Sunday, 2 April 2017

المرأة المصرية مخرجة مبدعة



المرأة المصرية مخرجة  مبدعة

وكيف حققت الندية مع الرجال
 منذ ما يزيد عن العشر سنوات أجاب مخرج كبير من جيل الثمانينيات عن سؤال لماذا لاتوجد مخرجة امرأة رغم أن السينما المصرية قامت على أكتاف ثلاث سيدات هن عزيزة أمير وبهيج حافظ وماري كوينى؟ فرد ساخرا لديكن إيناس الدغيدي. ظلت إيناس لفترة المخرجة السينمائية الوحيدة المطروحة فى الإعلام المصري والعربي، الغالبية تهاجمها وتهاجم (جرأتها) بين قوسين وقلة فقط متحمسة لها وتجدها مخرجة مهمة، أعترف أننى لأسباب شخصية تجاهلت الانضمام لأي من المعسكرين المهاجم والمدافع، فقد تخرجنا معا من المعهد العالي للسينما دفعة 1975 أنا من قسم المونتاج وهي بالإخراج، ولم نكن صديقتين وإن لم نكن على خلاف واضح إلا فى طريقة طرح كل منا لنفسه، فبينما كنت وقليل من الزملاء ننتمي إلى اليسار ونشارك تظاهرات جامعات مصر(71-72) كانت إيناس تعمق علاقتها بصناعة السينما المصرية بدأب حتى أصبحت مساعدة مع بركات، ومع صلاح أبو سيف، بعد عملها مساعد ثان مع المساعد الأول وقتها سمير سيف فى أفلام حسن الإمام. كنت كما كثير ممن يشبهون توجهاتي لا نفضل السينما التجارية التي يمثلها الإمام ومعه إيناس التى فرضت نفسها بالجهد وبالعناية بشكلها ساعدها فى ذلك طولها الفارع واهتمامها بأناقتها، وقد جربت التمثيل ولكنها لم توفق ، إذ قامت بدور ثان مع فاتن حمامة فى فيلم بركات " أفواه وأرانب" ويبدو أن عدم نجاحها كممثلة دفعها للتركيز فى الإخراج حتى وجدت منتجا لفكرة وجدتها جديرة بالمناقشة فقدمت عملها الأول " عفوا أيها القانون" ، تأليف ابراهيم الموجي. 
طرحت الدغيدى فيه فكرة اختلاف الحكم بين من يقتل زوجته إذا فاجأها مع عشيق على فراش الزوجية، وبين الحكم على زوجة تقوم بفعل القتل إذا فاجأت زوجها مع عشيقة. حظي الفيلم باهتمام كبير ورد الرجال عليها ( عفوا أيتها الآنسة) وبفيلمها الأول حققت لنفسها مكانة فى صناعة السينما المصرية وحتى الصحافة الأجنبية كتبوا عنها " مخرجة لها طلة هوليودية) ولم تحظ أفلامها بالنقد المستحق سلبا أو إيجابا نتيجة للصورة التي صدرتها عن نفسها وتحركها بين النجمات صديقة لهن وليس بين زملائها من المخرجين .
كرمت إيناس بالمهرجان القومى للسينما المصرية الأخير، ولم يتحمس أي من النقاد الشباب للكتابة عنها فى إطار تكريمها بسلسلة الكتب التي ينتجها صندوق التنمية الثقافية مع الحدث السنوي، فتصدى للأمر علي أبو شادي الذى أجرى معها حوارا دون أن يقوم بدراسة وتحليل أفلامها، وأجد أن إيناس الدغيدي ظلمت مرتين، مرة بالتعامل معها كامرأة جريئة تهاجم المسلمات و(الثوابت) ومرة حين كرمت – وأجدها تستحق – ولم يكتب عنها بشكل علمي. مع التسليم بأنها المسئولة عن تصدير صورة النجمة الجريئة وآخرها ما قامت به فى ندوة بمعرض الكتاب (2017)
صرحت فيه أن ممارسة الجنس قبل الزواج حلال. حتى أن لها برنامجا تلفزيونيا بعنوان الجريئة. تستضيف فيه نجمات ونجوم ويتناول ما يعتقد أنها قضايا حرة . أخرجت أول أفلامها "عفوا أيها القانون" فى أوائل الثلاثينيات ( 32 سنة ) وهو أمر نادر حتى بين الرجال، بينما المخرجة هالة خليل كانت فى عمر (37 سنة) حين أخرجت أول أفلامها " أحلى الأوقات " فتاة ناضجة على أعتاب الأربعين.  
مضى زمن كان هوية المرء فيه مطروحة للنقاش، والمجتمع المصري – والعربي معه- مجتمع ذكوري يؤمن ابتداء بتفوق الرجل على المرأة ويشكك دائما فيما تحققه، وتثار النميمة – والرجال ينمون أكثر مما تفعل النساء- حول من الذى كتب لفلانة كتاب شعرها، ومن الذى أخرج سرا فيلمها، وحتى النساء شاركن الرجال فى هذا الهجوم، تحملت المبدعات المصريات هذه النظرة طويلا ولكنهن بدأب وثقة كبيرة فى النفس طرحن عن كاهلهن فكرة منافسة الرجال، وجهرن بتميز إبداعاتهن ولم تخش الواحدة منهن أن تصنف كمخرجة، ككاتبة، كشاعرة، لم تعد تاء التأنيث تعني (الأقل) بل أصبحت تعني الخصوصية والتميز أحيانا.
هذا العام في عام المرأة لم يجد منظموا التظاهرات الفنية المختلفة مشكلة فى تمثيل المرأة في مختلف التخصصات، لم تعد لدينا إيناس الدغيدي فقط فى السينما، بل هناك هالة جلال ،هالة خليل، كاملة أبو ذكري، هالة لطفي، ماجي مورجان، أيتن أمين، سناء سيف، إيناس بكر، مخرجات ومنتجات، وكاتبات سيناريو وسام سليمان، نشوى زايد..خلافا لمصورات ومهندسات ديكور، فنانات مونتاج ورسوم متحركة، أستاذات بمعهد السينما وصاحبات مشاريع كبيرة. وحين اجتمعت لجنة تحكيم مهرجان جمعية الفيلم وأثناء المناقشة لم يكن مطروحا بأي شكل من الأشكال نوع المخرج ذكرا أم أنثى، ونوقش عمل هالة خليل وسط أعمال المخرجين من الرجال بنفس الدرجة من الندية ولم يترفق أحد بها، فقط تعاملنا مع العمل الأول لصاحبه بقدر من الاعتبار، كما هو معمول فى كل المهرجانات الدولية والمحلية الكبرى. 
بدأت دورة أسوان لسينما المرأة ترأس دورته الأولى امرأة هي الممثلة إلهام شاهين، ترأس لجنة التحكيم مخرجة هى هالة خليل الحاصلة على جائزة أفضل إخراج بمهرجان جمعية الفيلم 43 كما حظي فيلمها بالعدد الأكبر من الجوائز فى نفس المهرجان بالإضافة إلى جوائز عديدة بمهرجانات بالخارج. لم تعد النساء مشغولات بإثبات أنهن مبدعات ( والله العظيم أنا مخرجة، والله بأعرف أكتب، أيوة أنا اللى أدرت التصوير هنا، دى المدرسة اللى أنا أسستها ..) النساء طرحن خلفهن مقولات تقلل منهن، أسقطن المقولة ( ناقصات عقل ودين) ، وأصبحن ترفضن تشبيهن بالوردات أو القارورات. هن نساء، إنسان كامل، ند للرجال إن لم يتفوقن عليهم فى كثير من الأحيان.
قائمة النساء اللواتي تعملن فى صناعة السينما وفى النقد السينمائي تتزايد يوما بعد يوم ، سيدات قديرات وشابات لامعات يشغلهن ما يشغل المجتمع من قضايا العدل والحرية والكرامة الإنسانية. تحصلن على الجوائز وتمثلن بلدها فى المحافل الدولية، تحققن مكانة دون الحاجة إلى ادعاء الجرأة ولا بالخروج عن المألوف. قطعت المرأة فى السينما المصرية شوطا كبيرا بين نموذج إيناس الدغيدي وبين نموذج هالة خليل، أثبتت فيه النساء جدارة كإنسان كامل قادر على مشاركة مجتمعه قضاياه وهمومه. أعادت نماذج مبدعات اليوم صورة جداتهن بهيجة حافظ وعزيزة أمير، إنجي أفلاطون وعطيات الأبنودي.  
تناولت الدغيدى فى أفلامها قضايا هامة مثل قضية المتاجرة فى النساء فى فيلم " لحم رخيص" ولكنها بأسلوبها كانت تنجرف دائما إلى قضايا فرعية ويبدو أن رغبتها فى تحقيق نجاح تجاري هو ما تضعه فى المقام الأول ، بينما نجحت هالة خليل منذ بداية أفلامها فى مناقشة خصوصية وضع المرأة ، عبرت عنه خلال تفاصيل العمل وخاصة فى فيلمها الأول الذى كتبت له السيناريو وسام سليمان" أحلى الأوقات "، وقد ظهر أسلوب هالة خليل فى الفيلم القصير " طيري يا طيارة " الذى أنتجه لها المركز القومي للسينما وفيه تركيز على تنشئة المجتمع والأسرة للفتاة بداية دخولها إلى مرحلة النضج الجنسي حين تأتيها الدورة الشهرية فيتم الضغط عليها بعدم الخروج، وتنتبه الأم إلى تحضيرها لمهام المرأة فتعلمها الطبخ وأسرار البيت، تتطاير الطماطم وهى تستعمل الخلاط لأول مرة، والفتاة متكدرة، يأمرها والدها بالبقاء فى البيت ثم ينحني ليقيم صلاته، تدوخ الخالة للحصول على حقها بعد الطلاق، تلعبان بطائرة ورقية حالمات بالحرية. بينما الدغيدى في فيلمها " الباحثات عن الحرية " تستغرق فى مشاهد مضغتها أفلام سابقة كثيرة بنفس الأسلوب الذي يسطح المفاهيم ويركز على لحظات الضعف لتأتي فقط الحكمة عبر جملة أو موقف نهائي. تسير بطلات " أحلى الأوقات " فى الطريق ويكون الأولاد فى الشارع يلعبون كرة القدم تصل إلى قدم البطلة الكرة فتلعب مع صاحبتيها لدقائق لعبة الرجال كرة القدم ويختفى ضجيج الشارع وتعلو موسيقى حالمة لتنهي المشهد. بشكل تعبيري نعم نستطيع وما المانع؟. القضايا وحدها لا تكفي ولكن المهم أسلوب عرضها وما تنتهي إليه، الفكرة عبر تناولها بأسلوب فنى دون أن تهتز رؤية المخرجة بل تستمر كما بدأت في طرح أفكارها عبر سرد مترابط نجحت فيه هالة خليل وجمعت فيه بين تقدير النقاد وإعجاب الجماهير.
تخيرت نموذجين فارقين فقط للتدليل على أن المرأة يمكنها تحقيق مشروعها السينمائي دون أن تلجأ بالضرورة لأمور من خارج العمل الفنى عبر تصريحات ساخنة أو صدام استعراضي ، بل عبر مواقف متسقة في الإيمان بضرورة التغيير وبالثورة الواجبة لتحسين شروط معيشة " نوارة" ومثيلاتها.    
صفاء الليثي
نشر المقال بالعدد الثاني من مجلة " بنت النيل " 
غير دورية يصدرها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي  
  

Saturday, 1 April 2017

متى نتخلص من عقدة مهرجان كان؟



متى نتخلص من عقدة مهرجان كان؟
تقام فى منتصف مايو الدورة السبعين لمهرجان كان السينمائى الدولي الذى مثل نموذجا يتم تقليده واتخاذه الشكل الوحيد لأي تظاهرة ممكنة أو محتملة فى بلدنا، السجادة الحمراء، والنجوم والتغطية الإعلامية الضخمة، برنامج أفلام روائية طويلة ثم تدخل معها التسجيلي ومسابقات موازية كثيرة يسمح بها كون كان ككل سوق سينمائي عريض لأفضل ما ينتج على مستوى العالم، يحضره الموزعون والمنتجون أصحاب وكالات الإعلان، مندوبي النجوم ، ويضم أيضا سوقا للفيلم القصير ونصف شهر المخرجين، عروض للصحافة وأخرى لصناع الفيلم من مختلف المهن، أكثر من مسابقة وأكثر من لجنة تحكيم، أركان لعرض وتوزيع منتجات الدول ، كل ذلك تحقق على مدى سنوات طوال في بلدة صغيرة أصبحت قبلة العالم في الربيع. ولكن مالنا نحن في مصر وهذا النموذج، هل لدينا سوق للفيلم فى مهرجاني القاهرة أو الإسكندرية، الأكبر والأقدم حتى نقلد مهرجان كان بكل تفاصيله؟ والمدهش أننا لم نكتف بهما بل يتكرر النموذج فى الأقصر وأسوان وشرم الشيخ، يبقى فقط مهرجان الإسماعيلية للفيلم التسجيلي والقصير النموذج الأقرب لما نحتاجه بدرجة ما، حيث يتم مراعاة أن تتضمن قائمة المشاركين مزيجا من صناع الفيلم التسجيلي ومن دارسي معاهد السينما مع النقاد والصحفيين المعروف عنهم متابعتهم لهذا النوع السينمائي، كما يكون هناك اهتمام بالندوات التي تقام مع صناع الأفلام عقب العروض وبترجمتها ليتم التواصل بين الحضور، وهناك تقليد راسخ أن تكون هناك ندوة عامة يخصص لها نصف يوم كامل تجهز أوراقها قبل انعقاد المهرجان فتكون أقرب إلى ندوة علمية وليس مجرد مكلمة لا طائل من ورائها. وإذا أضفنا إقامة ورشة لصناعة فيلم قصير كما حدث في عدد من السنوات يكون المهرجان قد حقق هدفه القادر على تحقيقه بالتفاعل بين صناع السينما من القدامى أصحاب الخبرة وبين شباب السينمائيين المحتاجين إلى تطوير خبرتهم عبر الورش المتخصصة. 
 نحتاج مؤتمرات للسينما وليس موالد بسجادة حمراء
نحتاج مؤتمرا سينمائيا يجتمع فيه صناع السينما، فيه يتناقشون ويتحاورون فى قضاياهم الفنية والإنتاجية، نحتاج ورش عمل متعددة فى كل فروع السينما صناعة ونقدا، ورش عمل ودورات تدريبية موسعة لشعبنا فى أسوان والأقصر وبورسعيد، في طنطا والبحيرة، نحتاج برنامجا يجذب الراغبين فى احتراف فنون الصورة ديجتال وسينما ليقبلوا ويتعلموا بدلا من جهودهم الذاتية التي يسفر عنها أعمال شديدة التواضع بالكاد يمكن أن تحتسب فيلما أو تدريبا مصورا. نحتاج حلقات بحث تنظم على غرار مؤتمرات ناجحة للآداب أقيمت على مدى سنوات وما زالت تقام فى فن الرواية والشعر . كتب الناقد أمير العمري مستهجنا أن يقام مهرجان بمدينة ليس بها سكان – كما قال – يقصد مدينة شرم الشيخ، فهل يحضر سكان الأقصر والإسماعيلية وأسوان المهرجانات التي تقام بها !، هل استطاع حين تولى المسئولية أن يجذب أهل الإسماعيلية ليحضروا عروض مهرجانها؟ ليست عروض شرم وحدها التي تخلوا من الجماهير بل كل مهرجانتنا لا يحضرها إلا الضيوف المدعوين، وحتى بعضهم لا يحضر بحجة أو بأخرى، منها الادعاء بأنهم شاهدوا الأفلام من قبل ، أو عدم ترجمتها إلى العربية كسبب يخجل الكثيرون من ذكره رغم جديته ومشروعيته أيضا .
إن صيغة المهرجان بالطريقة التي تكررت في عمومها لا تصلح مع جمهور لا يقبل إلا على الفيلم التجاري الناطق بلغته أو التجاري المترجم إلى لغته. بالإضافة إلى تحولات حدثت في الشخصية المصرية فرقتنا وجعلتنا شيعا ثقافية حتى بين الطائفة الواحدة، مجتمع زاوية له مريدوه، مجتمع الجيزويت له مريدون آخرون، كل مركز ثقافي له رواده ومتابعوه ، وكل مهرجان له قائمة تكاد تكون ثابته بضيوفه والمشاركين المدعوين من صناع الأفلام أو من الصحفيين . يحاول مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية المقامة حاليا دورته السادسة أن يجذب شباب الأقصر عبر ورش تعلم السينما، ولكن القاعات تبقى خالية ولا يتم التواصل مع المركز الثقافي بالأقصر لجلب رواده – إذا كان لهم رواد؟- والبديل أن يتم دعوة دارسي السينما من المعهد العالي للسينما التابع لأكاديمية الفنون، وأن تتعاون نقابة المهن السينمائية لتنظيم ما يشبه الرحلة العلمية للمشاهدة والبحث، مشكلتنا أننا في مصر نعمل دون تنسيق بين جهات مفترض أن لها مصلحة واحدة في رفع وعي الجماهير وتهيئتهم لتلقي أفلام مختلفة، ورفع درجة كفاءة وخبرة صناع الفيلم بإقامة ندوات يتم فيها العصف الذهني الذي يؤجج المشاعر ويدفع إلى حلول إنتاجية وأفكار فنية مبتكرة. كل تظاهرة ثقافية لها عدة أغراض ثقافية وعلمية وسياحية أيضا، الحركة بركة كما يقول أهلنا الطيبون، ولو كان مهرجان الشيخ أقيم فقط لغرض تنشيط السياحة لقلنا أي سياح هؤلاء القادمين فى رحلة مكثفة سيكون لديهم الوقت لمتابعة عروض تبعد عن أماكن تواجدهم، بدون تعاون من المحافظة ومن هيئة تنشيط السياحة ومن رجال الأعمال أنفسهم، ومع ذلك نجح جمال زايدة في التعاون مع بعضهم ممن قدموا دعما للمهرجان الوليد بشرم الشيخ الذى أرجوه أن يتحول إلى مؤتمر علمي موسع لصناع السينما ودارسيها والمتابعين لها ، فالسينما لا تقل عن الطب أو الهندسة، وقد آن الأوان كي ندرك أن صيغة السجادة الحمراء بنجومها وفساتينهم ليست الشكل المناسب لبلد به فن متعثر بعد أن كان يحقق الدخل القومي الثاني بعد القطن المصري دخلنا الأول.    
صفاء الليثي الهلال عدد ابريل 2017 رئيس التحرير سعد القرش

Thursday, 23 March 2017

قراءة لفيلم باب الوداع



سكون الفوتوغرافيا فى فيلم سينمائى

 صورتان فوتوغرافيتان تصنعان فيلما 
دون معرفة مسبقة سواء بإجراء حوار مع المخرج أو بالقراءة عن الفيلم أتصور أن المخرج المؤلف انطلق من صورتين فوتوغرافيتين واحدة لجدة وأم وطفل، والثانية صورة مقربة للجدة وهى شابة حيث تظهر عينانها الملونتان بوضوح. الصورة الأولى لأجيال ثلاثة تثير الفضول لمعرفة قصتهم، من هم وما هى حكايتهم. ما الذكريات التى تثيرها الصورة الفوتوغرافية التى ثبتت لحظة زمنية ستبقى خالدة تتعدد قراءتها من كافة الأطراف المشاركين بها ومن الناظرين إليها أيضا دون سابق معرفة. كل يستقبلها بحالة شعورية تتركها فى نفسه بين الحنين والفضول، مع ذاكرة باقية أو تلاشت واختفت تنعشها الصورة وتحضرها من الماضى. الغريب سيتساءل من هم وفى أى عام صورت؟ . يقوم الواحد منا بلمس الصور  القديمة ومسح التراب عنها ويسرح . هذا ما فعله كريم حنفى، قام بعمل مسح للصورة، اقترب منها بحركة كاميرا متأملة تظهر بدرجة من الاصفرار كالذى يحدث للصور مع الزمن، أزاله وأظهرها لنا بدرجات الأبيض والأسود، متدرجا فى بعضها حتى يصل إلى لون باهت يشتد كلما قويت الذاكرة. يحكى المخرج قصة الصورة ويفند شخوصها. الجدة وكأنها تحكى نفسها، الصبى وحكايات لا يعرفها غيره، الأم وحيدة، أين الرجل، الزوج ، الحبيب، لا يوجد فى حكايتنا سوى جدة وأم وصبى أحيانا يكون شابا. هذا القبر، قبر من، الأب الذى لم يظهر نهائيا، أم قبر الأم هلى ستسبق أمها الجدة إلى الرحيل، هل هذا قبر الشاب الذى كان صبيا يخاف دميته. من الذى مات؟ وهل هناك أهمية لمعرفة تفاصيل الحكاية؟. هل ماتوا جميعا والصورة تحكيهم الثلاثة. الصورة الأخرى للجدة شابة جميلة وسط الشموع، مرثية للجمال الذى تعبر عنه الصورة، هل ماتت شابة؟ وما هذا الفستان الأبيض؟ طقس مسيحى للدفن بأجمل الملابس مع ترتيل القرآن، مسلمة أم مسيحية التفاصيل لا تهم، الابنة أيضا تائهة فى المدافن بفستان العرس. طيف يلاحقنى لمشاهد من " الأبدية ويوم" لثيو أنجلوبولوس مع اختلاف فى مفردات الثقافة، شكل المقابر ، الكتابات العربية، مقام الشيخ وتلاوة القرآن.

هل طارد كابوس مخرجنا فنقله إلينا عبر فيلمه الخالى من الحوار، فقط تعليق من الصبى شابا يذكرنى بمومياء شادى عبد السلام، ليس نقلا إلى فيلمه الساكنة شخوصه فى تناغم مع حركة تتهادى معها كاميرا زكى عارف ناقلة إيقاع الحلم . وكل هذا الحنين لموتيفات الماضى راديو قديم، لمبة جاز، مفارش يدوية الصنع  وكنبة استانبولى. الكادر المنمق المتسق مع ثبات طباع كبار السن قام بتنسيقه المخرج بنفسه، غالبا ذاكرته احتفظت بترتيب الأشياء هكذا واختار أن يجلبها من الذاكرة ويوثقها على شريطه الخام. مرة أخرى صورة فوتوغرافية تصلح لبطاقة شخصية أو لأوراق رسمية تركها بالعيب الذى تركه الزمن، كان من الممكن أن يقوم بإجراء رتوش عليها وتجميلها ولكنه اختار الاحتفاظ بفعل الزمن عليها. ساعة واحدة عرض فيها حكاية الصورتين وثلاث دقائق للعناوين التى تسرد فريق عمل الفيلم. ساعة مضت دون حوار لتعبر عن لمحات من زمن ثلاثة من الناس يتملكهم الحزن المشوب بشجن دعمته المختارت الصوتية من الغناء الرفيع ومن التلاوة القرآنية لمدرسة التلاوة المصرية التى لا تضاهى.
 ذاكرة الصورة   
لقطة طويلة واحدة تصور الكاميرا فيها سيدة وطفل من الخلف حتى يصلان إلى مقبرة بنهاية المدافن.
عن بعد تظهر فتاة ينظر اليها الطفل فيطمئن. تضع السيدة التى تبدو مسنة نوعا الزهور على القبر قطع على الفتاة وكأنها تراقب ما يحدث. والانتقالات بين اللقطة العامة والمتوسطة، لا توجد لقطات قريبة حتى الآن.
قطع بالموسيقى للحن مميز للمستمع العربى السيدة بحجرتها ويستمر الغناء مستعرضا السيدة وامرأة شابة هنا يمكن استنتاج أننا نحكى عن جدة وسيدة شابة وطفل فى كادرات تنحو نحوالثبات تلعب الإضاءة مع التكوين دورا ملحوظا فى السرد. ( يا حبيبى الحقنى شوف اللى جرالى ) .
وحدتان مشهديتان خارجية فى المدافن وداخلية فى المنزل ، نتعرف منهما على الجدة (أمال الزهيرى) والابنة (سلوى خطاب ) الابن (..طفلا ، أحمد مجدى شابا) .  
الطفل عائد بحقيبة مدرسة يأخذ دمية من حجرته ويخفيها فى دولاب بالحائط، قطع على الطفل فى مرحلة الشباب ينظر من خلف الزجاج  ويكتب العنوان على الشاشة " باب الوداع" .
الابنة تصفف شعرها أمام المرآة ثم تقصه ( مشهد رديء التنفيذ لأنها تقص شعرا مستعارا واضح جدا ) فعل يتكرر كثيرا فى الأفلام يعبر عن ترمل المرأة أو بقائها وحيدة فى حياة تعيسة بدون رجل. يسمع صوت ارتطام فتنهض من سريرها فزعة، الصوت ينقلنا فى الزمن دون سلاسة بل باختزال مقصود.
الجدة جالسة على الكنبة الاستانبولى تعد القهوة بالسبرتاية ( موقد به فتيل يشتعل بنوع من الكحول الرخيص) وراديو قديم، مفرش من الكروشيه، صناعة يدوية لم يكن يخلو منها بيت مصرى. الخلفية الصوتية للمشهد على تلاوة قرآنية خارجة من الراديو، يربط الصوت مع شاب بجوار النافذة. عودة للجدة تعد عروس الرقية، بدون الصوت المصاحب الذى يتكرر فى أفلامنا القديمة، يفصلنى المشهد وأفكر فى هذه المثقفة التى تمارس طقسا شعبيا. لماذا شعرت أنها سيدة مثقفة واندهشت من طقس الرقية الصادر منها، ليس فقط لأن الممثلة التى اختارها كريم لأداء الدور مثقفة معروفة لى، بل لصمتها المريب وهدوءها، اللذان يكسران نمطية نموذج المرأة المصرية التى تجلس على كنبة بلدى وتعد القهوة لنفسها وتسمع راديو.

بحركة كاميرا نصل إلى سلوى تبكى ومنها على لوحة مكتوبة بالخط العربى الجميل، الشاب خلف النافذة والمطر بالخارج.الغناء يربط عناصر الصورة والوقت نهار. تفكيك الصورة إلى عناصرها فى مشاهد أقرب إلى حالة السكون، وكل فى حالة من التوحد وكأن الصورة التى جمعتهم لحظة وحيدة لم تتكرر.
ثم يأتى الليل .. الجدة وألبوم الصور. هذا هو لب الموضوع، ذاكرة الصور، والتقليب فى الألبوم، حركة الكاميرا الهادئة تسمح بأن تلتقط العين تكوينا ثابتا .. دوما .. بدلة العرس للعريس وفستان الزفاف الأبيض، لمذا تخرجهما الآن، تعلق البدلة على الشماعة وتملس عليها بحنو، تعلق الفستان خلف البدلة، تضاد الأبيض والأسود يلفت الانتباه، أشعر بأن ما تفعله طقس ليلى متكرر حيث لم يجد جديد، ونسمع (أعطر قلبى..) غناء له طابع صوفى شديد القدم من اسطوانة مشروخة، المرأة تتزين وترتدى حليها، وقد كشفت خزائنها، المشهد يتلون كاشفا عن عالمها الوحيد المختزل فى الكنبة وما خلفها. الغناء يستمر على الابنة تمشط شعر أمها، تصبغه. قطع على الصورة الفوتوغرافية ودمعة التقطها المصور وثبت الصورة، دمعة أضافها المخرج بإحساسه فقط فالصورة الأصلية عصية على الدمع. ومن الصورة الثابتة حيث أشعر أنه طقس الموت بشكل مختلف. فيما يبدو أنه مشهد الفيلم الفائق - الماستر سين- عند ق 33، قرآن مع طقوس دفن مسيحية فى حالة تخص المخرج ونسمع تعليق الشاب - هل هو المخرج نفسه- ( ابن أمى ابن خوف أمى ابن حزن أمى ) ثم مشهد الابنة أمام المرآة. الطفل يرفع الغطاء عنه شابا نائما كميت ثم اختفاء تدريجى للصورة. ومن تنويعات على الصورة الفوتوغرافية، نعم ماتت الجدة يقينا، ها هو فنجانها مقلوبا، والزمن وصل إلى 42 ق. مسح على آية قرأنية .. ألتفت الى لمبة الجازوأتساءل ما الذى تفعله هنا. الابنة بفستان الفرح، هل ماتت هى الأخرى 45 ق والمشهد يستعرض المنزل الجميل بطرازه الأوربى.
مشهد لسلوى خطاب – الابنة- فى القبور، نعيق غراب وما يثيره من ارتباط تراثى بالموت. تقابل الملاك الحارس والصورة نهارية يغلب عليها درجات اللون الأخضر. وصلنا إلى  ق 50.
مشهد فى المقابر حيث نسوة فى زيارة للقبور، عناصر مرتبة من الصور الفتوغرافية والشموع وبقايا أثر لحياة، مشهد يذكرنى بالتعبير عن مأساة ضرب مدرسة بحر البقر من فيلم المخرج محمد راضى العمر لحظة. ليست هناك قطيعة مع الماضى. والدلالات تكاد تكون تقليدية صوتا وصورة. مرت على بأفلام سابقة مصرية وأجنبية.
أغلب الانتقالات عبر الاختفاء التدريجى أو باستمرار الصوت الذى يربط بين عدة مشاهد فى حالة شعورية واحدة. وعودة إلى التعليق عند ق 55، والدنيا تلونت، المخرج ومصوره يلعبان بعناصر الصورة، استخدام الديكور وأبوابه ونوافذه لتنويع مصادر الضوء والجمع بين زمنين فى لقطة واحدة ، مطاردة بين الطفل الذى يظهر للشاب كالنداهة ويدعوه لتتبعه. حيث الخروج للنهار واهداء مكتوب إلى حزن أمى وتنزل العناوين.
مونتاج أمير أحمد وعلاء الكاشف ، تصوير زكى عارف .
تبقى الصورة أهم ما يميز " باب الوداع " صورة أنارها زكى عارف وتلاعب فى المونتاج مع المونتيرين أمير وعلاء ليحقق التنوع اللونى الذى يتغير من الأبيض والأسود إلى السيبيا إلى الألوان. جائزة أفضل تصوير حصل عليها الفيلم الذى اهتم فيه مخرجه بالصورة وغناها على حساب الدراما التى بدت فقيرة تدور حول فكرة الموت، حتما سيأتى آخذا معه حياة لم نلمسها إلا من خلال آثارها الباقية.
لم يكن الاحتفاء بالفوتوغرافيا فى الفيلم فقط بسبب وجود ألبوم الصور مع الجدة بل بتفضيل جماليات السكون فى فيلم اعتمد الثبات مما يذكرنى بمقولة للمخرج وودى آلان : " أنا برغم كونى مخرج سينمائى لا أحرك الكاميرا دون سبب ليقال عنى أنى مخرج موفى بكتشرز".   
ما يقال عن فن السينما يقال مثله عن الفوتوغرافيا، السينما فن وتجارة وصناعة، و الفوتوغرافيا فن وعلم . فن الصورة يعتمد بشكل أساسى على عنصرى التكوين والإضاءة، مع السينما يضاف عنصر الحركة فى الكادر(الميزانسين) إلى العنصرين السابقين. فى الصورة الثابتة هناك ايقاع داخلى يشكله درجات الظل والنور فيها، بينما يبرز إيقاع الصورة السينمائية من حركة عناصرها داخل الكادر ومن زمن عرضها الذى يحدده المخرج ومساعديه. بينما يكون من يشاهد صورة ثابتة حرا فى التفاعل مع إيقاع الصورة ويختلف عندها من مشاهد إلى آخر. بينما تتلاحق الصور فى الفيلم السينمائى لتشكل إيقاعا عاما تكون درجة إحساس المشاهدين به أكثر تقاربا من مثيله فى الصورة الثابتة. الفيلم السينمائى مركب من الصورة والصوت على عكس الصورة الفوتوغرافية الصامتة تماما فلا كلام ولا موسيقى ولا مؤثر صوتى. يلجأ بعض الفنانين التشكيليين إلى إذاعة موسيقى مع لوحاته التشكيلية ودافعه مساعدة المتلقى على استقبال العمل ولكننى أجدها حيلة  لا يلجأ إليها إلا الضعفاء غير الواثقين من قوة وسيطهم الفنى. الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية فنا صامتا ولكن سكونه قد يخلق ضجيجا من المشاعر يفوق ضجيج شريط الصوت المضاف للسينما.
هل الفوتوغرافيا فن؟
يسمى تاركوفسكى العظيم الفيلم بأنه نحت فى الزمن،والتعريف الشائع للسينما بأنها الفن السابع لا يشكك أحد أبدا فى أن الفيلم السينمائى عمل فنى، بينما السؤال مازال مطروحا هل الفوتوغرافيا فن؟ وأكثر ما يشكك فى الأمر سهولة استنساخ أصل الصورة لأعداد هائلة من المرات ويصبح لدينا نسخا لا نهائية من العمل _ الصورة الفوتوغرافية- خلاف للوحة رسمها فنان بالفرشة والألوان. ولكن ألا تستنسخ المنحوتات وتظل النسخ حاملة صفات وجمال العمل الأصلى؟ وقبل أن نتوه أليس الفيلم السينمائى عملا ابداعيا يمكن طباعة آلاف النسخ منه وتبقى قيمته كالأصل تماما . إذن لننحى جانبا فرضية أن الفن نسخة وحيدة غير قابلة للتكرار أو الاستنساخ، وقبل أن نصل إلى إجابة السؤال علينا قبلا أن نعرف ما هو الفن؟
 كتب تولستوي فى كتابه (ما هو الفن؟). أوضح فيه أن الفن ينبغي أن يُوجِّه الناس أخلاقيًا، وأن يعمل على تحسين أوضاعهم، ولابد أن يكون الفن بسيطًا يخاطب عامة الناس. بالطبع هذا اختصار قد يكون مخلا بما عبر عنه فى كتابه الذى يسرد نظريات علم الجمال قبل أن ينتهى إلى تعريفه للفن. الفن يعكس الجمال، هدف الفن هو الجمال ، وهو وسيلة تواصل ضرورية بين الناس لصالح تطور الإنسانية نحو الأفضل. الفن وسيلة توحد الناس فى أحاسيس واحدة. بهذا التعريف البسيط يرفض تولستوى دعاوى الفن للفن، وكذا فن النخبة، ويرى الفن الحقيقى قادرا على الوصول إلى أبسط الناس ثقافة.
صفاء الليثى
نشر بالعدد التاسع من مجلة الفيلم ديسمبر 2016 سامح سامي وحسن شعراوي
.


Tuesday, 21 March 2017

بين علي معزة وابراهيم المصري و زولوجي الروسي



الواقع الذي تجاوز الخيال

في إطار مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوربية استمتعت بمجموعة أفلام المسابقة الطويلة المشاركة كلها إذ تمكن المخرج والناقد أحمد حسونة المدير الفني للمهرجان من اختيار أفلام جيدة جدا فى مجملها ساعده على ذلك عدم التقيد بشروط تكبل اختيارات الناقد الكبير يوسف شريف رزق الله لمهرجان القاهرة حيث تشترط لائحته ألا يكون الفيلم المشارك بالمسابقة قد شارك أحد المهرجانات الكبرى الخمسة عشر في الاتحاد الدولي للمهرجانات، وباعتبار القاهرة مهرجانا دوليا كبيرا فلا يمكن أن يقبل ضمن مسابقته فيلما عرض بمنطقة الشرق الأوسط أو بأي من مهرجاناتها كدبي ومراكش، كما يشترط ألا يكون قد عرض تجاريا بمصر . وكلها شروط تحرر منها المهرجان الوليد بشرم الشيخ فكانت أفلام مسابقته قوية ومتنوعة. 
علي معزة وابراهيم فيلم عصي على التصنيف 
منها الفيلم المصري " علي معزة وابراهيم " وهو فيلم عصي على التصنيف تزامن عرضه تجاريا مع عرضه بالمهرجان. يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي لضابط بوليس يقبض على سائقي ميكروباس متهالك مما تعج بهم القاهرة للاشتباه في استخدام دبدوب الفلانتين في تهريب المخدرات ،لا يلتفت الضابط وقوة أمنه إلى حادث اختطاف أنثى في سيارة متهالكة أيضا ولا إلى صراخها ويصر على تمزيق الدبدوب الذي يتبين في النهاية براءته من التهريب. الدبدوب هدية من علي إلى خطيبته ندى ،المعزة ، وسنعرف قرب نهاية الفيلم سبب تعلقه بها بديلا عن خطيبته التي سقطت في النيل بينما يبثها غرامه على الكوبري الذي فتح فجأة، وبعد رحلة طريق في أنحاء المحروسة مع ابراهيم الذي يسمع أصواتا، واختفاء ندى المتكررر ثم عودتها، تظهر ندى في منام أهل الحي. يقدم لنا السيناريست أحمد عامر والمخرج شريف البنداري مشهدا يذكرني بروح ثورة 25 يناير حيث يقام تمثال للمعزة ندى ويكتب على الحو ائط نداءات ..عودي يا ندى.
بين المشهد الواقعي اليومي والعبثي أيضا، وبين مشهد رومانسي ثوري يقع الفيلم الطويل الأول للمخرج شريف البنداري، يستسهل الواحد منا فيسميه فانتازيا وهو توصيف متعسف أجده عجزا منا نحن نقاد السينما عن تصنيف عمل لا يقدم الواقعية التقليدية ولا الرومانسية الغنائية ولا أفلام الأكشن الجادة أوالكوميدية فنقول فانتزيا، من الفانتزاي بمعنى الخيال. وهل العمل الفني أمر آخر سوى خيال لصناعه ؟ بعض مشاهد الفيلم مستمدة من الواقع ومتقيدة بتفاصيله، وبعضها ينطلق في حلم يقظة كبير فيصارع الأشرار بروح صبي تربى على مغامرات جرانديزر في المشهد الذي ظهر فيه ابراهيم مع معدات اخترعها لإثارة أصوات تؤدي إلى شل البلطجية وإحداث ما يشبه الجنون الحركي لهم ، ابتسمت سعيدة بظهور أحمد مجدي في دور ابراهيم وقد تفتق ذهنه عن هذا الاختراع الصبياني لينقذ صديق الطريق علي معزة من مجموعة الأشرار، طفولة المخرج التي بدت في الفيلم عبر مجموعة من الحلول أكدها بكاؤه وهو يعتذر لجمهور مهرجان شرم الشيخ عن سوء النسخة التي بدأت في التوقف والتعثر فى الثلث الأخير من الفيلم ، باستثناء المقدمة والنهاية سار الفيلم ببطليه عبر رحلة لثلاثة مسطحات مائية البحر المتوسط في الاسكندرية، البحر الأحمر في سيناء ثم نهر النيل بالقاهرة في نهاية الرحلة، ومع ذلك لا يمكن تصنيف الفيلم أيضا بأنه فيلم من نوعية أفلام الطريق، إذ لاينطبق عليه حرفيا ملامح هذا النوع ، فالرحلة لم تحتل زمن الفيلم كله ولم يعد البطلان من الرحلة وقد تغير بهما أمر هام بل حدث التغير في نفس مكان انطلاقهما من عشوائيات القاهرة وعلاقات شعبها. وكما القصص الشعبي وجدا الحل ليس في المكان الذي سافرا إليه بل فى موقعه الذى انطلقا منه. 
كتب قصة الفيلم المخرج الذي دشن حركة السينما المستقلة في مصر وفعل كما فعل محمد خان حين ترك قصة سواق الأتوبيس إلى عاطف الطيب وقد وجد أنها مناسبة له أكثر. وإن كنت أعتقد أن البطوط اهتم أكثر بأن تخرج الفكرة إلى النور فتركها لمخرج آخر قد يرضى به المنتجون، تحمس حسام علوان للفكرة فأنتجها مع محمد حفظي الذى عوض غياب حسين القلا عن الإنتاج وأصبح المساند الأول لتجارب مخرجين جدد، وبمساندته لشريف البنداري اكتسبت السينما المصرية مخرجا جديدا يضخ فى صناعته دماء جديدة. 
أثناء عملي في مونتاج فيلم " ثلاثة على الطريق" مع المخرج محمد كامل القليوبي عام 1993، كانت أزمة فيلم " الأفوكاتو" لرأفت الميهي ما زالت حاضرة في الأذهان، القليوبي شرح لي أنهم استدعوا إلى الشهادة بالمحكمة أستاذ مادة السيناريو د. يحى عزمي حيث أن دفاع المخرج المؤلف – المتهم – رأفت الميهي قد نفى صلة فيلم موكله بالواقع وعليه تسقط القضية التي رفعها المحامي مرتضى منصور ، وقد بنى شهرته على رفع القضايا على الفنانين، شهد د. يحى عزمى بأن الفيلم من نوع الفانتزيا الذي لا يمت للواقع بصلة. ومن يومها انتشر هذا التعريف الذي يمكن تطبيقه على أي عمل به ابتكار ولا يطابق الواقعية الكلاسيكية، يضحك القليوبي ويؤكد – مفيش حاجة اسمها فانتازيا- وأنا معه تطبيقا على فيلم "علي معزة " فالواقع كما يقول الشباب في بلادنا هذه الأيام- الواقع فشح الخيال- مستشهدين بأمثلة غير متناهية عن حوادث وأشخاص وحكايات واقعية ، حدثت بالفعل تتجاوز كل خيال فني قدمه إنسان في الماضي أو الحاضر. كما أن كل عمل فني به من الخيال ، الفانتزاي ، ما يجعله جديرا بأن يصنف كعمل فني. 
 زولوجي ورفض التنوع والاختلاف
تعبير الفانتزيا أطلق أيضا على الفيلم الروسى، الفرنسي الألماني المشترك " زولوجي" عن فتاة مرفوضة من مجتمعها، ناتاشا وهي سيدة في منتصف العمر تعمل في حديقة الحيوان، وتعيش مع أمها في بلدة ساحلية صغيرة. تشعر أنها عالقة في الحياة التي ﻻ تحمل لها آي مفاجآت، حتى ينمو لها ذيل في يوم من الأيام، ذيلا غليظا يشبه زلومة الفيل. لجأ المخرج بفكرة زولوجي إلى تجسيد الاختلاف بشكل عضوي محدد لمناقشة التعصب، المخرج يركز تماما على بطلته وعلى حكايتها ومأساتها دون الدخول في موضوعات فرعية ودون أن يشاركها البطولة أحد غيرها، حقيقة وجود بعض الأشخاص يولدون ولهم بقايا ذيل يعانون منه، حقيقة علمية معروفة، ولكنها ليست بالحجم الذي جسده  المخرج ايفان تفردوسكي، وهو هنا يقصد تجسيد الاختلاف في أوضح صوره لينتقد عنصرية البشر وعدم قبولهم من يختلف عنهم. تجسيد الذيل مكنه من طرح أفكار عادت إلى الناس مع التوجه اليميني الذي يجتاح العالم فنجد الناس يتصورون أن هناك شيطانا يتجسد في صورة إنسان ولكن له ذيل ووجوده يمثل نوعا من اللعنة حلت على البلدة . يعرض المخرج أيضا لدجل معاصر يسمى العلاج بالطاقة أو التنمية البشرية، ويجعل بطلته والممرض الذى صادقها يسخران من هذا الدجل المعاصر، كوميديا ثقيلة أفضل عدم تسميتها بالسوداء لابتذال المصطلح، بل هي نوع من الكوميديا الغليظة، يضعنا المخرج بها أمام أنفسنا ويفضح بذور التعصب داخل كل منا. ويأتي الحل قاسيا أيضا حين تقرر الفتاة ناتاشا أن تضع سكينا حادا بين عوراض كرسي خشبي لتقطع بنفسها الذيل، الذي ينفر منها الآخرين، وينتهي الفيلم. الفتاة كانت طبيعية وتعيش وحيدة مع والدتها ، ومع مرور الأيام ينمو لها ذيل. فتقوقع أكثر وتصبح مصدرا للسخرية. تصورت بما يغلبني من رغبة ساذجة فى انتصار الخير أن ظهور الرجل المحب في حياتها سيذيب الذيل وكأنه لم يكن، مثل حكاية الأطفال – والت ديزني – الجميلة والوحش حيث يتحول المسخ إلى شاب جميل عندما تحبه فتاة جميلة، ولكن المخرج وهو نفسه المؤلف ومن قام بالمونتاج أيضا لا يسلينا بحكاية خرافية بل يصدمنا بقسوة.
مشاعر متضاربة تلقينا بها الفيلم بين الإعجاب بوحدته العضوية وعناصره الفنية المصاغة ببراعة وبساطة وبين  شعور بقشعريرة من قبح ذيل ضخم كهذا على فتاة لم تتزوج .
 فيلم " زولوجي " كما " علي معزة وابراهيم" مرجعيتهما من القصص الشعبي والحكايات المتواترة، ولكن الفيلم الروسي أوصل رسالته عبر سينما مباشرة واضحة لا تحتاج شرحا أو تفسيرا كالذي لجأ إليه أحمد عامر كاتب " على معزة وابراهيم" ليبرر لنا سبب تعلق الشاب بمعزته واتخاذها خطيبة كما بنات جنسه.
يتشابه مخرجنا المصري مع المخرج الروسي فى مسيرته المهنية والخلاف فقط أن الروسي أصغر بعشر سنوات حيث نعاني في مصر من صعوبة حصول الشباب على فرصة إلا بعد مرور سنوات. ايفان تفردوسكي قدم عددا من الأفلام القصيرة الناجحة بعد تخرجه من معهد السينما تماما كما البنداري وكلاهما حصل على العديد من الجوائز قبل أن يخرج الروسي عمله الأول والثاني هذا ، وقبل أن يخرج البنداري عمله الطويل الأول، هدف كل مخرج فى مصر مهما قدم من أعمال قصيرة من قبل.
                                                                                                        صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 21 مارس 2017 رئيس التحرير سيد محمود