مستقلون يعملون دون حركة نقدية موازية
كنت أراجع كتاباتى القديمة لأختار منها ما أضيفه للمدونة فوجدت مقالا لى عن السينما المستقلة نشر بمجلة "أبيض وأسود" التى تصدر عن قصر السينما، وكان المقال قد طلبه منى شريف.. واستوقفتنى الفقرة: " تكون مستقلا حينما يكون بداخلك قدر من التمرد والرغبة في التواجد بشروط مختلفة عما يفرضه عليك النظام السائد.
وتكون مستقلا حين تطلق العنان لقدرات التجريب داخلك، وتطرح القواعد جانبا، ويخرج طير الحرية من رأسك، فتسمح لأفكارك بالانطلاق، وتتبع -قلبك- إحساسك، لا تضع عينيك على سوق أو جمهور أو مهرجان تحصل منه على جائزة." وقفز لذهنى ابراهيم بطوط وعمله الرائع "عين شمس " وقبله إيثاكى .
وفكرت هؤلاء بالفعل هم جنود ثورة الديجتال وحركة الاستقلال عن السينما السائدة. ولكن أين النقاد، إذا كان هناك تيار إبداعى جديد فأين الحركة النقدية المصاحبة لها. حين ظهرت كتابات عن سينما الديجيتال لكل من د. صبحى شفيق صاحب فيلم التلاقى والسينمائي المخضرم"77 سنة الآن " ومعه المخرج التسجيلى هاشم النحاس المترجم والباحث "72 سنة الآن" كتب أحمد رشوان فى الحياة مقالا بعنوان "ثورة الديجيتال لثوار ثورة 19 و52 " مستنكرا تبنى الأساتذة الكبار لحركة الديجيتال، حسنا أيها الشاب الهمام هيا ،الساحة متروكة لك. فى إطار مهرجان الإسماعيلية الدولى أشرف أحمد رشوان على ندوة دولية للسينما المستقلة، وكانت مبارزة انتصر فيها الثوار القدامى وأزاح مُنظر منهم الشباب عن المشهد، وتركه فراغا كاملا دون تواجد لأحد من أى جيل. تسارعت تطورات الديجتال تقنيا ، ولم نسمع شيئا أو نقرأ تحديدا أى نقد أو تبشير بتجارب الديجتال للشباب الواعد ممن يناسبونهم فى العمر، بل انصرف البعض ممن ظهرت لهم بدايات نقدية، وتحولوا هم أيضا للإبداع، أحمد رشوان نفسه بدأ مخرجا، له اسهامته النقدية، ثم ركز أكثر فى كتابة أعماله وإخراجها، أحمد حسونة حين كتب عن السينما المستقلة بدا وكأنه لم يسمع عن أحد غيره ونصب نفسه رائدا لها، محمد ممدوح اجتهد قليلا ثم دخل حقل الصناعة وقدم فيلما مستقلا واحدا " الآتى " عن رواية غير مكتملة له، ثم أنتج له المركز القومى فيلما قصيرا، واندمج فى أفلام تسجيلية لحساب الجزيرة الوثائقية. الثلاثة أحمد رشوان، أحمد حسونة ومحمد ممدوح أعضاء عاملين فى "جمعية نقاد السينما المصريين " إفكا عضو الفيبريسى"اتحاد الصحافة السينمائية الدولية" حتى أن ممدوح عضو حالى لمجلس إدارة الجمعية وإن كان مشغولا بعمله الإخراجى دون مساحة للنقد فى نشاطه. هؤلاء وغيرهم ممن يمكن أن تجمهعم تجربة "جود نيوز" يقسمون نشاطهم بين النقد والإبداع، محمد حماد، وائل حمدى مثالا. وهكذا لم تتبلور حركة نقدية شابة مواكبة للتجارب المستقلة أو المختلفة كما حدث مع جيل الثمانينيات والذين وجدوا فى سمير فريد وسامى السلامونى وآخرين سندا قويا لهم، الناقد الكبير سمير فريد-الذى يعتز بكونه صحفى ولا يرغب فى لعب دور آخر- قدمهم للناس وسلط الأضواء عليهم وهو صاحب الاصطلاح النقدى عنهم "الواقعية المصرية الجديدة ". بينما لن تجد جيلا من النقاد ظهر مع البطوط وتامر عزت وأحمد عبد الله فى محاولاتهم لشق طريق مختلف للسينما المصرية. هناك بالطبع بعض الكتابات ولكنها لا تبلور حركة نقدية موازية ويبدو أنها غير مؤثرة بدليل ما حدث بندوة فيلم "عين شمس " فى مهرجان جمعية الفيلم من عدم تفهم كثير من الحضور للأسلوب المختلف للفيلم عن السينما السائدة، كما أصرالبعض على اعتباره فيلما تسجيليا، تقليلا منه بالطبع. وما حدث أيضا فى النقاش الدائر بجمعية النقاد فى اللقاء السنوى لاختيار أفضل فيلم عرض فى السنة السابقة، وأسفر عن حصول الفيلم على تنويه خاص فقط بينما حصل "واحد صفر "على أفضل فيلم بفارق صوت واحد.
بالبحث عن الفيلمين "إيثاكى 2005" و "عين شمس 2007 " نجد أن سمير فريد ما زال المساند الأكبر للتجارب الجديدة فى مصر، كما سنجد د. رفيق الصبان داعما قويا لها ،وهناك كتابات لشيماء سليم وانتصار صالح، وعدد من النقاد العرب يكتبون عندما تعرض الأفلام فى مهرجانات يحضرونها. بينما اختفى النقاد الشباب أو انشغلوا بأفلامهم.
ابراهيم البطوط بدأ عام 2005 حركة الاستقلال فى السينما المصرية ومعه أحمد عبد الله، وتامر السعيد، وتامر عزت، وهالة لطفى. وغيرهم كثيرمن الواعدين. عمل ابراهيم بطوط منذ 1989 كمراسل حربى وكما صرح بنفسه فقد صور صدام حسين فى عنفوانه ثم شاهد حادث إعدامه، صورحروبا كثيرة، ولد ببورسعيد وعاصر الوحدة مع العراق صغيرا ثم فى شبابه مر بجوار الجيش المصرى وشاهده يأسرعراقيين فى الكويت، عاش كثيرا من التناقضات، وبدلا من الانسحاب أو الجنون فكر فى "إيثاكى" بادئا بما يعرفه، ومتعاملا مع من حوله من أصدقاء، بدون أى حسابات كأن يسأل نفسه لمن أقدم هذا الفيلم، وكيف سيسوقه، أدخل حيرته الشخصية وجعل الممثل أحمد كمال يقوم بدوره، مخرج قضى وقتا فى تصوير الحروب والكوارث الطبيعية وجاء الوقت لينقل خبرته عبر السينما ولكن بدون القوالب المعتادة كل يقوم بدوره فى الحياة، أو بدور قريب منه فكان إيثاكى.
وفى "عين شمس" بلور فكرته ونجح مع سيناريو لتامر السعيد فى نقل عصارة تجربته إلى عدد أكبر من المتلقين، كان البعض منا يهتف فى مظاهرات الغضب ضد اجتياح العراق"اللى بيحصل فى العراق بكرة هيحصل فى الوراق". لمن لا يعرف الوراق فهى حى شعبى فى القاهرة قريبة من حى المهندسين الراقى موضوعة فى الهتاف لزوم السجع،.هذا المعنى تحديدا بلوره المخرج فى فيلمه، فباختصار شديد يخبرنا البطوط أننا يجب أن نهتم بما حدث فى العراق لأن دعوة تحريرها الكاذبة للاستيلاء على بترولها تقترب منا هنا فى القاهرة. مرض السرطان المتفشى نتيجة استخدام أسلحة محظورة وتجريبها فى العراق تسبب السرطان وخاصة لدى الأطفال. وفى مصر يقوم الفساد واستيراد الأغذية المسرطنة للتربح يقوم الفساد بنشر السرطان فى مصر أيضا. لا يتركنا البطوط فى حيرة الاستنتاج بل يربط بين الحدثين فى العراق ومصر ويعلق بالصوت ليزيد الأمور توضيحا. وخلافا للفكرة المنحازة ضد الفساد والقهر فالبطوط يعتمد على ممثلين غير معروفين ويصور بكاميرا الديجيتال. والأهم أنه لا يربط فيلمه بنص مسبق بل يعتمد فى توجيهه لأبطال فيلمه على الارتجال فى حدود المعنى المراد توصيله.
يستعد البطوط لإنهاء فيلمه الثالث "الحاوى " مستمرا فى طريق بدأه فى "إيثاكى" ومستخلصا العبرة من "عين شمس " . أرجو أن تواكب فيلمه"الحاوى" وفيلم تامر عزت"طريق الخاتم" الذى يعده حاليا وفيلم تامر السعيد ، وغيرها من التجارب السينمائية الاهتمام النقدى الذى يتعامل مع العمل الفنى ليس بغرض التبشير فقط، بل بممارسة الدور الحقيقى للنقد فى قراءة العمل الفنى وتحليله لتكتمل الدائرة بين النقد والإبداع .
صفاء الليثى
safaaelaisy@hotmail.com
