على شاكلته.  فى اليوم قبل الأخير لعروض المهرجان شاهدنا "طبق الديابة " الذى يكشف عمليات الاتجار فى مخلفات المستشفيات وإعادة تدويرها بدلا من حرقها كما ينص القانون. خاضت منى عراقى مغامرة خطرة للتظاهر بأنها جاءت لشراء هذه المخلفات، تقول فى الفيلم وللأسف نجحت. تشرك المخرجة المشاهد فى عملية البحث وتطلعه على نيتها قبل التحرك، تقدم شخصيات الفيلم بصوتها، تتحرك فى أماكن الأحداث، تصورها كاميرا محمولة يدويا ،أحيانا تميل الصورة أو تنقلب، بحماس المغامرين لا يهمها ثبات الصورة ولا جماليات التكوين، بل التقاط اللحظة ساعة وقوعها متبعة أسلوب السينما المباشرة. ولأن رئيسة لجنة التحكيم الدولية المخرجة الألمانية جيزيلا توختنهاجن من رواد هذه المدرسة يحصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم فى فرع الفيلم التسجيلى القصير-أقل من ساعة- منافسا أفلاما أجنبية أخرى بعضها يتبع نفس مدرسة التحقيق الاستقصائى كفيلم " رجل الفياجرا" الذى أثار اهتماما لجرأة موضوعه وكشفه عن استغلال شركات الدواء الكبرى بالترويج للقرص الأزرق دون اعتبار للآثار الجانبية ومدى تأثيرها على المتعاطين. طوال مشاهدة فيلم منى عراقى" طبق الديابة" غلبنى هاجس أن يكون بيضة الديك لمخرجته المجهولة لنا –قبل الإسماعيلية- ولكن بعد مشاهدة فيلمها " الصومال... أرض الأرواح الشريرة " ابتعد هذا الهاجس وتأكدت أن منى عراقى اختارت أسلوب الفيلم التسجيلى بالتحقيق الاستقصائى عن وعى وإصرار للكشف عن فساد الرأسمالية الجديدة واستغلالها للفقراء لتنفيذ مخططاتها الشريرة. وجدت فيلم "الصومال .." مغامرة أخرى لمنى عراقى قدمت فيه خلال 21 دقيقة فقط تحليلا وافيا عن القرصنة فى الصومال، تبدأ فيلمها بتساؤل "حد سأل ليه الناس دى بتعمل كده؟". قرأنا وشاهدنا تغطيات إخبارية دون الكشف عن دوافعها ودون تحليل يكشف تعقيدات موضوع أعمال القرصنة فى الصومال والتى تتعرض لها بعض السفن المصرية ويتم احتجاز أفرادها حتى يدفعون الفدية، فى فيلم منى عراقى تعلن عائشة وهى من قبيلة القراصنة "دول مش قراصنة، هذا عمل تديره العائلة لكى يحافظوا على أرضهم من أى معتد خارجى" ، عائشة تتحدث لمنى وهى بزى شعبى ثم تلتقيها وهى فى ملابس أفريقية بزيها الوطنى تذكر لنا أنها تعلمت فى أمريكا وهى المرأة الوحيدة التى رشحت نفسها لرئاسة الصومال ، تقول عائشة أن لاسكوراى- وهى مدينة القراصنة- مدينة غنية ولكن مواردنا تسرق، لا يريدون منا أن نستخرج بترولنا إلا بعد أن يجف بترول العرب. تكشف أيضا عن قدوم سفن إيطالية بنفايات ذرية تدفنها فى أرض الصومال، ثم تعود بصيد من مناطق غير محددة لذلك، فيهاجم من يسمونهم القراصنة هذه السفن. تلتقى منى عراقى بزعيمهم وبمسئول آخر كلهم يؤكدون أنهم أصحاب حق وأن القراصنة الحقيقيون هم الأجانب وأن الصوماليون مجرد رد فعل. بعض هؤلاء يتحدث لغة عربية سليمة. تنقلنا المخرجة من مصرى احتجز القراصنة ابنه وهو يناشد الرئيس حسنى مبارك للتدخل، إلى لقاء بين الرئيس المصرى والصومالى اتفقا فيه على أن الاستجابة لطلبات القراصنة بدفع الفدية يشجع القراصنة فى الاستمرار فى أعمالهم التى أسماها بالإجرامية. تكشف منى عن أن القراصنة هم صناعة حكومية ليبقى التدخل الأجنبى بقواعده، وبدفن النفايات الذرية لقاء مبالغ مالية كبيرة. تختم منى عراقى فيلمها ذاكرة أن الصومال أرض البترول والذهب، ولهذا حضر الغرب والأرواح الشريرة وعندما تؤذيهم يسمونهم بالقراصنة.
أنتج الفيلم قناة أو تى فى المصرية بإشراف ياسمين عبد الله وكانت منى عراقى مخرجة العمل ومصورته، انطلقت من بحثها عن إجابة السؤال حول القرصنة وخلافا لأى تقارير إخبارية، حللت ودعمت وجهة نظر تؤكد أسلوبها فى عدم الوقوف عند ظواهر الأشياء بل الحفر بعمق لجلب الحقائق التى تبقى مرهونة بوجهة نظر من قابلتهم وخاصة السيدة عائشة التى ساعدتها فى الخروج من منطقة القراصنة وفى الخروج بحقيبة بها الكاميرا وشرائطها المصورة بوضعها فى حقيبة تراثية يعتقد الصوماليون بأن فتحها يخرج الأرواح الشريرة. اختارت لجنة المشاهدة فيلم " طبق الديابة " الذى يفضح عمليات الاتجار بمخلفات المستشفيات، وفضلته على فيلم " الصومال " وكان من الممكن للجنة أخرى أن تفضل فيلم الصومال. وهكذا الوضع دائما تختلف النتائج باختلاف أعضاء لجان التحكيم والاختيار. وهى حقيقة لا يدركها بعض المشاركين فيغضبون بشدة لعدم حصول فيلم لهم على جائزة، أو لعدم اختياره للمشاركة فى المسابقة، يشعر النقاد أيضا بالغضب إذا جاءت نتائج التحكيم مخالفة لتوقعاتهم كما حدث هذا العام مع نتائج تحكيم اللجنة الدولية، بينما شعروا بالارتياح لنتائج تحكيم جماعة السينمائيين التسجيليين التى منحت جائزة صلاح التهامى لأفضل فيلم تسجيلى عربى لفيلم منى عراقى "طبق الديابة " بينما منحت جائزة حسام على لفيلم " صمود " للمخرج المصرى الألمانى فيليب رزق. وخرج فيلم متى المسكين من سباق الجوائز رغم تميزه ودخوله منطقة شائكة حول علاقة السلطة بالدين.
نجح مهرجان الإسماعيلية فى الكشف عن عدد من الأفلام المصرية تقوم بدور فى حركات تغيير المجتمع وفى الكشف عن مواهب واعدة مثل المخرج إياد صالح صاحب متى المسكين، والمخرج شكرى ذكرى شكرى بمشروع تخرجه قطر الحياة الحاصل على تقدير خاص من لجنة تحكيم جمعية نقاد السينما المصريين وقبلها من مسابقة الديجيتال بمهرجان الإسكندرية.
الدورة الرابعة عشر لمهرجان الإسماعيلية كانت الدورة العاشرة لرئاسة الناقد على أبو شادى للمهرجان بعد أن أعاده المخرج محمد كامل القليوبى بعد توقف لعدة سنوات، ككل مهرجان لايخلو من ملاحظات وإن ظل الأفضل تنظيما على مستوى المهرجانات المصرية. وهو مهرجان المركز القومى للسينما تتعاون إداراته المختلفة والعاملين فيها على إقامته وإنجاحه، تتعاون إدارات المهرجانات والمشتروات والمشروعات والإدارة المالية بادئة عملها بعد انتهاء كل دورة دون راحة، وإن كانت له ميزانية مخصصة فإنها تبقى فى حدود الميزانية العامة للمركز القومى للسبينما، يتغير الأفراد لسبب أو لآخر، وتبقى الكيانات، ومهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة كيان راسخ يتحدى البقاء مهما تعاقبت عليه القيادات.  
    



Sunday, 8 August 2010

بيت من لحم 2009



أحمد الهوارى
وعودة إلى عالم يوسف إدريس


" ضجيج الحياة دب، الزوج زوجها وحلالها وعلى سُنة الله ورسوله، فماذا يعيب؟ وكل ما تفعله جائز، حتى وهي لم تعد تحفل بالمواربة أو بكتمان الأسرار، حتى والليل يجيء وهم جميعًا معًا، فيطلق العقال للأرواح والأجساد، حتى والبنات مبعثرات والأجساد، حتى والبنات مبعثرات متباعدات يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات، مسمرات في مراقدهن يحبسن الحركة والسعال، تظهر الآهات فجأة فتكتمها الآهات، كان نهارها "غسيل" في بيوت الأغنياء، ونهاره قراءة في بيوت الفقراء، ولم يكن من عادته أول الأمر أن يئوب إلى الحجرة ظهرًا، ولكن لما الليل عليه طال والسهر أصبح يمتد، بدأ يئوب ساعة الظهر يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى، واستعداد لليل قادم، وذات مرة بعد ما شبعا من الليل وشبع الليل منهما، سألها فجأة عما كان بها ساعة الظهر، ولماذا هي منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها؟ ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن؟ إذ هو كل ما كلفه الزوا جمن دبلة ومهر وشبكة وهدايا"

هذا المقطع من قصة "بيت من لحم" العبقرية يفسر سبب تحويلها لعدد كبير من الأفلام القصيرة، فالجمل قصيرة ونافذة، دون جناس ولا سجع لغوى، لغة وصفية محملة بالدلالات وكأن كل جملة لقطة، وكل فقرة مشهدا سينمائيا يحفل بكل فنون السينما من رسم شخصيات، ووصف المكان والتفاصيل الصغيرة، تفصيلة الخاتم التى استخدمها كل من حول القصة لفيلم سينمائى فيما عدا أحمد الهوارى الذى تجاهلها تماما لتصبح قراءته لبيت من لحم قراءة تناسب العصر، الذى تجاوز الصمت بحجة الخاتم إلى التواطؤ الصريح غير المحتاج لأى حجة كالخاتم.
إذا سُئل شخص لا يعرف القصة فسيخبره من قرأها أنها عن أرملة تزوجت مقرئ القرآن على روح زوجها المتوفى بموافقة بناتها الثلاث، كانت تضع خاتم الزواج فى إصبعها فيتعرف عليها الرجل من بين كوم اللحم الذى تمتلئ به الحجرة الواحدة التى يسكنها الجميع، وأصبحت من تضع الخاتم هى الزوجة فى نظر الضرير فيواقعها إذ ليس على الأعمى حرج. الخاتم إذن هو حجر الزاوية فى الموضوع، كل الأفلام التى تعاملت مع القصة كان الخاتم أحد أبطال العمل وحجة هذه اللخبطة الشنيعة. أحمد الهوارى لم يلتفت للخاتم نهائيا، ونفى أن يكون الأعمى غير مدرك لما يحدث، إنه على الأقل غير متأكد فقط فى المرة الأولى حين تتسلل الوسطى ريم حجاب وترقد بجواره وهو فى قيلولة النهار. فى المساء يقول للأم "عايزك تظبطينى زى الصبح" لتصعق الأم وتظل تفكر أيهن التى أقدمت على فعلها. وبعدها يصبح التناوب شبه علنى ولعبة متفق عليها بين جميع الأطراف.

القصة تبدأ بالصمت ، والخاتم ولكن الفيلم يبدأ بصخب الواقع، ويحتفى بالمكان، مقابر 6 أكتوبر بعض الأحواش يتخذه الناس مسكنا وهو مختلف عن حجرة القصة التى تتكدس فيها النساء الأربع ومنها استمدت القصة اسمها بيت من لحم. لم يلتزم الهوارى حرفيا بكل هذه التفاصيل ولكنه حافظ على جوهر العلاقات:" ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة" العيون المتلصصة للبنات الجائعات تنظرن من فتحات الحائط  تعبرعن الجملة الأدبية وبصورة جديدة تناسب المكان ومنازله من الحجارة المتراصة وبينها شقوق .  أدت ريم حجاب دور الابنة الوسطى الجريئة ، وكانت بصمتها ونظراتها ترجمة للكلمات والجمل القصيرة التى أطلقها يوسف إدريس والتقطها المخرج الموهوب لتصبح فيلما ناريا تمكن فى زمنه الذى لم يتجاوز 17 ق أن يعبر عن كل الأطراف مضيفا إلى القصة الصارمة روحا فكهة مرحه زادها أداء الممثل محمود حافظ لدور الكفيف، وما منحه له من تجلى بالغناء بعد الشبع والرضا من الحياة، هنادى الابنة الممتلئة البارعة فى المطبخ وعمل المحشى تُكافأ بعد وجبة طعام أعدتها"يللا يا تعالى اغسلى لى ايدى" تنهض وسط صمت الأخريات. بدون الخاتم قرر الهوارى والشيخ الكفيف منحهن قسمته العادلة، الصغرى أيضا لها نصيب والأم سوسن بدر استسلمت.

قرأت الفيلم كقسمة للحق فى الحياة، يأتى من  تبادل العطاء فكل له دوره وكل له نصيب.
مخرج قادم يقود فريق عمله ،مدير التصويركريم أشرف، والمونتير حسام المصرى، ومصممة الملابس فاطمة عبد السلام،وواضع الموسيقى عمر شاكر، ومهندس الصوت إبراهيم عبد العزيز، وقبلهم جميعا كاتب السيناريو والحوار تامر أنور الذى قدم إبداعا موازيا للقصة الأصلية محاقظا على جوهرها غير ملتزم حرفيا بتفاصيلها وطوعها ليصبح الفيلم بيت من لحم 2009.

قصة فنان القصة القصيرة يوسف إدريس، التى كتبها قبل أربعين عاما ظلت منهلا يشد صانعى الأفلام القصيرة وخاصة مشروعات التخرج لطلبة معهد السينما.  قدمها رامى عبد الجبار السينمائى المستقل فى فيلم غلبت عليه الشكلانية دون أن يعكس أهمية الموضوع ، وحتى طالب موسكوأشرف سمير عبد الباقى قدم مشروع تخرجه بموسكو عنها بممثلين روس . وأخيرا فى  مشروع تخرج أحمد الهوارى صاحب التجارب التسجيلية والقصيرة وقبلها تجارب مع المسرح
حيث أخرج 6 مسرحيات وحصل على جائزة أحسن عرض لمسرحية عفريت لكل مواطن من المعهد العالى للفنون المسرحيه فى مهرجان المسرح العربى 2004، وجائزة لجنة التحكيم الخاصه عن مسرحية العار فى مسابقة الجامعات والمعاهد العليا 2005. قد يفسر هذا قيادته للممثلين وتفوقهم جميعا قى الأدوار المركبة لشخصيات بيت من لحم.
فى مهرجان بورسعيد، حصل "بيت من لحم"على الجائزة الذهبية من لجنة تحكيم مكونة من داوود عبد السيد وكاملة أبو ذكرى ويرأسها محمد كامل القليوبى، ورأس دورة المهرجان لهذا العام المخرج البورسعيدى سيد سعيد، تعدد المهرجانات أمر صحى ويسمح لتعدد الرؤى والأفكار حول الأفلام وتلقيها، تعدد يشبه القراءات العديدة لعمل فنى يحول إلى فيلم. اختلفت جوائز المهرجان القومى عن جوائز مهرجان الساقية، عن جوائز مهرجان بورسعيد وغيرها فكل مهرجان له توجهه وله لجنة تحكيم مختلفة، كل لجنة يكون لديها تصور عن الفن وعن ماهية السينما، بعض اللجان تضع الشروط الفنية كأولوية لها، والبعض الآخر له اعتبارات أخلاقية، والبعض الثالث يقيم توازنات مؤثرا السلامة مع كل الأطراف. تعدد المهرجانات والمسابقات فى صالح الإبداع والمبدعين وسنجد من بين الأفلام المنتجة لعام 2009 رؤى مختلفة وشديدة التباين سواء لمشروعات التخرج من معهد السينما المصورة بخام السينما 35 مللى، أو مشروعات لجهات تعليم جديدة فى مصر يصورون بالديجيتال بجودة عالية، أو أفلام مستقلة تستخدم ديجيتال بتقنيات أقل وكلها عند التنافس تحصل على فرص للمشاهدة وتختلف حولها الآراء بما يؤكد أن ساحة الإبداع تتسع أكثر لتسمح بالتنافس العادل دون احتكار أو نفى لنوعية على حساب أخرى. ستحاول العربى الكشف عن هذه التنويعات الإبداعية التى تزخر بها مصر إبداعا ونقدا من مختلف الأجيال.