Tuesday, 24 May 2016

د. محجوب عمر

خدام اللطافة محجوب عمر
ودور المجتمع الأهلى فى حفظ الذاكرة


يهتم النشاط الأهلى بالتوثيق عبر أفلام وثائقية تنتجها جهات غير هادفة للربح أو شركات خاصة لا تضع الربح السريع ضمن أهدافها، عرض مؤخرا وثائقى بعنوان " خدام اللطافة" ومنه يظهر التوجه الذى قدمته الروائية العراقية إنعام كجة عن المناضل المصرى الفلسطينى محجوب عمر. فى مكان ازدحم عن آخره بغالبية ممن يعرفون الطبيب المناضل وبعض ممن يهمهم الشأن العام والشأن السياسى، وبعد كثير من مقدمات وتنويهات لأعمال أنتجتها  أو تبنت توزيعها " دال" و هو مركز لللأبحاث اسمه مستوحى من الحرف العربى – د-  رمز الدلالة والإرشاد. دال هو مفهوم فريد من نوعه يجمع حلول كلا من البحوث ووسائل الإعلام تحت سقف واحد. يستهدف المركز المساهمة  فى صناعة نموذج مجتمعى حضارى يقوم على المعرفة العلمية فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية  والثقافية، ومواجهة وتعرية الفكر الظلامى أيا كانت مصادره وتوجهاته، ويتضح هذا التوجه من الأعمال التى اهتم المركز بتداولها مثل فيلم " عن اليهود فى مصر " للمخرج أمير رمسيس.
عرض الفيلم وسط استقبال دافيء وحميم أشاعه كلمات من التقت بهم المخرجة من أصدقاء الراحل.  ركزت الفنانة على كل ما هو إنسانى وطريف فى شخصيته وينتهى الفيلم بعد حوالى ساعة دون أن نعرف تماما ما هو الدور الحقيقى الذى قام به د. محجوب عمر الذى يعرفه أصدقاؤه فقط بمحجوب والذى أضاف اسم عمر وهو اسم والد صديقه الحميم ليكون اسم شهرته وتوارى اسم مولده رؤوف عبد الملاك المولود لأسرة مسيحية فى صعيد مصر وبهذا يكون معبرا عما قالته الشاهدة الشيعية بالفيلم أنه كان مسيحيا مع المسلمين ومسلما مع المسيحيين . وإذا كان الفيلم لم يغطى صفحات من نضاله إلا أننا نشعر به حيا بيننا مع أجواء اليسار وقد صحبتنا أغنية الشيخ إمام " الخط  ده خطى والكلمة دى ليا " وعبر أشعار بالعامية المصرية للمُكرم نفسه نسمعها بأدائه المعبر، نعم المُكرم فالعمل أقرب ما يكون إلى محاولة تكريم مناضل حى فى ذاكرة
زملائه ورفاقه وكل من تعامل معه سجلت معهم المخرجة لقاءات فى القاهرة وبيروت  وعمان، مجهود كبير بذلته الروائية إنعام كاجى جى جعلتنا نتعرف على الشخصية من خلال عمل حميم ينقصه بعض الاتقان على مستوى حرفة السينما ، فالصورة مهتزة فى عدد لا بأس به من المشاهد، وعدم نقاء الصوت  ووضوحه سبب  جانبا من عدم مفهوم فحواه ، وعدد آخر من المشاكل التقنية التى يمكن تجاوزها وإصلاحها فى مرحلة ما بعد التصوير إذا توفرت الإمكانيات لذلك حتى لا تهدر هذه الوثائق التى جمعت فى أكثر من بلد عربى وهذه اللقاءات وثائق هامة لعدد من كبار السن ممن قابلتهم المخرجة لعمل الفيلم . من تقديمها للعرض فهمنا أنها اعتمدت على دراسة لمناضل آخر هو د. إيمان يحى الذى كتب بحثا مطولا عن د. محجوب عمر كان ملهما ومحفزا للمخرجة – وهى غير المحترفة-  لتتحمس وتنجز فيلمها الوثائقى الثانى ونجحت فى خلق تركيبة من اللقاءات والوثائق من الصور مع لقطات حية للقاهرة الآن توافقت مع غناء الشيخ إمام وأشعار "صاحب اللطافة" فى عمل يحتاج فقط إلى علاج لبعض المشاكل التقنية  ليبقى وثيقة هامة عن ذاكرة وطن ليس مصر فقط ولا فلسطين فقط بل (ذاكرة عربية خصبة) باقية فى الأذهان .
مخرجة الفيلم  صحفية و روائية عراقية ولدت في بغداد عام 1952 وفي جامعتها درست الصحافة. عملت فى الصحافة والراديو العراقية قبل انتقالها إلى باريس لتكمل أطروحة الدكتوراة في جامعة السوربون. تشتغل حاليا مراسلة لعدد من المطبوعات العربية. نشرت إنعام كجه جي كتابا في السيرة بعنوان "لورنا" عن المراسلة البريطانية لورنا هيلز التي كانت متزوجة من النحات والرسام العراقي الرائد جواد سليم. كما نشرت كتابا بالفرنسية عن الأدب الذي كتبته العراقيات في سنوات المحنة والحروب. في عام 2004 أعدت وأخرجت فيلماً وثائقياً عن الدكتورة نزيهة الدليمي، التى أصبحت وزيرة عام 1959. للمخرجة عدد من الروايات "سواقي القلوب" (2005) و"الحفيدة الأميركية" (2008) التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009 وصدرت بالإنجليزية والفرنسية والصينية. وهى فى توجهها لإنجاز أفلام وثائقية تعبر عن مقولتها " ذاكرتى هى نصيبى الأعظم من وطن يطرد أبناءه " ولا شك أنها مكسب يضاف إلى مبدعى الفيلم التسجيلى فى الوطن العربى الذين يخدمون مجتمعاتهم  وأوطانهم من خلال توثيق  ذاكرة أبنائه الأحياء دوما فى أوطانهم بما قدموه لشعوبهم وإخوانهم. كهذا الفيلم الهام عن مناضل يسارى آمن بالقومية العربية.
كما نحتاج إلى مبدعين يحفظون ذاكرة الوطن نحتاج إلى مؤسسات أهلية مثل  "دال"  بتركيبته الطموح  لتعوض جانبا من تناقص التظاهرات السينمائية الثقافية التى يلتف حولها سياسيون ومثقفون تثير شجونهم لاستعادة ما يعرفونه ولتعريف الأجيال الشابة بما فعله مناضلون فى قامة محجوب عمر.
                                                       صفاء الليثى

نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 24 مايو 2016 رئيس التحرير سيد محمود 

محمد عاطف مدير مهرجان الإسماعيلية 18

الرجل الثانى  مدير المهرجان
محمد عاطف مع أعضاء لجنة التحكيم منهم الناقدعصام زكريا 
حصل الناقد الشاب محمد عاطف على فرصة ثانية لإدارة مهرجان الإسماعيلية السينمائى الدولى للسينما التسجيلية والقصيرة، المهرجان الوحيد الذى ينظمه المركز القومى للسينما ، الفرصة الأولى جاءته من مؤسسة نون للثقافة والفنون محمد كامل القليوبى ومجموعته ليكون المدير الفنى لمهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوربية ولكن مع تحويله إلى مهرجان للسينما العربية والأوربية فى الدورة  التى رأستها الناقدة ماجدة موريس ، تلك الدورة التى شابها قدر من سوء التنظيم ، واحتار المتابعون فى تحديد المسئول عن الخلل هل هى السيدة الأولى رئيسة المهرجان أم الرجل الثانى مدير المهرجان، عن نفسى تحليت بالصمت فهما صديقاى ومصرنا الغالية تمر بفترة صعبة يصبح من الضرورى تحية أى جهد مهما كان متواضعا، ومع الفرصة الثانية تحسن الموقف كثيرا مع محمد عاطف إذ خرجت الدورة بشكل منظم وحفلت بأفلام هامة وجيدة وشهدت نظاما للعروض لا تشوبه شائبة اللهم إلا تداخل الفعاليات بشكل جعل الإلمام بكل ما يحويه المهرجان من عروض وندوات وفعاليات مصاحبة أمرا صعبا، كان لابد من التضحية مثلا بمجموعة أفلام لألحق ندوة أجدها من الأهمية بحيث لا يجب أن تفوتنى، ولما كان مقام الإقامة مريحا ووسائل الانتقال حاضرة فى الموعد تمكنت من الإلمام بجانب كبير من المهرجان  الأمر الذى يسعى إليه كل مشارك وخاصة من السينمائيين الذين ارتبطوا بالمهرجان المتخصص الأكبر والأهم للسينما التسجيلية والقصيرة ومنهم شيخ النقاد أحمد الحضرى والمخرجين هام النحاس وعلى الغزولى والمخرجة فريال كامل ، بالإضافة إلى المكرمين الرائعين سمير عوف محمود عبد السميع وسعيد شيمى. حرص لمهرجان على دعوتهم مع الشباب من صحفيين ونقاد جدد وصناع أفلام، من المسئول عن الدعوات، هل الرئس أم المدير؟  المهم أن الإدارة بقيادتيها نجحت فى الحفاظ على نسيج المهرجان الذى يمتزج فيه الكبار والشباب ويتفاعلون، يختلفون أو يتفقون حول الأفلام وندواتها المصاحبة.
يحتل منصب مدير المهرجان المكانة الأهم فى أغلب مهرجانات الدنيا كما الحال مع المؤسسات السينمائية الهامة فنحن نعرف السيد كلاوس إدر السكرتير العام لاتحاد الصحافة السينمائية الدولية الفيبريسي ولا يعلق بذهننا اسم الرئيس ويبقى إدر رمزا للفيبريسى مؤديا الدور الأكثر تأثيرا ، فى مصر دائما يشغلنا البحث عن الرئيس واسمه دون التأكد من حقيقة دوره والأرجح أنه دور شرفى وإشرافى على الأمور المالية والتنظيمية، هو الذى يملك كما يقول الأجانب سلطة التعيين والرفت "هاير آند فاير" معتمدا قرارات المدير الذى يشرف ويقوم بكافة التفاصيل الفنية والإدارية للعمل وهنا أعنى المهرجان العريق للسينما التسجيلية والقصيرة الذى ارتبط بمدينة الإسماعيلية وبالتالى لرجلها الأول المحافظ الذى يتغير كل عدة سنوات كما يتغير رئيس المركز القومى للسينما وبالتالى رئيس المهرجان الذى يغير بدوره ذراعه اليمنى المكونة ليس فقط من مدير المهرجان بل من فريق عمل من موظفى المركز القومى للسينما بعضه امتلك الخبرة والبعض الآخر تواجد بالترقية الدورية فيحرص على إرضاء رئيسه حتى لو جار على الرجل الثانى الذى يأتى غالبا من خارج المركز بما يملكه من خبرة فى شئون المهرجانات وبرمجة الأفلام والقدرة على انتقاء الأفلام كما هو الحال مع الناقد محمد عاطف الذى اكتسب بسرعة خبرة إدارة مهرجان كبير ونجح فى المحافظة على مكوناته الأساسية دون نقصان ودون زيادة كنت أطمح فيها بجذب أهل الإسماعيلية لمتابعة عروض المهرجان وندواته، تبقى هذه حجر العثرة أمام كل مسئول للمهرجان والعقبة الأكبر نحو تحقيق أهدافه بنشر الثقافة السينمائية الرفيعة من خلال مشاهدة أفلام المعرفة والسينما الراقية فى التسجيلى والقصير. ولا حل لمشكلة الصراع المتكرر بين القيادة العليا المسنودة بوضعها الوظيفى وهنا أقصد د. أحمد عواض وبين القيادة التالية المسنودة فقط بما تملكه من موهبة امتلاك المعرفة السينمائية والقدرة على نقد الأفلام والحكم عليها كما فى حالة الناقد الشاب محمد عاطف. ويلزم تحديد اختصاصات كل من الرئيس والمدير حتى لا يعتدى أحدهما على اختصاصات الآخر أو يلغيها، وأن يثبت كل ذلك فى أوراق المهرجان، لائحته العامة وعقد التكليف الموقع بين الطرفين، والأهم أن يكون هناك اتفاق مباديء يتفق فيه الطرفان على احترام كل منهما لدور الآخر وتقدير دوره وبالتالى تنتفى محاولة إلغاء جهده أو التقليل منه. المؤسسات والمصالح وحتى الدول الحديثة لا تسير أمورها بعاهل وحيد، بل تقوم على عمل جماعى يحترم فيه أكبر رأس معاونيه بعد أن يكون قد أحسن اختيارهم . وسواء كان محمد عاطف من اختيار د. أحمد عواض أو رشح له من جهة ما يظل التفاهم بينهما  والمحافظة على بناء جسور من الثقة العامل الرئيس لنجاح المهرجان.
صفاء الليثى  

نشر بجريدة الجمهورية الأربعاء 16 مايو 2016 مشرف الصفحة حسام حافظ 

Monday, 9 May 2016

عودة الروح لمهرجان الإسماعيلية 18


تشابك العروض والندوات والورش


يظل مهرجان الإسماعيلية بالنسبة لعدد من السينمائيين المصريين المهرجان الأهم والأفضل والأكثر تنظيما من بين كل المهرجانات المصرية لطبيعة تخصصه لأفلام نشتاق إليها وللمدينة الرائعة التى يقام بها ولتنظيمه المباشر من المركز القومى للسينما آخر صروح المؤسسات السينمائية الحكومية فى مصر . أعاد المخرج أحمد عواض للمهرجان روحه وحيويته التى اهتزت قليلا فى السنوات الماضية ما بعد ثورة 25 يناير 2011 ومع تقلب الرؤساء والإدارات.
بدأت عروض اليوم الأول بفيلم تسجيليى طويل " ك 2 الحالمون المهمشون" من إنتاج البرازيل والولايات المتحدة وباكستان ، اختار مخرجه  زاوية جديدة للتعامل مع رياضة تسلق الجبال بالتركيز على الحمالون من أبناء باكستان  الذين اختاروا المهنة الصعبة لكسب العيش والإنفاق على أطفالهم. الصورة البديعة التى سجلت لحظات هامة فى حياة الحالمين وهم يخبزون العيش ويغنون ويصلون ، وسمعنا حكايات عن كيف يتعلمون ويتطورون ليرتقوا فى مهنتهم،  الصورة مبهرة  طالت اللقطات أحيانا فلم نفتقد التكوينات الرائعة للصورة ومحتواها الإنسانى البديع، الفيلم يصلح لمناقشة محور الندوة  التخصصية بالمهرجان حول الفارق بين الفيلم التسجيلى بين الواقع التقريرى والجماليات السينمائية ، وهكذا تتشابك عروض الأفلام مع موضوعات الندوات ومحاورها العامة والخاصة، فيحقق المهرجان هدفه بتحوله إلى مؤتمر علمى تطرح فيه قضايا الفيلم التسجيلى والقصير والتحريك وتدور نقاشات بين المبدعين والصحفيين والنقاد، نختلف ونتفق لصالح فن السينما الهادفة التسجيلية والقصيرة.

ضم قسم الأفلام التسجيلية الطويلة عشرة أفلام عبرت فى مجموعها عن اهتمامات العالم فى السنوات الأخيرة قضية مذابح الأرمن فى تركيا فى طرق حجرية  استحق جائزة لجنة التحكيم الخاصة من اللجنة الرسمية برئاسة المخرجة والممثلة من جورجيا نينو كيرتادزى والتى أعربت عن سعادتها بالتواجد فى بلد امتلك حضارة عريقة وفى مهرجان حفل بثمانين فيلما يتناول قضايا الحرية ويعبر عن مشاعر البشر فى مختلف الأنحاء ، كما رأينا مشاكل المجتمع الفقير فى الدومينيكان فى  الفيلم الساحر خيال كاريبى وهو واحد من أفضل أفلام المهرجان بتعبيره الجمالى باستخدام إمكانيات تصوير محدودة نجح المونتير الشاب الذى صاغ الفيلم فى صياغتها بإيقاع فنى جذب المشاهدين، استمتع المونتير مع زملائه ممن رحبوا بالحضور بزيارة الأهرامات وبالتفاعل مع شباب السينمائيين المصريين والعرب . شاهدنا أيضا فيلما هاما عن اغتصاب النساء فى أفريقيا وخاصة كسلاح بين المتحاربين وجهود الإصلاح التى قام بها طبيب  حاز جائزة دولية هامة عن هذا الجهد . شهادة الزعيم المعارض اللبنانى كمال جنبلاط في فيلم هادى زكاك وحصل على شهادة تقدير، شهادات رجال المقاومة ضد الفاشية والنازية  فى " لن يمروا"، ظاهرة قيادة الصبية لعربات الأجرة المسماة التوكتوك استحق الفيلم جائزة مستحدثة فى هذا المهرجان لأفضل فيلم مصرى شارك بالدورة 18 قدمها المنتج هشام عبد الخالق . من بين المشاركات المصرية أيضا تجربة كوثر يونس الفريدة فى هدية من الماضى ، مشاركتان مصريتان مشرفتان مختلفتا التوجه والأسلوب السينمائى فى السينما التسجيلية التى نوقشت فى الندوة التخصصية  عن الفيلم التسجيلي بين الواقع والجماليات التى أثارت جدلا بين النقاد وبين الحاضرين من صناع الفيلم ورموزه هاشم النحاس محمود عبد السميع سمير عوف وعلى الغزولى، طارق رشاد وعطية عادل خيرى والمخرجة الشابة زينب سمير عوف. وثقت الندوة الصحفية منال بركات وصورتها كاميرا المركز القومى للسينما. وكانت ورشة التصوير للفنان سعيد شيمى فعالية موازية استفاد منها شباب الإسماعيلية الراغبين فى تعلم فنون التصوير . كما عرض فى الختام نتاج ورشة التحريك للأطفال والتى نظمتها الجمعية المصرية لفن السينما برئاسة د. رشيدة الشافعى شارك فيها فنانى التحريك من العاملين بالمركز القومى للسينما ومعهم فنانة التحريك عطية عادل خيرى التى رأست لجنة التحكيم التى أعطت جائزتها  الأولى للفيلم البديع عن بعد وهو درس فى البساطة والعمق وجمال الفن التشكيلى فى آن واحد ، كما حصل فيلم صولو لخريجة معهد السينما الشابة نيرة الصروى على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، توج فيلم " حار جاف صيفا" لشريف البندارى جوائز الفيلم القصير بحصوله على أفضل فيلم ، وبهذا تكون حصيلة الأفلام المصرية المشاركة بالمهرجان حصيلة جيدة رغم الشكوى الدائمة من قلة الدعم وبالتالى قلة المنتج السنوى .
لم تكن الدورة 18 لمهرجان الإسماعيلية دورة تقليدية إذ اختلفت عن الدورات السابقة فى اشتمال أيامها على فعاليت موازية احتلت زمنا لا يستهان به من زمن الفعاليات الأساسية ، تمثلت فى عروض ليلية بقصر ثقافة الإسماعيلية لفرق رضا والفنون الشعبية  وغيرها، عروض أثارت الحنين لفنون ازدهرت فى الستينيات والسبعينيات وسببت الحسرة لما آل إليه حال فنوننا الذى نشهده حاليا بالتوازى مع حالة التباعد بين جمهور الإسماعيلية الذى تزاحم  لمشاهدة عروض تجارية بدار العرض الوحيدة فى المدينة بينما قاطع تماما عروض المهرجان ولم يظهر من أهل الإسماعيلية سوى سيدتين ومعهما زميل مثقف تبين أن ثلاثتهم من العاملين بقصر ثقافة الإسماعيلية الذى اكتفى باستقبال حفلى الافتتاح والختام، وتخصيص دار عرض ثانية لإعادة العروض الرسمية فى اليوم التالى لعرضها بدار السينما. لن أكف عن المطالبة بالبحث عن حلول لجذب جمهور المدينة التى تستضيف المهرجان وأهم هذه الحلول عرض الأفلام مترجمة إلى العربية وترتيب منظم لحضور شرائح من المشاهدين ليؤدى المهرجان هدفه من تثقيف شعب القناة ونقل تجارب العالم المختلفة إليهم. 

نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 3 مايو 2016


Wednesday, 23 March 2016

سينما ترسو 1

سينما ترسو
      صفاء الليثى

(العنف على الطريقة المصرية)
من وحش الشاشة إلى نجمة الجماهير

بينما كان الفيلم معروضا فى سينما النصر الصيفية بمدينة قويسنا كان هناك فيلما واقعيا يدور بين مشجعى فريد شوقى الملك، وبين الشرير المطلق محمود المليجى فى مقاعد الترسو المواجهة  للشاشة حيث يجلس رواد السينما من ذوى الجلاليب الآتين من الكفور والنجوع لحضور العرض المستمر من الاثنين حتى الخميس بعدها يرفع ليعرض بدلا منه " فيلم اجتماعى جبار" وهو غالبا من الرومانسيات الخالدة التى تفضلها العائلات. كنت أراقب المشهد من جلستى فى الشرفة المخصصة للسيدات حيث ( أماكن خاصة للسيدات) فى دور علوى يطل على المشهد كاملا حيث مجموعة من البناوير كانت تسمى كرسى لوج وكان الأغلى حيث التذكرة بسبعة  قروش كاملة، ويضم خمسة مقاعد كان أخى يجلس بها مع زملاء الثانوية بمدرسة المساعى المشكورة بقويسنا . أما الترسو فكان بقرشين، دكك خشبية متصلة تبدأ بعد اللوج حتى ثلاثة أمتار من شاشة العرض السينمائى المنطلق من كابينة عرض تذيع أغنية واحدة دائمة قبل العرض بساعة يتم فيها تسخين الماكينة التى يعمل موتورها بالفحم كما القطار.
ينحاز المتفرجون لفريد شوقى الذى يُنظر إليه على أنه ( فتوة الناس الغلابة) الذى تعرض لظلم أو إهانة فيتحول إلى وحش كاسر يقهر جلاديه، لم يولد شريرا كما محمود المليجى الذى تعبر ملامحه عن شر ينطلق من عينيه الثعبانيتين، بل هو رجل يسعى فى الحصول على لقمة العيش وحين يهان تخرج طاقة عنف من داخله ويسيطر على ظالميه. مع الفتوة انطلق نجم فريد شوقى ليس كسنيد للبطل النحنوح أو كعضو فى عصابة الشر، بل كبطل أول لا ينازعه سوى شرير ولد ليظلم غيره  مثل زكى رستم ، أو محمود المليجى. وحين يفكر فى الإنتاج يقدم مع شركته " أفلام العهد الجديد" رائعة نيازى مصطفى "رصيف نمرة خمسة" الذى يحقق أرقاما قياسية فى الإيرادات ، ويستمر وحش الشاشة ومنافسه شرير الشاشة فى بطولات تشعل الترسو المنقسم الآن إلى فريقين يتبارزان بالعصى ويكملان لوحة شعبية لهذا النوع من الفن الجديد، السينما الشعبية المصرية التى حققها جيل الرواد فى سينما بدأت بعد العالم بقليل ونجحت فى التعبير عن واقع يعيشه المصريون يقدم فى توليفة تستحق أن تدرج فى القواميس " فيلم مصرى"  تحمل خصائص محلية فى نطاق كل من ينطق باللغة العربية،  تتواتر فيها مشاهد فائقة مصرت مثيلا لها فى السينما الأمريكية الأم وهى مشاهد قلما يخلو منها فيلم مصرى، مشهد الخمارة أو المقهى البلدى، مشهد الفرح ، حفل الزفاف الذى يجمع كل أبطال الفيلم وتتفجر الصراعات الدرامية خلاله ، يضاف لهذين الموقعين الحارة نفسها ، وكر العصابة، قسم البوليس وعدد من منازل أبطال الفيلم. بتباديل وتوافيق تجرى الأحداث الدرامية فى مواقع الفيلم حيث معارك بالمقهى ورقص وغناء أيضا وأولا ، تحدث مفارقات درامية وتتكشف الحقائق فى خيمة الفرح حيث الرقص والغناء والمعارك التى غالبا ما تنهى الفرح بتحطيم الكراسى، وينفض المولد ولا يتم الفرح غالبا فى أفلام الأكشن المصرى، أو يتم فى أفلام الرومانسية الاجتماعية .
مع ملك الترسو سيكون الفرح مفصلا لإعلان المنتصر فى الصراع وتدشين معلم جديد وكبير جديد للمنطقة، ومع ملوك الرومانسية ستحدث النهاية السعيدة ويقبل علينا العروسين وتنزل على الصورة كلمة النهاية.
أتوقف بعد هذا المدخل عند ملك الترسو وأفلامه التى تحمل فكرة واحدة عن المظلوم الذى حوله المجتمع وقوانين السوق الى مجرم ( جعلونى مجرما) عنوان أحد أفلام الملك ووصف للنمط الذى يقدمه فريد شوقى بتنويعات تختلف حسب المخرج والمؤلف ، تنويعات مع "الفتوة"  و" الأسطى حسن" ، و" مجرم فى أجازة" وكلها من إخراج صلاح أبو سيف ، الذى يصبغ القالب الفنى بانحيازه للغلابة وتحليله للنسيج الاجتماعى المحيط بالشخصيات.  ونقارن مع أفلام تسعينية حاولت المضى على الطريق ولكن طبيعة الإنتاج تسيطر وتبدل العناصر الثابتة ،  فتجعل البطولة لامرأة ممثلة ويتم تناول سطحى للصراع كما فى فيلم " شادر السمك" ويتركز فقط حول طمع الذكور فى الأنثى الفاتنة التى تمثلها نجمة مصر الأولى (نبيلة عبيد) ، ويتم استبدال وحش الشاشة الرجل القوى معبود الجماهير بالمرأة القادرة نجمة الجماهير نادية الجندى قاهرة الرجال المحققة لأعلى الإيرادات فى زمانها. من فريد شوقى إلى نادية الجندى ومنهما إلى أحمد زكى وكريم عبد العزيز والسقا  ومحمد رمضان تحولات جرت وأمواج تحركت فى بحر السينما المصرية التى احتفظت بتعريف  أنها الصناعة السينمائية الوحيدة فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ومازالت رغم التراجع –كما وكيفا- الأولى صناعيا والتى تحقق نجاحا مع الجماهير الناطقة بالعربية .
بالعودة إلى بداية أفلام الفتوات مع فيلم " نيازى مصطفى" فتوات الحسينية " 1954 فيه يخلع فريد شوقى البدلة والطبقة التى ظهر عليها فى الأفلام الأولى فى أدوار ثانية مع أنور وجدى مثلا، ليصبح واحدا من الشعب المظلوم وقد قرر أن ينتقم من ظالميه ، هذه التيمة مع الأجواء المقدمة فى العاصمة حيث الحارة والخمارة، وفي الإسكندرية حيث الملاحات والميناء والخمارة كذلك كما أبو حديد 1958 ، القصة دائما لفريد شوقى ويبدأ فى دخول مجال الإنتاج بأفلام " العهد الجديد" بعد الثورة مع زوجته هدى سلطان ومازال اسمها يسبق اسمه فى عناوين الأفلام ويختلف هذا مع المنتج محمود المليجى  فى " سوق السلاح"، أو مع رمسيس نجيب في " أبو حديد "، عندما تزداد شعبية الملك ليصبح ملك الترسو بلا منازع يسبق اسمه الجميع ويكتب قبل عنوان الفيلم. 
التوليفة في قالب واحد (باترون) تتغير مفرداته، ودائما ينتهى الفيلم نهاية سعيدة بعودة الحق لأصحابه، أما عندما تجنح الفكرة نحو " جعلونى مجرما"  كما فى " الفتوة"  أو " سلطان" يتحول فيها البطل الذى ظلم منذ طفولته إلى مجرم نتيجة قسوة الأهل والمجتمع والبيئة التى نشأ فيها.
وحش الشاشة هو من يكتب القصة غالبا ويصيغها كل مخرج مع فريق عمل يكتبون مباشرة للسينما دون الاعتماد على رواية مؤلفة ، فقط خطوط لقصة ألفها الممثل الذى خلق لنفسه الشخصية بملامحها المحببة للقطاع العريض من الجماهير التى ترى فى الانتقام تحقيقا للعدل وعودة الحق إلى أصحابه. ويجد فيها صناع الفيلم مادة ثرية للصراع الدرامى . تنويعات الفكرة مع كل منتج وكل مخرج دائما مشوقة ممتعة هادفة ، سينما مصرية أصلها صناعها وراء الكاميرا وأمامها، سينما أفتقدها الآن مع انفراد شخص واحد بكتابة القصة والسيناريو والحوار كما أفتقد وجود ممثلين على درجة وعى العملاق فريد شوقى خريج المعهد العالى للفنون المسرحية دفعة 1953 ومعه فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية بلا منازع. ولها معنا حديث طويل في نوع آخر من أفلام سينما ترسو. 
قرأنا كثيرا عن ارتباط نجيب محفوظ بالمخرج صلاح أبو سيف ولم نقرأ عن عمله مع نيازى مصطفى الذى بدأ معه فيلم " فتوات الحسينية" 1954 ومعهما كاتب الحوار السيد بدير وأتصور أن الكتابة كانت تتم بدفع فريد شوقى بقصته التى تتحمس لها الزوجة رفيقة الفن فينتج لهما الأخ المحب الفيلم ويتم اختيار المخرج الذى يكون فريق عمله معتمدا على نجيب محفوظ البناء العظيم كما وصفه صلاح أبو سيف " نجيب محفوظ يقيم الأسمنت المسلح فى عمارة الفيلم" حيث يقيم أساس الدراما والسرد الذى يبنى فوقه المخرج بعدما يسكن الأبطال كل فى دوره ويقوم السيد بدير بمنح الشخصية شكلها الخارجى بجمله الحوارية الدالة على دواخل نفسيتها . البناء الدرامى للفيلم يبدأ بالمشهد الافتتاحى حيث يعانى الفتوة العجوز من سكرات الموت فيحكى لابنه ما كان ممن غدروا به فى حيه القديم وكيف استولوا على بيته وعليه مجسم لتمساح رابض يحرسه ، يموت الأب وتقترب الكاميرا من البطل وقد توعد أن يعيد حق أبيه مصطحبا أخيه الأصغر . على غرار أفلام الغرب الأمريكى البطل العائد وفى الطريق مشهد يقدم شخصيته حيث ينقذ سيدتين معهما مسن من لص وتكون السيدة هى البطلة هدى سلطان العالمة الجميلة التى يتعلق بها من اللقاء الأول وبعد وصولهما الحارة الشهيرة يلمح الأخ الأصغر التمساح على البيت والمعلمة، وتسمع أصوات الزفة مصاحبة لعودة جعلص / محمود المليجى من السجن، عناصر الصراع تجمعت فى المكان هنا العائد القادم للانتقام وفتوات المكان الأشرار والعالمة التى ستغنى وعندما يصعد لها جعلص تنهى البروفة ويظهر كم الانزعاج منه ومن بلطجته. عناصر الفيلم ستبقى هى هى فى كل أفلام هذا النوع من الأكشن المصرى عن الحارة بسكانها ونسيجهم من الطيبين من الحرفيين ومن يفرض سطوته عليهم ويتحصل على الإتاوات عنوة، وغالبا سيدور صراع بين فتوة لايرحم وآخر يمارس المهنة أيضا ولكن بقدر من التراحم يميز بأفعاله بين من يمكنه الدفع وبين الغلبان غير القادر على ذلك. تُسكن السينما المصرية ممثليها فى أدوار لا تتغير ، فيبقى فريد شوقى ( الفتوة الجدع صاحب الحق) ويبقى محمود المليجى ( البلطجى الشرير مغتصب الحق ) وبين الفتونة والبلطجة شعرة طفيفة يرسمها الكاتب والمخرج والممثل وينحاز إليها المشاهد ويتفهمها ، يتوحد مع بطله الطيب ، ولكنه أيضا لا يكره الشرير بل يعجب بقوته وينتظر صابرا لحظة الانتصار عليه . فى هذا النوع من الأفلام مسرح للأحداث ومشاهد فائقة لا تتغير يؤسس لها كل المخرج مع مهندس الديكور ومختص بالمعارك ، حيث يكون الغناء والخناق ، الجد والفكاهة ، وصراع ينتصر فيه الشر غالبا فى البداية أو يتعادل الطرفان حتى نصل للمعركة الفاصلة التى ينتصر فيها البطل وتنهال صيحات الجمهور العاشق لبطله الذى نصبه ملكا وقد انتصر على ظالميه.
قام نيازى مصطفى بتمصير بار أفلام الغرب بكل تفاصيله ومنها حجرة العالمة ، الراقصة/ المطربة، فى الدور العلوى للخمارة حيث يصعد إليها الرجل الكبير زعيم العصابة ، هل هناك ما يؤكد وجود مثل هذه الخمارة فى أحياء العاصمة المصرية ؟ على الأرجح فهذا محض بناء سينمائى (شغل سيما) من دقة تصويره وتواتره فى الأفلام خلق تصورا بأن هذا واقع الحياة فى مصر فى بداية القرن التاسع عشر وما بعده. حققت هذه الأفلام واقعا بديلا للواقع الذى يعيشه المصريون واقتنعوا أن هناك مواطنين لهم يعيشون هكذا ، ويتصارعون هكذا ، ويتكسبون عيشهم من مهن كهذه، البلطجة والفتونة للرجال، ومهنة العوالم للنساء وأشباه الرجال من العازفين وأحيانا المنشدين والمطربين.
أما عن لغة الحوار والأسماء التى يختارها الكتاب لأبطالهم فحدث ولا حرج فالشرير " جعلص" والطيب " زقلط" والمعلمة " شطة " وبيومى العائد بعصاية زقلط التى سيتعرف عليها أهل الحته، يصرع المعلمة  كما يليق بالرجال فور وصوله " الراجل غلب الست من غير ما يمد ايده عليها " ، وننتقل إلى " زبيدة العالمة " ومشهد قُبلة للمنتصر منقول من مشاهد أجنبية يتقبله المشاهدون وأغلبهم لا يعرفون هذا النوع من الخمارات، هم لا يعرفونه، ولكنهم يصدقون وجوده فى مكان ما بعيد عنهم، تمنحهم السينما متعة التواجد على مدى ساعتين فى جو من السلطنة والفتونة والمتعة  التى يؤججها الصراع عل المرأة الجميلة " زنوبة العالمة" وهذا الصراع سيطوره المخرج الاشتراكى صلاح أبو سيف فى فيلمه "الفتوة "بعد "فتوات الحسينية" بثلاث سنوات ومع نفس فريق الكتابة، البناء نجيب محفوظ وكاتب المحسنات البديعية بالحوار العظيم السيد بدير،  ويكون الفيلم وثيقة تحليل اجتماعى لقوانين السوق فى المجتمعات الرأسمالية المبينة على فائض القيمة فيعلى أبو سيف من موضوع الفيلم مع الاحتفاظ بعناصر التشويق وصراع الخير والشر وتعاطف من المرأة التى تكون ندا للرجل وسندا له وليست غازية أو عالمة مكسورة الجناح . فى الفتوة تكون تحية كاريوكا المعلمة التى تستقبل الريفى الساذج القادم لأكل العيش الشريف فى القاهرة وتسخر منه حين يتلقى أول ضربة على قفاه فتستفز فيه رجولته وتقف بجواره حتى يصبح سيد السوق ويزيح الشرير زكى رستم، ولكن المخرج الاشتراكى المؤمن بأن الإنسان الفرد لم يولد هكذا والمنحاز لفهم دور المجتمع وقوانين السوق فى خلق شرير جديد لا ينهى الفيلم بنهاية مريحة لمشاهديه بل يعود الفيلم فى دائرة ليتخلى فريد شوقى عن نخوته ويصبح تيكونا كبيرا ملوثا بالتحالف مع الفاسدين الكبار فى السراية، وينهى أبو سيف فيلمه بساذج جديد، محمود المليجى فى دور شرفى بالفيلم تستقبله هذه المرة هدى سلطان بديلا عن تحية كاريوكا وتنبهه  لما سيحدث له. دائرة الصراع لا تنتهى بين الراغبين فى العيش الحلال وبما يرضى الله، وبين الطامعين فى السلطة الفارضين سيطرتهم على الجميع.
سيقدم نيازى مصطفى تنويعات على نفس اللحن مع أفلام شعبية تحقق نجاحا تجاريا كبيرا فى سوق السلح وأبو حديد مع الملك ، وسيقدم أبو سيف فكرته مع  الملك فى الفتوة وأيضا مع المليجى فى الوحش، ويستمر النجمان فريد شوقى والمليجى فى صراعهما داخل الشاشة وصداقتهما خارجها وينشئان شركة واحدة تغير وجه البطل الناعم الحبوب الذى قدمه عماد حمدى أو شكرى سرحان أو كمال الشناوى، ينجحان فى التخلص من دور السنيد الذى فرض عليهما فى الأفلام الأولى التى كانت تدور فى القصور والمنازل الفخمة ، حين ينجحان بإنتاجهما غالبا فى تقديم هذا الشكل من الأكشن المصرى بعناصره الفنية التى تلهب حماس المشاهدين، فينقسمون  إلى فرق متصارعة يشجع كل فريق نجمه المحبوب ، يخرجون بعد العرض وقد تحققت فائدة الفن بالتطهر من طاقة العنف التى وجدت ما يفرغها من خلال أعمال راقية لا نمل مشاهدتها مهما طال الزمن. 
      كتبته صفاء الليثى ونشر بالعدد الخامس من مجلة " الفيلم " رئيس التحرير فتحى امبابي
متوفرة بمكتبة تنمية شارع هدى شعراوى وأماكن أخرى.


Wednesday, 16 December 2015

أفلام الدورة السادسة لمشروع بلازا


من الإسكندرية إلى القاهرة...
 بدلا من المحلية إلى العالمية

مقولة قتلت بحثا أنه لكى تنطلق إلى العالمية عليك أن تبدأ من المحلية، فى السينما تحديدا لأنها الفن الذى يعبر عن مكان وزمان تحدده الصورة وهكذا نجح صلاح أبو سيف بشباب امرأة ونجح بركات بالحرام وعرضا بمهرجان كان بفرنسا ولم تنجح أفلام أخرى عبرت عن طبقة وسطى تشبه مثيلاتها فى دول العالم المختلفة. ولكن أن ترتفع أصوات مطالبة بفن سكندرى وسينما سكندرية فأمر يثير الانتباه ويجعل التساؤل مشروعا، هل نحن بصدد سينما من الإسكندرية تواجه سينما القاهرة بتفاصيلها وما تعكسه من خصوصية للعاصمة مترامية الأطراف تتمركز بها كل فرص العيش وكل الإبداعات والفعاليات الفنية وكأن (مصر) هى فقط العاصمة وساكنيها هم فقط المتاح لهم التواجد على الساحة.
تسيطر مشاعر التجاهل على الكثير من الشباب السكندرى مما دفعهم لتكوين تجمعاتهم الفنية ومؤسساتهم المستقلة متضامنين لإنجاز أفلام قصيرة وتسجيلية معبرة عن رؤاهم وعن خصوصية مدينتهم العاصمة الثانية لدولة مصر. ومع مكتبة اٍسكندرية وجد شبابها مجالا للتواصل وتحقيق جانبا من أحلامهم مع مشروع بلازا الذى بدأ بدعم أفلام صغيرة تصور على الساحة المفتوحة المواجهة لقسم الفنون بالمكتبة . وصلت مشروعات البلازا إلى الدورة السادسة اختتمت ديسمبر 2015 بعروض لثلاثة أفلام فازت بمنحة كأفضل الأعمال التى تقدمت للحصول عليها.
فى المسرح الكبير جدا والمعد ليكون قاعة مؤتمرات كبرى بمقاعده  الأنيقة المريحة والمزودة بآلية تسمح بالكتابة عليها، عرضت الأفلام وسط حضور صاخب لغالبية من شباب وشابات يمرحون ويتسامرون وكأنهم فى حفل تخرج. ولم لا فبعد عرض الأفلام يدشن صناعها ويتم الدفع بهم فى معترك صناعة السينما المستقلة التى شهدت ازدهارا نسبيا بالإنتاجات والمهرجانات والمؤسسات التى ترعاها. على يسارى جلست فتاة منتقبة وشاب دقيق الملامح كانت المرة الأولى للفتاة أن تحضر فيها عرضا عاما كهذا كما أخبرتنى، صادفت إعلانا عن هذا النشاط أثناء ترددها على المكتبة للدراسة فاصطحبت صديقا وكانت متحمسة لتجربتها الأولى، مجموعة خلفى يشبه أداؤهم أداء شباب فى رحلة جماعية، وحين بدأ منسق المشروع أحمد نبيل فى تقديم أسماء أصحاب الأفلام ارتفعت الصيحات وكأنهم يشجعون فرقا متبارية تتنافس فى رياضة ما أو فى مسابقة ما. تمنيت أن يصمتوا ويركزوا مع الأفلام ولكن الميل للتفكه كان سائدا وبدأ مع الفيلم الأول الذى يحتاج فى رأى إلى تركيز لنفهم الرمز الذى عبر عنه المخرج" العيش نوما الموت وقوفا" باسم يحمل صبغة أدبية تتأكد مع اختياره للأبيض والأسود ومع الترميز الذى يحمله الحدث الوحيد في الفيلم، موت المتشرد الذى أمضى حياته نائما فى الطل، واختار أن يموت واقفا وسط حيرة نماذج من الناس عليهم التصرف فى الأمر. المجموعة التى تبادلت الآراء حول ما العمل مع الميت تقلصت إلى ثلاثة قرروا دفن الميت إكراما له. الصورة جيدة والكادرات تشي بعين لديها حس جمالى بالتكوين، رغم الأداء الضعيف للممثلين إلا أن المخرج نجح فى المحافظة على إيقاع فيلمه وأوصلنا بعد دقائقه العشر إلى نهاية مفتوحة فالصدفة وحدها خلصتهم من المشكلة بسقوط النعش فى مياه النيل. تجربة أولى لشاب من بنها تظهر بها بذور قوية للقدرة على الإيجاز والترميز، حاملة وجهة نظر نقدية فى طريقة تصرف المصريين في مشكلة ما تواجههم. حين يقدم المخرج نهاية مفتوحة دون أن يحاول شرحها أو تفسيرها بجملة تعليق نسمعها، أو بكتابة على الشاشة فإنه يترك للمشاهد حرية التلقى ويتيح له تفسير الأمر كل حسب مرجعيته. المخرج أحمد عصام يؤدى خدمته العسكرية فلم يتمكن من الحصول على ردود أفعال الشريحة الأولى من مشاهدى فيلمه الذين تنوعوا بين الراغبين فى التسلية وانتظار ما يثير شهيتهم للضحك، وبين الراغبين فى التواصل الحقيقى المنفتحين على تقبل رسائل من الأعمال التى يشاهدونها.
" العيش نوما والموت وقوفا " يضع صانعه على بداية طريق الإبداع لأعمال تحمل قيمة فكرية وجمال فنى خاص مع رؤية نقدية واضحة، بقي أن ينجح فى إيصال فكرة واضحة للقصة التى يحكيها، نعم كل مخرجينا المبدعين يتحدثون عن أن الفيلم يحكى قصة ما ولابد أن يفهم المشاهد تماما ماذا جرى. هذه المقدرة على إيصال الفكرة تحتاج خبرة ونقاشات لم يترفع عنها كبار مخرجينا، " كتبت قصة الفيلم وعرضتها على كمال سليم وبركات " هكذا تحدث صلاح أبو سيف عن فيلمه الأول الذى نجح مع الجماهير وحقق له سمعة طيبة مع النقاد " دايما في قلبى " .
حاجة ساقعة والمعاناة من برودة الوحدة
العمل الثالث والأخير الذى عرض فى مجموعة بلازا السادسة للشاب عمروش بدر الذى يوقع باسمه المفرد على مشروعاته التى دأب على تقديمها مع فريق تشكل معه وخاصة من مبدعى الأداء التمثيلى- أكتبهم حسب ترتيب ظهورهم على الشاشة- وهم نبيل نور الدين ومحمد خميس والطفل زياد وعبير على ثم محمد صلاح مودى بوجوههم المنحوتة وعبر تميز خاص فى الأداء يضعهم عمروش فى سياق مواقف يعرضها بخطوط متوازية ستتجمع فى المشهد الأخير ملخصة حالة عامة من الشقاء والعيش فى كبد، تختلف تفاصيلها مع كل شخصية ويبقى الهم واحد.
طريقة بناء الفيلم بخطوط متوازية بينها رابط وحيد سبق أن قدمها عمروش فى عمل سابق له بعنوان " الفائز" وهو بناء يسمح له باستعراض قدراته فى اختيار الممثلين وتقديم تنويعات تعبرعن نماذج مختلفة من الناس، مثل الحالم والكسول، المريض والمعافى، الكبير والصغير، يختلف أداؤهم للأدورا فهناك من يمنحها صبغة كوميدية، أو ميلودرامية أو واقعية، حتى أنه يختار مكوجى حقيقى – عم سيد- ليؤدى أحد الأدوار. 
يبدو عمروش كمن يرغب فى خوض مدارس متعددة في فيلم واحد فينتقل بين الكوميدى والفارس والواقعى، فى فيلم " حاجة ساقعة " يبدأ عمروش مع عزت وهو رجل كهل يبدو فاقدا لوعيه متحدثا عن زوجته التى لا تسمح له بدخول البيت، المشهد الافتتاحى به قدر من حوار مبتذل ننساه مع تحرك عزت والكاميرا تصحبه على سلالم مكان عتيق يضعنا فى حالة فنية تشوقنا للمتابعة وتجعلنا نتأمل الحوائط المتآكلة وظلال المكان التى برع تصوير مونى محمود فى إظهار عمل الإدارة الفنية لكل من أحمد مرسي البربرى وأحمد شريف ومنه إلى دور المخرج بالطبع فى اختيار الأمكنة وأزمنة التصوير حيث تظهر درجات الإضاءة مع الفجر ثم الرماديات لمدينة ساحلية نشعر بالمطر وآثاره دون أن يهطل فعليا أو قبل أن يحدث ، يحقق هذه الرغبة فى التعبير عن محلية مدينة الإسكندرية مدعوما من شريط صوت معبر عن حى قديم من أحيائها. المشد الافتتاحى يعكس براعة الاستهلال مع قدرة على رسم الشخصية التى تصحبها كاميرا محمولة يدويا بحركات مدروسة وإيقاع يسلمنا للشخصة الثانية أب على دراجة بخارية يصحب ابنه إلى المدرسة، وفى الشارع تتركه الكاميرا وتنحرف مع ميكروباس وخناقة بين فتاة متحرش تنزل الفتاة وتصحبها الكاميرا وعند منتصف الطريق تتركها لتتابع الشخصية الرابعة لشاب أسمر بمظهر رياضى. نبقى معه لنعرف جانبا من حكايته ونعود للمسن عزت يفطر على عربة يحكى حكاياته الوهمية ومن جملة حوار ننتقل الى ردها في مكان آخر ومع الفتاة التى يتبين أنها سيدة تدير محل كوافير تنفس عن غضبها فى عاملتين بالمحل. يمتلك الفيلم براعة الاستهلال وحرفية الانتقالات بين الخطوط باستخدام حركة كاميرا مع الشخصيات وعن طريق المونتاج والجمل الحوارية التى تكمل بعضها بسلاسة .
هناك اقتصاد كبير فى استخدام الموسيقى التعبيرية من خارج الكادر فقط  للتعبير عن مكنون ما فى نفوس الأبطال. وتتراوح المشاهد بين القوة والضعف، فالاستهلال القوى والإيقاع المتوازن يختل في عدة مناطق يصل لأقصاه فى النهاية مع المشهد الذى تتجمع فيه الشخصيات بمصادفة محسوبة من المخرج بدأها فى الكتابة ولم ينجح بالكامل فى تنفيذها مع المونتاج والمكساج. وهو أمر يمكن تداركه وخاصة أن عمروش لا يكابر ويستفيد من كل الآراء التى سمعها من الحضور فى عرضه الأول ومنهم المخرج المسرحى حمدى عبد العليم الذى أشاد بالفيلم كونه الأقرب والأحق بتسمية فيلم مع تحفظه على النهاية التى بدت مبهمة لخلل الإيقاع.
تلاعب المخرج بالاسم "حاجة ساقعة" معبرا عن البرودة التى تعانى منها شخصياته مع وجود الحاجة الساقعة فعليا ضمن تفاصيل الحدث، يطرح عمروش عددا من  المشاكل  السائدة فى المجتمع المصرى، مشكلة ترمل الرجل وعجزه عن مواصلة الحياة بدون رفيقة حياته، ومشكلة الانفصال مع وجود طفل يعانى نتيجة هذا الأمر، ومشكلة عنوسة المرأة أو وحدتها بلا رفيق، وأخيرا مشكلة البطالة بين الشباب وبحثه عن عمل يناسبه لنصل إلى مشهد زفة نوبية شارك فيها الشخصية الرابعة وهو يرقص ويوزع زجاجات حاجة ساقعة  أمام محل الكوافيرة فى مصادفة وجود الرجل بالدراجة مع ابنه وعم عزت الذى بدأ الفيلم به يطلب زجاجة حاجة ساقعة لزوجته. انتوى المخرج تجميع الأبطال فى مشهد زفة العرس ولكن الخلل الإيقاعى سبب تشوشا لدى المتلقى وهو ما يمكن تداركه عن طريق المونتاج.
عمروش مخرج مؤلف يرسم شخصياته جيدا، لديه حس حميم بالناس، يكون فريقا يعمل معه بتفهم ومشاركة حقيقية، يتعلم من حضور عدد من الورش التعليمية ومن المشاهدة المكثفة للأفلام التى تظل منبعا للمعرفة واكتساب الخبرات، يدرس السينمائي الذكى قوالبها ويستوعبها ليجدد فيها مطورا وسائل التعبير لدية لينجح في  إيصال فكرته وإلى التواصل مع الناس . شاهدت أفلام الدورة السادسة لمشروع بلازا بمكتبة الإسكندرية، ووجدت أن فيلم " حاجة ساقعة " الأفضل والأكثر اكتمالا مع امتلاكه لذوق رفيع فى جماليات الصورة دون إغفال التعبير عن قضايا مجتمعية هامة. والفكرة مع هذه الكوكبة من الفنانين أمام الكاميرا ووراءها صالحة لتمثيل مصر فى أعرق المهرجانات الدولية وممكن أن يتحول إلى عمل روائى طويل بتفاصيل تشبع المشاهد الباحث عن حقه كاملا فى المتعة بكل أنواعها.

كان الطقس دافئا والحضور حميم، زاده نقاش حاد جرى فى الندوة التى أدارها باقتدار منسق المشروع المخرج أحمد نبيل، استمر النقاش خارج القاعة وتحولت شوارع الثغر الجميل إلى ساحة تواصل فيها الحضور على وعد بلقاءات متجددة مع كل إنتاج جديد لمشروعات قسم الفنون بمكتبة الإسكندرية.  
                              نشر المقال بجريدة القاهرة الثلاثاء 15 ديسمبر 2015 رئيس التحرير سيد محمود

Saturday, 8 August 2015

الباب المفتوح دراسة مقارنة بين رواية لطيفة الزيات وفيلم بركات


الباب المفتوح بين الفيلم والرواية
تبدأ الرواية فى تاريخ 21 فبراير 1946 بحدث التظاهر فى ميدان الإسماعيلية_ التحرير الآن- بمظاهرة من أربعة آلاف شخص ، قامت أساسا ضد الإنجليز، " يقوم الإنجليز يخرجولها خمس عربيات مسلحة تمر وسطها.... أنا شخصيا أعتقد أن المظاهرة دى كانت مرحلة جديدة من مراحل كفاحنا الوطنى... أول حاجة الجيش امتنع عن تفريق المظاهرة، ومش بس كده ، عربيات الجيش كانت ماشية فى البلد وعليها شعارات وطنية... واشتراك العمال مع الطلبة والشعب كله، بقولك أنا دى بلد الجدعنة، دا حتى النسوان خرجت من بيوتها، شفت النسوان فى باب الشعرية ، أنا شخصيا لو عشت ميت سنة مش هأنسى المنظر اللى شفته فى سليمان باشا، أعلام من دم" الجمل السابقة من الرواية التى كتبت فى الستينيات عن أحداث ماقبل ثورة يوليو 1952 حتى عام 1956 .
وهكذا من العام إلى الخاص حيث عائلة محمد أفندى سليمان الموظف بالمالية بالسيدة زينب، عائلة ليلى 11 سنة وهى رايحة تفتش على محمود أخاها طالب الثانوى صغيرا ولم يدخل الجامعة بعد. فى رابعة ثانوى وعنده 17 سنة، وابنة الخالة جميلة وأخاها عصام، احتفظ الفيلم بأسماء شخصيات الرواية وملامحها الأساسية ، فقط تحركت البداية عدة سنوات لتتحدث عن الآنى والهام فى الفترة الناصرية. حيث يبدأ الفيلم قبل العدوان الثلاثى بسبع سنوات فقط مع عام 1949 .
البدأ بليلى 17 سنة وليس 11 سنة كما فى الرواية مكن المخرج من التركيز فقط مع فاتن المقنعة جدا فى دور طالبة الثانوى، واستخدم كل تفاصيل ملامح الشخصية التى كتبتها الرواية فى رسم ملامح الشخصية وتتبع حركتها، ليلى فى الفيلم ابنة 17 سنة التى تمتلك حماس وانطلاقة وبراءة ليلى فى الرواية  11 سنة، تصف لطيفة الزيات بطلتها: " اندفعت تجرى... متفاخرة بأخيها ومتابعة للأحداث التى تجرى فى مقابل جميلة " اللى ما بتعرفش حاجة أبدا، تهتف أنها تريد السلاح لتحارب الإنجليز. وعند اندفاعها تصطدم بالوالد..."  شخصية مرسومة جيدا  بالكلمات نقلها المخرج معبرا عن هذا الحماس وهذه الفرحة بالنصر على الأعداء، فى الرواية يعلق الأب على أن كل شيء ينكسر فى يدها" أنا قلت دى مش بنت دى فتوة" . يحتفظ المخرج بجمل حوارية هامة مرتبطة بحركة الشخصية ولغته السينمائية من ميزانسين فى الكادر وأحجام لقطات وأداء للشخصية. 
تتطرق الرواية إلى تفاصيل تجاوزها الفيلم مثل رغبتها فى نيل رضا كل من بالمدرسة، وحدث البلوغ والدورة الشهرية ( الأم لم تعنف ليلى هذه المرة، بل قالت لها ، ما تخافيش يا بنتى انت كبرت ،كبرت، ومن هنا ورايح خروج لوحدك مفيش، من المدرسة للبيت) . ولكن يبقى دخول عصام ابن الخالة مشروعا ومفسرا من الرواية ( عصام مش غريب، عصام ابن خالتك،اتفضل يا ابنى هى ليلى هتتغطى على ابن خالتها) وهو ليس رأى الأم وحدها بل يؤكد الأب على ذلك ( عصام معلهش، عصام مننا وعلينا) ويكون رأى ليلى( أنا فى الحقيقة احترت معاكى يا ماما، كل حاجة أعملها تطلع غلط فى غلط، فترد الأم ( اللى يمشى على الأصول ما يغلطش..)  ثم تشرح ما هى الأصول. وسنة بعد سنة نمت ليلى، .تجاهل الفيلم الفصل الأول كحدث ولكن تمت الاستفادة منه فى التعرف على ملامح الشخصية وطبيعة العلاقات داخل الأسرة. سيبدأ الفيلم مع ليلى وهى فى السابعة عشرة وسيتم استغلال وصف الرواية لحجرة ليلى وطبيعة حركتها مثل ما كتبته الزيات عن انطلاقها وفتح الشباك واحتضانها للعالم يوظفه السيناريو مع مشهد اكتشاف حبها لعصام .  .
قلل السيناريو من ازدحام الشخصيات التى ترد فى الرواية، مثل صديقات الأم وخاصة سامية هانم وسيتم استخدام جمل حوارية من هذه الفصول لتوضع فى موضع آخر بالفيلم حيث تعنف الأم ليلى (انت إزاى تقولى الكلام الفارغ ده؟ فترد ليلى(الكلمة اللى جت على لسانى، اللى بحسه ولا يمكن أكدب) إذن تم حذف صديقات الأم وقصة ابنة سامية هانم المنتحرة ، وتم الإبقاء فقط على الأسرتين فى بناية واحدة، وأصدقاء المدرسة والجامعة، تكثيف الشخصيات والأماكن جاء فى صالح الفيلم الذى شاركت كاتبة الرواية الأصلية فى صياغة السيناريو له مع المخرج والسيناريست المحترف.ركز الفيلم على ليلى والرجال الثلاثة فى حياتها عصام ابن الخالة وجار السكن، وصديق الأخ وزميل النضال الأقرب لروحها، ثم أستاذ الجامعة الذى يمثل التناقض فى الرجل الشرقى. الإيجاز السينمائى الناجح الذى قدم أحداثا وأماكن وشخصيات فى ساعتين كتبت فى رواية طويلة فى 300 صفحة. جمع السيناريو كل الشخصيات فى رباط مع الشخصية المحورية ليلى ولم يخرج عنها.  دون أن يتفرع كثيرا إلا ليدلل على تبنى صناع الفيلم ومنهم الكاتبة  لطيفة الزيات نفسها لأفكار ليلى الفتاة التقدمية التى اتخذت من الأخ المناضل محمود قدوة ومثلا وليس الأب كما تفعل غيرها من الفتيات. تتطابق الفيلم كثيرا مع الرواية مثلما نجده فى البداية مع اندماج ليلى فى الحياة العامة والاحتفاظ بنص الحوار ، تقول ليلى معارضة زميلاتها : أهلى أهلى .. زاندفعت مع مجموعة الطالبات. دعم الفيلم شخصية ليلى وتم الاستغناء عن أحلام اليقظة فى الكتاب وظهرت ليلى قوية لا تخشى شيئا ، انحاز بركات ويوسف جوهر وفاتن حمامة لليلى كما فى هذا الجزء: ( لم تحلم ليلى هذه الليلة، كان كل جزء من جسمها ينبض بالحياة، وقضت ليلتها ساهرة وهى مستلقية على ظهرها وكأنها تنتظر شيئا) وفى المدرسة تزعمت رفض البنات للتفرقة بينهن وبين الطلبة، البلد كلها قايمة على رجل، وكل المدارس هتخرج، واشمعنى احنا اللى ما نعبرش عن شعورنا) .
مشهد المدرسة ( تقدمت الناظرة إلى الميكرفون، وقالت إن وظيفة المرأة هى الأمومة، ومكان المرأة هو البيت.. وأن السلاح والكفاح للرجال) فى الرواية عارضت الناظرة فتاة سمراء ، فى الفيلم التى عارضت هى ليلى "البطلة فاتن حمامة" وقد تم تدعيم شخصيتها منذ البداية ، هى فى الرواية معجبة وتحلم بأن تكون مثل الفتاة السمراء، حالمة بهذه " البنت الهايلة" ولكنها فى الفيلم هى التى قالت وهى التى قادت المظاهرة. وهكذا السينما حين تحمل البطل الذى يتوحد معه الجمهور بكل الصفات الإيجابية فيزداد التأثير وتصل الرسالة إلى الجموع.       
تعود الكاتبة لتصف تحولا فى شعور ليلى ( اندفع الدم فى رأس ليلى ، انتشت.. ارتفعت على أكتاف الطالبات .. وانطلقت من جديد تهتف بصوت غير صوتها، صوت وحد كيانها وكيان الكل) يتخلص السيناريو من كل ما يعوقه فلا عودة إلى الوراء- فلاش باك- بل اندفاع وتقدم بالسرد محتفظا بكل جملة حوار ممكن أن تخدم الشخصية ( كان حد قالك تعملى العملة السودة اللى عملتيها، تفضحينا وتجرسينا فى الحته، هى جميلة مش بنت زيك، اشمعنى ما عملتش عملتك؟) ويستمر الحوار يكاد يكون متطابقا فى الفيلم والرواية يعكس صداقة مبنية على الإيمان بنفس الأفكار بين ليلى وأخيها محمود، ويتحول الوصف الأدبى إلى انتقالات بين محمود وليلى وإلى جمل حوارية واضحة لا تترك أى لبس وتوجز المشهد، ويدخل ابن الخالة عصام فى التزام بالتتابع من المخرج ويدور كما كتب بالرواية ومنها ( انت مش أختى الصغيرة؟) واقترابه وتدليله لها كأخت صغرى، غضبها واتجاهها إلى النافذة، وعند جملة ( أنا مش عيلة) يحدث التحول والاكتشاف، تحول العلاقة إلى توتر بين شاب وفتاة بسبب الانجذاب الجنسى، واكتشاف الرغبة – الحب من جانب ليلى وعصام، يقطعه دخول الأم . تطابق تام ولكن الفيلم أكثر رومانسية وجمالا وأكثر فهما للتحول ففى الرواية وبعد انصراف عصام ستشعر بالبرد وتغلق النافذة، فى الفيلم ستفتح الشباك، وتحل عقدة كرافت المدرسة وتنفتح شهيتها إلى الطعام، تغيير استعاره المخرج من وصف الشخصية فى الفصل الأول الذى استغنى عن أحداثه. الحب الوليد عبر عنه فاتن حمامة وحسن يوسف دون حوار مباشر بأداء تمثيلى وبلغة السينما بينما فى الرواية ( عصام بيحبنى وأنا بحب عصام) والوصف فى الرواية غاب لمدة أربعة أيام، أما فى الفيلم فقد نجح المخرج عبر إيقاع الانتظار وحوار شخصياته فى إشعارنا بمرور الوقت عبر تدفق سردى واستخدام رائع للمونتاج المتوازى الذى ضفر حدثين يحدثان معا وهو خطوبة جميلة إلى ثرى لاتحبه بشكل رسمى وتحول المشاعربين عصام وليلى. ومن المؤكد أنه دارت مناقشات وعصف ذهنى بين صناع الفيلم أثناء الكتابة ليحفظ الاحترام الدائم لشخصية فاتن حمامة وما تمثله أمام جمهورها. ومتوافقا أيضا مع طبيعة الشخصية القوية صاحبة المبادئ والحرة أيضا. وستم تقديم حلول فى السيناريو تشرح كل الصياغات الأدبية بتقديم وتأخير يعيد بناء المشاهد التى لجأ فيها بركات إلى تقنية المونتاج المتوازى ، رابطا بين الحبيبين وحاذفا الحلم –الكابوس- كما حذف أحلام اليقظة من قبل ليتمكن وهو مخرج الواقعية الرومانسية التى تعيد بناء الواقع بأسلوب شعرى وجمالى يحتفظ بأجمل ملامح بناء الشخصية مع الاستخدام الأمثل للغة السينما فى تكوينات الكادر- إطار الصورة- والإضاءة والانتقالات ، وأحجام اللقطات، والأهم عبر الأداء التمثيلى البديع ، مستخدما كاميرا تتحرك بحساب، ويقطع المونتير الفنان فتحى قاسم فى الحركة، رغم أنها إحدى المحاذير المونتاجية، يمارسها بحرفية فيحقق تدفقا وتموجات فى تتابع اللقطات وانسيابها. وهكذا يغير المخرج ومعه يوسف عيسى الذى كتب معه السيناريو ولطيفة الزيات مشاركة لهم، يغيرون ما يلزم ليحافظ على نقاط القوة فى تتبع الشخصية فى الأماكن التى أحسن استخدامها رغم محدوديتها لتتنوع المشاهد بين صالة البيت وحجرة ليلى والممرات أمام السلالم والمصعد المفتوح، شقة الخالة وحديقة المدرسة والجامعة. اختصر الفيلم كثيرا من الثرثرة الكلامية ( نظرة العتاب من ليلى... التى استقبلت بها عصام وهو متردد فى الدخول إلى الشقة) اختصرها الفيلم بأداء ممثليه وجمل حوار منتقاة بعناية جواهرجى ولم لا وهو حفيد الصائغ أنطوان بركات. يمكننى المضى هكذا بين الرواية والفيلم لنستدل على تفوق الفيلم على الرواية فى البناء والإيقاع.  
صفاء الليثى 
نشرت بكتالوج معرض مئوية هنرى بركات ( 1914-2014)
فى إطار مهرجان القاهرة السينمائي الدولى 36 برئاسة سمير فريد   


Thursday, 23 July 2015

https://www.youtube.com/watch?v=pefnf1vav-4

Wednesday, 15 July 2015

فى وداع عمر الشريف


عمر الشريف...

 المواطن مصرى
 
فى ذاكرتى عنه أجده فى شخصية حسين الشاب القفل فى فيلم فطين عبد الوهاب إشاعة حب، ستحبه سعاد حسنى بخديعة من يوسف بيك وهبى فى الفيلم الذى ينتصر للأصالة المصرية وللشباب الجاد ويسخر من البرجوازية العفنة بنت سلطح ملطح، كما أجده فى شخصية محسب الصعيدى الغشيم الذى كاد يخسر ثروته على الغازية  لولا حماية رئيس عماله رشدى أباظة فى فيلم صراع فى الميناء لعاطف سالم ومع الفاتنة هند رستم. دورين استثنائيين للنجم المصرى العالمى عمر الشريف، ليس فتى الشاشة الأول الوسيم مع فاتن حمامة  فى نهر الحب عن تولستوى وروايته  أنا كارنينا، وليس الطيار الفاتن فى حبي الوحيد مع نادية لطفى، بالنسبة لى بفكه العريض ووسامته المصرية  وعيناه السوداوان أقرب أن يكون هذا العمدة فى المواطن مصري، أو المناضل فى العمل الكبير في بيتنا رجل. أو عطشجى القطار فى لوعة الحب مع شادية،

لا أنسي حين كانا معا وهما يقزقزان الترمس، هى تلقى القشور على الأرض، وهو فى دور عامل راق يضع القشر فى كف يده، فتخجل ويزداد حبها له لأنه الراقى مقارنة بزوجها الفظ سائق القطار أحمد مظهر الذى يأخذها عنوة فتكره العلاقة الخاصة وتحن إلى الرومانسية التى يمنحها لها مساعد زوجها عمر الشريف. يناسبه دور الضابط  بالزى الرسمى متخفيا  في بيتنا رجل، وطالبا فى بداية ونهاية ، طيارا باليونيفورم فى حبى الوحيد، فى الطائرة يأتى ليقدم الكعكة للعروس من بين الركاب فتكون حبيبته  نادية لطفى ونحبس الأنفاس، يا الله ، فى جمال كده. هل هناك ما يفوق هذا الجمال.أول أدواره كان اكتشافا ليوسف شاهين فى صراع فى الوادى مع فاتن حمامة التى شاركها فى ستة أفلام آخرها نهر الحب الذى أخرجه عز الدين ذو الفقار زوجها الأول ووالد ابنتها نادية. وآخرها المسافر مع خالد النبوى من إخراج أحمد ماهر. غاب خمسة عشر عاما وعاد فى دور حسن مع عادل إمام فى حسن ومرقص، حسنا فعل المخرج رامى إمام حين أسند إليه دور الجار المسلم بينما عادل إمام هو الجارالمسيحي. ويرتفع الأداء بعد تبادل الأدوار لتأكيد أنهما معا المواطن مصرى مسيحيا كان أم مسلما. حين جاءته فرصة الانضمام إلى السينما العالمية ، غاب وقدم أدوارا عدة ولكنه عندما عاد صدم الجميع بصراحته حين قال إنه من ممثلى الدرجة الثانية فى السينما العالمية، وأنه يعتز أكثر بأدواره فى السينما المصرية.

تحدث عن حبه للأرز أبو شعرية، وتكون الشعرية محمرة وكثيرة باينة فى الطبق. حين تحدث جرى ريقى من شدة بساطته وصدقه شممت رائحة الأرز المفلفل والملوخية. لا يعرف الوطن ولا يدرك حقه فعلا إلا من غاب عنه،  حتى لو كان غيابه ليقوم بدور هام فى لورنس العرب مع بيتر أوتول، أو مع الفاتنة الإيطالية صوفيا لورين فى الموعد، أو مع الأسبانى الشاب أنطونيو باندرياس. يختارونه ليقوم بدور جيفارا ورغم تواضع الفيلم إلا أنه قبل القيام به كما قبل القيام بأعمال أخرى متوسطة القيمة قبل أن يفكر فى العودة إلى مصر وإلى السينما المصرية التى ساهم فيها بأهم أعماله .
والده ديمترى شهلوب  تاجر الأخشاب اللبنانى  قد استقر به المقام بالإسكندرية وكانت مدينة مفتوحة ملجأ للكثيرين من شرق وشمال المتوسط، لجأوا إليها وامتزجوا بأهلها وساهموا فى أنشطتها الصناعية والتجارية والفنية ، ينتمى ميشيل شهلوب الشهير بعمر الشريف إلى أسرة كاثوليكية لبنانية ، شهدت الاسكندرية مولده فى العاشر من أبريل عام 1932 ، درس فى مدرسة فيكتوريا التى سبقه إليها توفيق صالح ويوسف شاهين. قد تكون الشائعة من أعداء له بعد اختياره ممثلا فى السينما العالمية بأنه يهودى الديانة، والمهم أنه مثل يوسف شاهين من أصل لبنانى مسيحى، وأنه وجد فى مصر الحب والأسرة والمهنة، وجد المحبة والاحترام حتى اختير رئيسا شرفيا لمهرجان القاهرة السينمائي الدولى لعدة سنوات. قيل إنه لن يعيش طويلا بعد رحيل المرأة الوحيدة التى أحبها حقا، وحدث ذلك وفارقت روحه من مصر مساء العاشر من يوليو2015، ولم يمت فى غربته بل فى البلد الذى شهد حبه  الوحيد وتقدير مواطنيه.

رغم ارتباط اسمه بفاتن حمامة حبيبته وزوجته وأم ابنه الوحيد طارق،  إلا أنه قدم أدوارا لا تُنسى مع شادية ونادية لطفى، مع هند رستم وسعاد حسنى . ورغم أن يوسف شاهين هو من اكتشفه إلا أنه لمع فى أدوار مختلفة مع فطين عبد الوهاب، وصلاح أبو سيف وهنرى بركات وعاطف سالم، امتد مشواره ليعمل مع هانى لاشين فى فيلمى أيوب و الأراجوز، ومع  رامى إمام فى حسن ومرقص، و مع أحمد ماهر فى المسافر. امتد مشواره  السينمائي  خمسة وخمسين عاما منذ عام 1954 مع صراع فى الوادى وحتى المسافر عام 2009 . قدم خلالها ما يقرب من خمسة وأربعين فيلما بين المصري والعالمى، من بين أعماله العالمية أفضل فيلمه د. زيفاجو عن الرواية الروسية والشخصية الروسية الشهيرة  وحصل عنه على جائزة  أفضل ممثل درامى عام 1965 ضمن ترشيحات الجولدن جلوب.
وككل النجوم أثيرت حوله الشائعات والأقاويل، وفى رأى أنه عاش حياته، يوم مر ويوم حلو مثله مثل كثير من الناس، أصاب وأخطأ، ابتئس وسعد، ولكنه فى النهاية رحل تاركا ثروة من أفلام مصرية وعالمية نستمتع بها وتجعله خالدا فى أذهاننا، عمدة نجوم مصر وسفيرها فى العالم، المواطن المصرى عمر الشريف. 

نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 14 يوليو 2014 
رئيس التحرير سيد محمود

Tuesday, 23 June 2015

نبيهة لطفى... مصرية من جنوب لبنان

قطار المحبة يصل محطته الأخيرة
قبل رحيلها كثيرا ما فكرت، كيف ستكون حياتنا بدون نبيهة لطفى؟ فتواجدها فى كل مهرجان، فى كل ندوة، فى كل فعالية أحد علامات الحدث خاصا كان أم عاما، ويكاد يكون مستحيلا عدم ظهورها، وعندها يكون السؤال، أين نبيهة؟ قطار جامح منذ انطلق من محطته بمعهد السينما بالقاهرة، كفيلم لوميير الأول وصول القطار إلى المحطة، تلفت الانتباه بما تحمله من محبة واهتمام لكل من فى طريقها. حين تربطها علاقة عمل مع نادية لطفى نعرف أنها بولا وأنها ليست منتجة  لفيلم " دير سانت كاترين" بل صديقة لديها انتماء ومحبة لهذا البلد. ونعرف أن توحة ليست كاريوكا نجمة السينما وفاتنة الرقص الشرقى بل توحة المناضلة بنت البلد الجدعة من خلال حكاوى نبيهة لطفى عنها،  أو عن شادى، هكذا فقط شادى، تقولها وتبتسم، يكاد الحب يتفجر من حروف اسم مبدعنا الكبير، شادى عبد السلام. يؤكد على الناقد فاروق عبد القادر .. اوعى تزعلى نبيهة يا صفاء.. رأيتها بجوار شادى أثناء مرضه  لا تفارقه وكأنها أخته أو حبيبته، إياك تزعلى نبيهة يا صفاء، ولكنها كانت دائمة الزعل منى أحيانا وغالبا علي.  نبيهة صديقة جيل الستينيات ومنهم المونتير أحمد متولى والد أبنائي، تحضر إلى سكننا الأول بالعوامة رقم 81 بالكيت كات، ومعها ياسر طفلا عائدة من درس بيانو أو قبل الذهاب به. تأتى بلا موعد وتتحدث معى فى ألف موضوع ، أحاول أن أبادل كرمها بتقديم ما فى البيت، ياسر هادئا سارحا فى النيل والمراكب المارة، وقد أتينا نبيهة وأنا على قطعة جبن بيضاء مع بقسماط بالسمسم. تعشق الجبن الأبيض كعبد الناصر الذى وجدته زعيما للأمة العربية وطردت بسببه من جامعة بيروت. تمضى الأيام وأسمعها تتصل طالبة منى الحضور على الفور لمقابلة مخرج شاب يهمها أن أهتم بفيلمه بالكتابة عنه وعرضه فى إطار نشاط جمعية النقاد. دائما توفق الرؤوس فى حلال العمل، دون أن تكون لها مصلحة مع أى من الطرفين، هى صديقة جيلى ومن قبله ومن بعده، أجيال وأجيال من السينمائيين والنشطاء. بيتها بالعجوزة بيت كرم وندوة مفتوحة، لسنوات تجمع الأصدقاء مجموعات مجموعات، تعد لهم بنفسها طعامها اللبنانى الشهى وتدور الكلمات. وحين تعبت مقطورة قطارها، خففت اللقاءات والتليفونات، ومعها خفت ضجيج المعارك. ولكن أبدا لم يفوتها حدث عام، كانت تتحرك بالعكاز، وأشعر برغبتها فى المشاركة فأصحبها إلى تظاهرة نقابة السينمائيين، وتظاهرة نشطاء الثورة، وتظاهرة المطالبين بعودة أصول الأفلام إلى وزارة الثقافة، واعتصام المثقفين المطالبين برحيل وزير الإخوان. هكذا حياتها نشاط فى كل أحداثنا الخاصة والعامة. وهى فى عملها كمخرجة تسجيلية ارتبطت عاطفيا مع كل موضوع تقدمه، ومع كل شخصية تناولتها فى فيلم لها. تشارك بأعمالها حياة اجتماعية بكل تفاصيلها الدافئة، مع ابنة المناضل والصديق شهدى عطية تقدم فيلم صلاة من وحى مصر القديمة، ومع ابن خان وابنة بشارة تقدم حسن والعصفور، ومع الفلاحة الصغيرة من الشرقية تقدم لعب عيال. وفى سلسلتها التلفزيونية بعنوان نساء تتنوع السيدات التى تراهن نابهات مهما كانت طبيعة عملهن. وكلهن تتحولن إلى صديقات وليس فقط نماذج لأعمال. نبيهة لطفى مشغولة البال بكل من تبدو عليه وعليها لمحة إبداع، فتتصل به وتتواصل معه بالرأى والمساعدة ليشارك بفيلمه بالمهرجانات ولكى يتعرف عليه الوسط الثقافى. نبيهة منحازة ومشاركة فى تأسيس كافة مؤسسات المثقفين الثوريين، عضو مجلس الإدارة المنتخب لجمعية نقاد السينما المصريين وجمعية السينمائيات وعضوة نشطة بفعاليات نقابة المهن السينمائية، تتحرك بفستان على طريقة الجلباب الفلاحى يلبق عليها، يليق بها حتى وجدت أننى عند الكتابة عن مشوارها عام 2000 أسميت المقال فلاحة مصرية من جنوب لبنان، وحين تكرم بالمهرجان القومى للسينما المصرية تهذب العنوان ويصبح مصرية من جنوب لبنان .

حين وهن الجسد وبدأت فى فقدان وزنها، أسرعنا بالتفكير فى تكريمها ليكون تتويجا للتكريمات التى حصلت عليها فى لبنان وفى مصر. وبعد أن شاركتنا فى تكريم يوسف شاهين وتوفيق صالح وأحمد الحضرى ومصطفى درويش. كانت صافية الذهن تحدثت عن الآخرين ونوادرهم أكثر مما تحدثت عن مشوارها هى. أحسسنا أننا نودعها وحبسنا الدموع ، وكانت أمسية الأحد  26 ابريل 2015 آخر عهدها بمركز الثقافة السينمائية الذى امتلأ دوما بحضورها. وحين عرضنا فيلمها الأخير فى ندوة الأحد 7 يونيو 2015 لم تتمكن من الحضور، وكأن نبيهة تعرف أن موعد الفراق قد اقترب فتركت لنا وديعتها عن صديق العمر شادى فى عملها الأخير " من عالم شادى عبد السلام" محملا بوجهة نظرها الداعية إلى ترك عمله وعرضه مُتحفيا دون العبث به. فى 17 يونيو 2015 فارقنا جسدها وودعناه. وبقيت وستبقى صاحبة تل الزعتر ولعب عيال . ستبقى نبيهة لطفى جزءا هاما من تاريخ السينما المصرية ومن تاريخ السينمائيين الباحثين عن طريق جديد لسينما مغايرة. نبيهة لطفى لا أقول وداعا ولكن إلى لقاء.

مقال بقلم صفاء الليثى نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 23 يونيو 2015 رئيس التحرير سيد محمود 


  




Wednesday, 27 May 2015

كتاب عطيات الأبنودى عن السينما الثالثة


مانفيستو السينما الجديدة
كمثقفة وصانعة أفلام  من جيل الستينيات ، كمخرجة أفلام تخدم المجتمع وتقدم سينما مغايرة للسينما التى سبقتها، تقدم عطيات الأبنودى فى كتابها السينما الثالثة بحثا فى  تاريخ السينما تنعكس فيه مؤثرات هذا الجيل ترصد وتتابع التيارات الجديدة فى السينما وتتعقب ما آلت إليه. من وجهة نظرها السينما الأولى سينما هوليود وتعرف بسينما المنتجين ، والسينما الثانية التى بدأت فى أوربا بعد الحرب العالمية الثانية وهى النوع الذى امتد تأثيره إلى أمريكا نفسها من خلال مدرسة نيويورك  وتعرف أيضا بسينما المؤلف، ثم السينما الثالثة مع مظاهرات طلبة 1968 وبزوغ سينما أمريكا اللاتينية وصولا إلى بيان " نحو سينما ثالثة "

وتوثقه عطيات الأبنودى كما توثق بيانات عديدة مثل بيان أوبرهاوزن الذا أعلن فى ألمانيا عام 1962 ، واستمرارا لولعها بالبيانات ترصد وتوثق بيان تعاونية مخرجى السينما الجديدة فى نيويورك ، يستوقفنى نهاية البيان الثورية، " نحن لا نريد أفلاما مزيفة، ملمعة ناعمة، ونحن لا نريد أفلاما وردية ، بل نريدها بلون الدم" .  ترصد بالطبع التجربة المصرية مع قيام جماعة السينما الجديدة وبيانها الذى ينتهى بإعلان صريح : " نحن نريد سينما مناضلة، تعمق حركة المجتمع، وتعيد صياغة فكر ووجدان الإنسان المصرى ،ولأنها تكونت ليس فقط من صناع السينما من مخرجين وكتاب سيناريو ومصورين ومونتيرين، بل انضم إليها أيضا نقاد فأضافوا فى النهاية، نحن نهدف إلى توسيع قاعدة الثقافة السينمائية.  
الكتاب أشبه ببحث دكتوراه فى السينما وأنواعها تمر فيه بعجالة على السينما الأولى، وأرى هذا انتقاصا كبيرا من حجم هذه السينما ومدى تأثيرها على صناعة هذا الفن فى العالم، لتذهب إلى موضوع محبب لها ولجيلها إلى تناول أكثر استفاضة للواقعية الإيطالية الجديدة، وفرسانها وتدخل فى تفاصيل حول آراء صناعها، فروسلينى يقول، الواقعية ما هى إلا شكل فنى لتقديم الحقيقة. ثم تمر على الموجة الفرنسية الجديدة وخاصة جودار الذى تصفه بالمفكر السينمائي الذى أصبح أيقونة السينما الجديدة فى العالم، ثم تذهب إلى أن أفلام الموجة الجديدة هى السينما الثانية كمرحلة هامة فى مواجهة السينما الأولى.وتتوقف طويلا عند فيلم ،بونى وكلايد فى إطار سينما هوليود الجديدة الذى يعبر عن عنزلة الشباب الأمريكى فى الستينيات ، وهو الفيلم واسع التأقير علينا فى مصر وقد تابعنا بتعاطف تحولات الشاب العاطل إلى لص صغير وانضمام الفتاة إليه ثم تحولها إلى سرقة بنوك ويزداد التعاطف مع نهايتهما المأساوية. توثق الأبنودى أن الفيلم أضيف إلى مقتنيات مكتبة الكونجرس باعتباره أحد أهم الوثائق الفيلمية . تتبع كذلك سياسة التحرر فى السينما الأمريكية مع الاستعانة بمخرجين من أوريا مثل ميلوش فورمان وفيمه طار فوق عش الوقواق، ورومان بولانسكى وفيلمه طفل روزمارى.
عطيات الأبنودى تقدم رؤية نقدية لأفلام ومخرجين تختارهم بعناية ، إذ تتوقف عند المخرج شادى عبد السلام الذى تصفه بأنه خارج سياق السينما المصرية وتنفى أنها تبالغ إذا قالت أنه خارج السياق العالمى أيضا. وهى فى كل ما ذهبت إليه لم تخرج عن الآراء التى سادت بين المثقفين – وخاصة الثوريين منهم- حول الأفلام والمخرجين والاتجاهات السينمائية. بالنسبة لجيل الستينيات – والسبعينيات أيضا- يثير فيهم الحنين للأفلام التى اختارت التوقف عندها وللحركات الجديدة ، أو التى حاولت أن تكون جديدة، ولم تنس أيضا أن تحلل سبب عدم استمرار مخرجى جماعة السينما الجديدة فى مصر نتيجة تغير السياسات العامة فى الدولة فلم يعد مناسبا الحديث عن الصراع العربى الإسرائيلى وقد اتجه النظام للصلح معها ووجد بعض الكتاب ومروجى السينما القديمة فرصة ذهبية فكتب على سبيل المثال عن الإنتاج الثانى لجماعة السينما الجديدة " الظلال فى الجانب الآخر"، الفيلم فشل فشلا ذريعا وجماعة السينما الجديدة تخسر نقطة ثمينة فى المباراة بين المخرجين القدامى والمخرجين الجدد " وكأن هذه الأقلام تساند حبس الفيلم فى العلب وتعرضه لما يشبه مؤامرة اغتيال وتواصل أقلام ، الفيلم يعتبر ‘هدارا للمال العام، حيث كان المال سائبا، وأبواب المجلات مفتوحة للغاضبين من السينمائيين والنقاد أتباع تشي جيفارا" فى إشارة إلى ما قام به الناقد رجاء النقاش من إعلان بيان جماعة السينما الجديدة بمجلة الكواكب وأفرد للجماعة عدة صفحات للتعبير عن أفكارهم وقدم لها بقوله، مجلة الغاضبين يحررها الشبان السينمائيون الذين يحملون رأيا جديدا فى السينما المصرية، ويتجمعون فى جماعة السينما الجديدةويمثلون فى نظرتهم الفنية صوتا غاضبا يريد أن يجدد فى السينما فنا وفكرا وصناعة. بعد ثلاثة أعداد فقط توقفت الكواكب عن نشر أفكار الغاضبين.

كما قال عنها  الناقد الكبير كمال رمزى فى مقدمة الكتاب ، عطيات الأبنودى مخرجة منحازة ومؤلفة منحازة كذلك. فى كتابها " السينما الثالثة" الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2012 ، وثقت تاريخا للسينما بانحياز تام للسينما الجديدة التى تهتم بالإنسان وتساند المتعبين والمهمشين فى نضالهم للعيش بكرامة .


    نشر بجريدة البوابة صفحة سينما الأربعاء 27 مايو 2015

عن كتاب مترجم " كتابة سيناريو الأفلام القصيرة "

رواية القصص بالصور
لقطة من فيلم كلب أندلسي
" كتابة سيناريوهات الأفلام القصيرة " من الكتب المترجمة الهامة التى يحتاجها صناع الفيلم القصير، ترجمه الناقد أحمد يوسف صاحب الدراسات والمقالات المؤلفة الهامة. 
يبدأ الكتاب بمقدمة المترجم التى تحدد أن السيناريو هو العمود الفقرى لأى عمل سينمائي ، والكتاب رغم أنه يحمل عنوان كتابة سيناريو الأفلام القصيرة إلا أنه يبدأ بالخطوط العريضة التى تشترك فيها كل الأفلام. ومن هذه الزاوية أرى أهمية الكتاب لكل مهتم بفن السينما سواء كان سيتخصص فى كتابة السيناريو أو سيخرج أفلاما قصيرة أو طويلة، وأجده مهما للناقد أيضا لكى يتمكن من فهم عملية بناء الفيلم قبل تحليله وتفكيكه. أما مقدمة المؤلفان فتبدأ بذكر أن الكتاب موجه أساسا إلى طلبة السينما والفيديو ، أو صناع الأفلام المستقلين بالسينما والفيديو. ومن هنا أرى أهميته الكبرى فى ظل تزايد عدد الراغبين من الشباب المصرى والعربى فى طرح أنفسهم كصناع سينما مستقلة ، مع ملاحظة أن مشاكل السيناريو تبرز كأهم مشكلة واضحة فيما ينتج من أفلام سواء كانت مشروعات للطلبة أم أفلاما مستقلة يهدف صانعها إلى طرح نفسه كصانع أفلام قادر على تقديم أفكاره عبر الصورة السينمائية.
كتاب شامل يصعب تلخيصه فكل فقرة فيه على درجة من الأهمية مع البدء بعرض تاريخى عن تطور الفيلم القصير وكيف أن السينما كفن بدأت بأفلام قصيرة قدر استيعاب خزانة الكاميرا وفى عصر السينما الصامتة. وبالطبع هناك عنوان هام عن علاقة الفيلم الطويل بالقصير ويطرح سؤال هل الفيلم القصير تنويعات على سمات الفيلم الطويل؟ لينتهى إلى استنتاج عام بأن الفيلم القصير أكثر بساطة وحرية. وبشكل عام ينجح سيناريو الفيلم القصير مثله مثل القصة القصيرة عندما تكون الحبكة غير معقدة ، ومعتمدا على الصورة بشكل رئيس. فسيناريو الفيلم القصير هو رواية القصص بالصور. إن كتابة السيناريو تعنى الكتابة لوسيط يستخدم الصور المتحركة لكى يوحى بالمعنى، وهذه الصور والطريقة التى تجتمع بها معا ، هى لغة السينما ".
يحفل الكتاب بتدريبات على الكتابة كما يقدم نماذج لسيناريوهات لعدد من الأفلام القصيرة الناجحة ومنها ما عرفناه فى بداية السينما " كلب أندلسي" ذلك الفيلم الذى اشترك فيه لوى بانويل وسفادور دالى وهو الفيلم الذى يدرسه الطلاب لأهميته التاريخية حيث ينجح فى إحداث صدمة للمشاهد . وكيف أن" كلب أندلسي" يبقى بسبب تحطيمه للتقاليد الروائية المرتبطة عادة بالسينما، تجربة فى الشكل أكثر من كونه دراسة حالة لكتابة سيناريو ناجح لفيلم قصير. وكيف أنه خلق علاقة متماسكة بين السينما والفنون البصرية والاهتمام المتزايد بالعلاج النفسي فيها ، وكيف أصبح مصدرا مستمرا للأفلام القصيرة. 
طوال قراءتى للكتاب كان خطا موازيا للمعلومات الواردة فيه رجوعا لتاريخ كبار مخرجينا الذين بدأوا بأفلام قصيرة قبل إخراج أعمالهم الطويلة وخاصة أجيال خريجى معهد السينما الأوائل مثل أشرف فهمى وحتى المخرجين الجدد وآخرهم على الساحة هالة لطفى . وكيف أننى أهتم بهذا النوع الفيلمى وأنوى التفرغ لكتاب خاص به مرتبطا بتاريخ السينما فى مصر.
الكتاب مفيد فى إعادة تعريف المصطلحات السائدة مع فن السينما وأتوقف لأعرض شرحا لمصطلح الميلودراما  والمعنون بفقرة " أناس واقعيون فى مواقف واقعية" وينتهى إلى أنها أشكال مضخمة للواقع وهى فى جوهرها مرتبطة تماما بمفهوم القابلية للوجود والقابلية للتصديق ، أكاد أسمع جمهورنا وهو يردد " كل ده فعلا بيحصل كده وأكثرمن كده كمان ". فى الميلودرامت الشخصيات مرسومة جيدا وانسانية تماما ويكم جوهر اندماجنا معها كمتفرجين إلى معرفتنا بهؤلاء الناس، إنهم أنت وأنا . أتذكر الآن مثالا تحليليا لوليد الخشاب فى مديح الميلودراما التى ينظر إليها بعض السينمائيين باحتقار باعتبارها سائدة فى الأفلام الشعبية التى تنجح مع الناس ، ويخلو منها أفلام أخرى نسميها أفلام المهرجانات. كتاب " سيناريو الفيلم القصير" يصالحك على الميلودراما المرتبطة بصفة الواقعية وأفلام عن وقائع حدثت بالفعل.
وتحت عنوان تعريفات أساسية هناك شرح لبعض المصطلحات المهمة والتى ستستخدم فى الكتاب مثل البطل " بروتاجونيست" والبطل الضد " انتاجونيست" والذى يدور بينهما الصراع، وأيضا مصطلح المشهد والحدث الدرامى والذروة ويعرج إلى أنه ومنذ بداية صناعة السينما فالرواية والمسرحية مصدرا مشروعا وناجحا للقصة السينمائبة. ويلجأ المؤلفات إلى اقتباس جمل من مشاهير تؤسس لأفكار الكتاب وتنجح فى إقناع القاريء بمحتوياته. إذ يبدآن كل فصل بكلمة كحكمة  أورسون ويلز " أنت تحكم على الأفلام فى المقام الأول من خلال تأثيرها البصري وليس من خلال البحث عن المضمون " .

فى نهاية الكتاب قائمة بالمصطلحات السينمائية الأساسية أردف المترجم لمزيد من الدراسة والمترجم هو الناقد أحمد يوسف الحاصل على دبلوم الدراسات العليا من المعهد العالى للنقد الفنى بأكاديمية الفنون بالقاهرة عام 1975 وله العديد من الدراسات النقدية والمقالات فى السينما ومن ترجماته " تاريخ للسينما الروائية" عام 1999 ، وعدد كبير من الترجمات عن المركز القومى للترجمة بعضها نشر" فكرة الإخراج السينمائي" وبعضها قيد الترجمة. وله مؤلفات عن مخرجين مصريين عطيات الأبنودى وتوفيق صالح ومحمد خان. 

كتب مترجمة
كتابة سيناريوهات الأفلام القصيرة
تأليف بات كوبر وكين دانسايجر ، ترجمة أحمد يوسف

الهيئة المصرية العامة للكتاب  2011 . 
نشر المقال بجريدة القاهرة الثلاثاء 26 مايو 2015