Thursday, 1 September 2011

صورة السينما فى مسلسلات رمضان

فتيات وشباب يضيئون الشاشة الصغيرة
يأتى رمضان هذا العام بعد ثورة 5 يناير وفى شهر أغسطس الأطول نهارا على مدى العام والأشد حرارة، فلا بأس من أجازة للصيف وللصيام معا. سمعت كثيرين يرددون أن رمضان ليس له نفس البهجة السابقة فى زينة الشوارع وفى الفوانيس المعلقة فى الحارات، بنايتى التى أقطن بها وتعود لصندوق تأمين ضباط الشرطة لم تضع الفانوس الضخم مصرى الطراز كما الأعوام السابقة، عبثا حاولت عائلتلى أن تسأل عن السبب، والذى نخمن أنه بسبب حزن ضباط الشرطة على كسر شوكتهم بعد ثورة 25 يناير. أتابع التلفزيون بكثافة وأعتبرها فترة أجازة إجبارية من أفلام السينما ومن القراءة، ولكن السينما لم تعطنى أجازة فقد لاحقتنى صورتها من خلال مسلسل " المواطن إكس" بحركة كاميرا مهتزة عمدا فى شكل جمالى مقصود وبإضاءة درامية جعلت الصورة يغلب عليها درجات من الرماديات والبنيات. للمسلسل مخرجين واثنين من ألمع مديرى التصوير السينمائى من الشباب المصرى صلاح يعقوب وأحمد جابر، تفاصيل الصورة من الاكسسوار والديكور معتنى بها بشكل فائق، حاولت أن أعرف لمن هذه الصورة هل هى للمخرج عثمان أبولبن أم للمخرج محمد بكير، هل هذا المشهد مسئولية يعقوب أم جابر؟. المؤكد أن دورا كبيرا تم فى المونتاج وضبط الإضاءة ليخرج المسلسل فى أسلوب متسق وجديد تماما على الشاشة الصغيرة. 
الموضوع الذى ألفه محمد ناير يحيلنا لقضية خالد سعيد، هو فى المسلسل أحمد قاسم، البطولة جماعية لشباب يصعب أن نفاضل بينهم فكل فى دوره مناسب تماما فتيات وشباب، الكبار يؤدون بشكل مختلف تماما يجعلنا ننسى ما قدموه من أدوار قد تتشابه فى مسلسلات سابقة. يكاد يكون " المواطن إكس" هو الأقرب لفن ما بعد الثورة شكلا وموضوعا لا ينافسه فى هذا سوى "دوران شبرا" حسب قدرتى على المتابعة. وهو الإسهام الأول لجابى خورى فى عالم الدراما التلفزيونية، التأليف ممتاز حيث يتجسد عالم شبرا بمواطنيه من مسلمين ومسيحيين، مشاكلهم واحدة وعلاقتهم صادقة، عفاف شعيب ودلال عبد العزيز جارتين تجمعهما بناية فى شبرا تمثل كل الطبقات وتعكس كثيرا من المشاكل المصرية، ومشاكل أبناء المغتربين أيضا والاختلافات الثقافية. لأول مرة يلفت انتباه الجمهور والنقاد هذا التوفيق الشديد فى اختيار الممثلين، كل يناسب دوره وكأنه خُلق له. المخرج خالد الحجر يتمتع بصفة التواضع يبرر نجاحه فى اختيار طاقم عمله بأنه عمل فى "كاستنج-اختيار الممثلين- مع يوسف شاهين"، ولكنه تجاوز أستاذه ولم يصبغهم بطريقة أداء واحدة، بل كان الاجتهاد واضح للجميع، الامتياز فى اختيار أدوار لوجوه تعبر عن المراهقين فتيانا وفتيات، نموذج الفتاة التى تعمل فى مقهى الانترنت من لحم ودم، كما لم تقدم سابقا، ناصر –هيثم أحمد زكى- بشخصية مركبة عائد من السجن، مراقب من البوليس، مجبر على العمل كمرشد، تتملكه روح الانتقام، حورية التى انتظرته عشر سنين ولكنها مستمرة فى خدمة البيوت لتربى أخيها يوسف الذكى، اختار المخرج شابا يملأ وجهه حب الشباب بشعر أسود مجعد، مصرى ككل من تصادفهم فى شوارع المحروسة. هذا المسلسل يمتاز ببراعة رسم شخصياته بكل أبعادها الإنسانية بعيدا عن التنميط المعتاد فى الدراما التقليدية والذى نجده فى مسلسلات أخرى تحظى بمشاهدات أكبر من جمهور اعتاد على متابعة أعمال يجدها سوقية ومبالغة ولكنها تحقق له تسلية، البعض يبرر متابعته لها بأنها كوميدية وأنه لا يأخذها على محمل الجد. ولكن أعدادا متزايدة من الجمهور يمكن تربيتها الآن على فن بديل للدراما التلفزيونية ظهرت بوادره منذ العام الماضى مع أهل كايرو ويتأكد هذا العام مع " دوران شبرا" " و"المواطن إكس. أمكن الاستمتاع بفن السينما واضحيا جليا فى أعمال بالتفزيون. ليس فى الدراما وحدها بل ظهرت أيضا مع " الست كوم" الكوميدى الباب فى الباب لمخرجه أسامة العبد الذى ساعد داوود فى عمله الأخير "رسائل بحر" وعرفناه مخرجا لأفلام قصيرة متميزة، العبد مع المشرف على الكتابة الصحفى وائل حمدى يقدمان كوميديا بالغة الرقى برع فيها كل الأبطال" شريف سلامة، كارولين خليل، ليلى طاهر،أحمد خليل وهشام إسماعيل" ورغم أن هذا الشكل الفنى مأخوذ عن أعمال أجنبية إلا أن التأليف الذى صيغ بطريقة ورشة الكتابة نجح فى تقديم مواقف مصرية، برع من كُتاب العمل محمد رجاء الذى عرفناه ناقدا له أسلوبه الخاص وله كتاب عن المخرج داوود عبد السيد أصدره المهرجان القومى للسينما المصرية بمناسبة تكريمه. رمضان بالمصرى –كما يقول الإعلان- مختلف بعد الثورة وستتضح أشكال الاختلاف فى الأعوام القادمة مع اقتحام للمتخصصين فى الصورة السينمائية كتابا ومصورين ومخرجين ومونتيرين وواضعى موسيقى تصويرية للشاشة الصغيرة، ومع دخول منتجى السينما المجال برغبتهم فى تقديم أعمال تناسب تاريخهم مع فن الصورة، الذى يتحول ويتغير مع تقدم تقنيات الصورة الرقمية والتطور المتسارع فى أدواتها فى التصوير والمونتاج. تقف هذه الأعمال بصورتها الخاصة مع أعمال أخرى تتسم بالتقليدية ولكنها لا تخلو من متعة كمسلسل شارع عبد العزيز والريان.
أما المسلسلات التى تروج لتعدد الزوجات وتحفل بمشاهد من الردح فللأسف مازالت تحظى بمشاهدة عالية وهى تدس السم فى العسل وتصور تجار البودرة والمخدرات فى رفاهية وتركز على بعض الصفات الإيجابية فى شخصياتهم، فتكون المحصلة النهائية أمام المشاهد السلبى احتفاء بالذكورة والقدرة على الكسب من أى مجال. والأفضل الانتظار فى الحكم عليها حتى ينتهى عرضها ونعرف الرسالة الأخيرة التى تطرحها.

Tuesday, 12 July 2011

ذكريات مع السينما 2



رحلتى من المونتاج إلى النقد السينمائى


جاءنى اتصال من أنطوانيت عازرية السورية زميلة الدفعة بوجودها مع فيلم "ليالى ابن آوى" بمهرجان القاهرة، لست متأكدة من التاريخ هل كان 1989 أم 1990، ما أذكره جيدا أنه كانت قد مرت 17 عاما بين آخر لقاء لى مع أنطوانيت قبل تخرجنا بعام واحد، تواصل الحديث بيننا وكأننا كنا معا طوال هذه السنوات. كنت فى نهاية مرحلة عملى كمساعد فى المونتاج - يطلق عليه عندنا مونتير مساعد – كان التعليق الأول شكلك ما اتغيرش، زدت كام كيلو، وكانت عينا أنطوانيت النجلاوتان تبرقان بنفس الحماسة وكنت أنا اتهديت، مجهدة برعاية ثلاثة أبناء مع العمل فى المونتاج. سرنا فى الطريق إلى قاعة المؤتمرات بمدينة نصر حيث كان يقام المهرجان وقتها، كانت المرة الأولى لى بعد انقطاع أن أحضر عرضا يجمعنى مع الزملاء، تقابلنا مع إيناس الدغيدى زميلة الدفعة التى شرخت مع السينما كمخرجة تملأ أخبارها الدنيا، إيناس تسير ببنطلون استريتش - وكان موضة انتشرت فى نهاية الثمانينيات- وبلوفر به فرو، مع زوجها والممثلة رغدة، كانت أنطوانيت قد قابلت إيناس فى أكثر من مناسبة بدمشق، وفى الطريق للحاق بالفيلم تبادلتا الدعابات، وأنا هادئة أشعر بالغربة، فى نهاية الفيلم انحنت إيناس– هى فارعة الطول وأنا قصيرة القامة- لتقول لى تعليقا على الفيلم "لذيذ"، كمن يتحدث عن عمل عليها مجاملته، عمل بدائى، ظلت كلمتها فى رأسى، أندهش من اتفاقى معها فعندى مشكلة مع السينما السورية والميل للرمز، المؤثرات كانت مخلقة فى الاستديو وليس بها حيوية شريط الصوت فى أفلامنا المصرية، كنت وقتها أقوم بعمل المونتير المساعد فى فيلم "كابوريا" حيث أقوم بتركيب شرائط الصوت بما أمدنى به خيرى بشارة، بخبرته مع الأفلام التسجيلية كانت اللكمات حقيقية وليست تلك الزائفة المستخدمة عادة فى السينما السائدة، والأغانى وكل تفاصيل الصوت مجهزة بعناية، وما علىّ سوى تركيبها، مونتاج الصوت كان جزءا من مهام مساعد المونتير، وهو عمل أعتز به كثيرا لم يلتفت إليه فى مصر، وأصبح الآن من مهام من يسمى مصمم الصوت. أعود لإيناس بداخلى ابتسامة، معها حق، ألم تقدم أربعة أفلام حتى الآن؟!  إيناس واثقة جدا من نفسها ولكنها بسيطة ولا تهتم برأى الآخرين بها ولا بتجاهلهم، وهو ما أفعله عادة معها، فعندى مشكلة فى عدم القدرة على التعامل مع المخالفين لى فى الرأى، الأمر مختلف مع أنطوانيت، نتفاهم حتى بدون كلام رغم عدم إعجابى بأغلب الأفلام السورية، أفضل فيلم نبيل المالح "كومبارس" عن أفلام عظمائهم مثل محمد ملص وأسامة محمد.
عادت إلى الحيوية تدريجيا مع عروض المهرجان، وعاد إلى الهوس بالسينما، فى العام التالى انتظمت مع نادية شكرى فى الذهاب، كنا نتقابل أمام مجمع المونتاج، تنتظرنى على السلم وتقول للزملاء – رايحين نتثقف- كنت كأهل الكهف لا أفهم ما تقصده، بالنسبة للبعض أفلام مهرجان القاهرة غير مراقبة، يعنى فيها مناظر. كان هذا أبعد ما يكون عن تفكيرى، مرة كنا نحضر عرضا بسينما التحرير بالدقى، وكنت أقوم بترجمة سريعة للفيلم لنادية شكرى، وكانت معنا أيضا عنايات السايس المونتيرة العصامية وكانت صديقة لنادية، قلت لهما هناك كلمة تتكرر كثيرا لا أعرفها، غمزتنى نادية وقالت أنا هقولك عليها، كانت المرة الأولى التى أسمع  فيها كلمة "
Fuck"  تتكرر فى حوار بالأفلام. وهكذا كنت أذهب مع نادية بسيارتها الصفراء الصغيرة، ثم نصعد سيرا على الأقدام تلا مرتفعا للوصول لقاعات العرض. تتألم نادية فقد أصابها مرض الروماتويد اللعين الذى يصيب المفاصل، كان لمهرجان القاهرة مذاق مختلف فى منفاه هذا بمدينة نصر بعيدا عن قلب العاصمة، وتم نقله لمنطقة الأوبرا بعد احتجاج الصحفيين لبعده عن صحفهم. لم نتفارق أنا ونادية وبعد كل فيلم كانت ناقدتان شهيرتان تسألاننا عن رأينا فأنبرى بصبيانية بالتعبير بحماسة عن رأى، مرة أخرى تقرصنى نادية شكرى، هذه المرة لتطلب منى أن أوجز فى رأى لأنهم يأخذون ما نقوله ويقولونه فى التلفزيون باعتباره رأيهما. صناع السينما لديهم ثقة أنهم يستوعبون الأفلام أفضل من الصحفيين ومن كثير من النقاد. خبرتنا فى تركيب الأفلام تجعلنا قادرين على تفكيكه ومن ثم تحليله وتقديم رؤية نقدية عنه. لم أكف عن النقد الشفاهى للأفلام، قالت لى وفاء حلمى- كاتبة بالعربى الناصرى- "انت لازم تكتبى، انت بتعرفى تعبرى عن رأيك".  متابعة مهرجان القاهرة كان متعة كبيرة لى، عدد من الأفلام يظل باقيا فى رأسى وكأنه حياة عشتها فعلا وليس صورا خيالية على شاشة الخيالة. من هذه الأفلام الفيلم المكسيكى" مثل الماء للشوكولاته"،  
أذكر أننى كنت فى صف وراء أمير العمرى وعرب لطفى، عرب كانت تنتقد حديثى بصوت مرتفع فى الفواصل بين الأفلام، ونحن ننتظر بدأ العرض كان العمرى يدلى برأيه فى أمر ما بصوت سمعه كل من حوله، قلت لعرب لست وحدى صاحبة الصوت المرتفع، لقد سمعت حديثكما كله.
 كنت أعرف أمير العمرى عن بعد وأجده نجما فى النقد وأسمع عن دوره فى نادى سينما الجامعة، كنا طلاب الأكاديمية فى منطقة الهرم البعيدة عن قلب المدن الجامعية نحسد زملاءنا المتواجدين فى قلب الأحداث السياسية لطلاب الجامعات وقتها، وننظر إليهم كما ننظر إلى المناضلين الذين شاهدناهم فى أفلام أوربية، ولهذا شعرت بالراحة أن يكون لهذا المناضل نفس عيبى الكبير، الصراحة المطلقة والتعبير بصوت مرتفع.
بجوارى أنا ونادية شكرى محمد خان والكاتبة سلوى نعيمى السورية التى تعيش فى باريس وتزور القاهرة دائما فى هذا الوقت نهاية نوفمبر وديسمبر، هل معك لبان؟، نتبادل اللبان والبسكوت لأننا نحتاج طاقة صغيرة لمواصلة المتابعة لثلاثة أو أربعة أفلام كل يوم، الأمر مجهد ومكلف ولكنه أيضا ممتع جدا، التواجد فى المهرجان ليس فقط لمتابعة عروض، إنها كرنفالات وموالد لا تقل بهجة عن الموالد الدينية التى حضرتها ببلدتى فى المنوفية.
من التركيب إلى التفكيك
لم أكن أعرف سهام عبد السلام جيدا، وذات مرة عبرت فى ندوة حول فيلم جزائرى عن رأيى، وقامت سهام وقالت أعجبتنى قراءة صفاء للفيلم ولكنى عندى قراءة أخرى، أعجبنى تعبيرها ولم أنسه يوما، الفيلم ككتاب يُقرأ لمرة واحدة متصلة، كل منا يقرأه ويفسره على هواه، تفسيراتى تجنح إلى كثير من الشطحات، البعض يعجب بها وتستفز البعض الآخر، المخرج مجدى أحمد على قال لى مرة بغضب "انت بتشوفى على كيفك" وقبل أن أرد انبرت سهام عبد السلام وفريدة مرعى مدافعات "أمال تشوف على كيفك انت". كانت فريدة قد انضمت إلى الصديقات المتابعات لأنشطة المهرجان، فى الحقيقة أنا التى انضممت إليهما، فقد كانت سهام وفريدة تتعاونان فى العمل بالمهرجانات، تشاركتا معا فى مهرجان الإسماعيلية فى دورته الثانية  على ما أظن،  وكنت وقتها أقوم بعمل مونتاج فيلمى الأول " الحجر الداير" وعدت إلى التركيب وركنت التفكيك (النقد) جانبا، حتى عاد لى بقوة مع أزمة فيلم "هيستريا" عام 1998.

ملاحظة مجدى التى ذكرتها ليس هذا زمنها، وقد قيلت لى فى وقت لاحق بعدما كتبت سلسلة مقالات فى "الفن السابع" تحت عنوان "جماليات السينما التسجيلية" عام 1999، الذاكرة فى دماغى لا تعمل طبقا للتواريخ، تتداعى لى الأفكار ويقوم العقل بتقديمها وتأخيرها طبقا للمزاج، أفهم جيدا طريقة السرد التى لاتتبع خطا زمنيا وأتوحد معه، وأطلب من القاريء أن يتفهم تداعياتى، وأن يتابعنى بينما أتنقل بين السرد بأسلوب المتكلم، وبين الحكى وأطلب من السيد رئيس التحرير عدم التدخل، وليتركنى لمسئوليتى أمام قرائى، فإما أن ينصرفوا عنى، أو يتابعونى ويسبحوا مع تداعى أفكارى متفهمين حريتى فى القفز فوق محطات الذاكرة. كان أول مقالاتى كناقدة هو:
" المونتير ليس حاويا ، والمونتاج يبدأ من السيناريو".
فى مقر جمعية السينمائيات بالدقى جمعتنى مع هالة خليل مناقشة حول اتهام المنتجة ناهد فريد شوقى المونتاج بإفساد فيلم " هيستريا " العمل الأول لعادل أديب ومونتاج منى ربيع، قيل إنها أتت إلى مجمع المونتاج وقالت إنها ستقبل عتباته وتعتذر من شيوخ المونتيرين الذين تركتهم -استجابة لرغبة المخرج- وتركت الموفيولا ليتم مونتاج الفيلم على أجهزة المونتاج الحديثة، كان كريم جمال الدين قد أسس شركته "الإكسير" وأحضر أجهزة مونتاج غير خطى- غير ميكانيكى- فى فيلا أنيقة بطراز حسن فتحى المعمارى وعين بها خريجى المعهد العالى للسينما للعمل بالطرق الحديثة فى المونتاج. كانت هذه الثورة التقنية تقابل بالرفض الشرس من المونتيرين التقليديين، وخاصة أن أغلبهم اكتسب خبرته دون دراسة، كان صعبا على المونتيرة الكبيرة رشيدة عبد السلام أن تترك "المافيولا" كما كانت تنطقها شوشو، لتعمل على هذا المونيتور الذى بالكاد يشبه تلفزيونا 16 بوصة. وكانت آرائهم كومنتيرين كبار أن عدم نجاح الفيلم –تجاريا- سببه المونتاج والعيال وأجهزتهم الحديثة. وقد أخذتنى حماسة الدفاع عن فن المونتاج ورفض القول بأنه أفسد الفيلم. وحين عبرت عن رأيى لهالة خليل- وكانت قدمت فيلمها القصير الناجح " طيرى يا طيارة " فقالت اكتبى ده، وبعدما كتبت قامت هى بعمل المونتاج على ماكتبته، حيث أشارت على الفقرة الثانية وطلبت منى أن أضعها فى مقدمة المقال. باقتراح من سيد سعيد سلمت المقال لمجلة الفن السابع، كان أسامة عبد الفتاح مدير التحرير وقتها وكنت قد نشرت مقالا سابقا فى مجلة سطور. كانت أزمة فيلم "هيستريا" محتدة ووجدته إدارة التحرير مقالا مناسبا وصفه الكردوسى على طريقة " شهد شاهد من أهلها"، كنت معجبة بالفيلم فعلا وبغناء أحمد زكى الذى يشبه ما يقوم به مطربو ثورة 25 يناير الآن، غناء بصوت مجروح به شجن . يحكى هيستريا عن أحمد زكى مطرب مترو الأنفاق  الذى يكافح من أجل مكان تحت الشمس وجده النقاد واحد من أفضل أفلام عام 1998. فاز الفيلم الذى أخرجه عادل أديب بجائزة أفضل فيلم وأفضل اخراج فى المهرجان القومى الرابع للسينما المصرية فى نفس العام الذى فاز فيها فيلم المصير ليوسف شاهين بالجائزة الثانية.نتائج القومى أعطتنى الثقة فى حكمى على الأفلام رغم كراهيتى لوصف الناقد بأنه قاضى للفن.
 وانفتحت رغبتى فى التعبير بادئة بعدة مقالات عن المونتاج حتى طلب منى الكردوسى التوسع وكتابة مقالات أطول ، فأعددت دراسة عن نيازى مصطفى وفيلمه " رصيف نمرة خمسة" فى العدد الخاص بالرواد.
كنت فى هذه الفترة على علاقة وطيدة بالمخرجة هالة خليل، تربطنى بها صداقة حقيقية، على ما يبدو أن انقطاعى عن الحياة العامة وتفرغى بالمنزل لرعاية الأولاد لعدة سنوات جعلنى أتواصل روحيا وفكريا مع جيل التسعينيات، وأتحرك كأننى واحدة من جيلهم. بل كانت خبرتهم العملية وذكاؤهم الاجتماعى يفوقنى. ذات مرة كنت معها بمبنى جريدة الأهرام، أسامة عبد الفتاح و سعد القرش يتعاركان حول من منهما اكتشفنى كناقدة، هالة لاحظت نظرتى الفرحة بهذه المعركة، أسعد جدا إذا أعجب أحد بما أكتبه، رغبتى أن أكون " الكاتبة " تفوق كافة رغباتى السابقة، عالمة الذرة مستقبلا، أو المونتيرة، أو ربة البيت. ذكرت مرة للمخرجة هالة لطفى- وهى أيضا صديقة- أننى أشعر بأنوثتى إذا أثنى أحدهم على ما أكتب، ضحكت هالة ساخرة، ضحكت وكأنها تدرك هذا جيدا. الكاتبة صفاء الليثى كان رغبة حققتها لا لكسب العيش ولكن لأشعر أننى أعيش. توالت مقالاتى حتى كلفت بالإشراف على باب مخصص للسينما التسجيلية، بالنقاش مع محمود الكردوسى رئيس تحرير الفن السابع ومع الأديب أحمد غريب- وكان يعمل معه وقتها- فضلنا أن يجمع الباب كل أنواع السينما غير الروائية الطويلة، وأسمينا الباب " السينما الأخرى". كان الباب ناجحا، نافذة لكل أعمال الشباب ليس من مصر فقط، ولكن ككل المجلات المتخصصة أغلقت الفن السابع، بعد العدد 45 ، ووجدتنى أبحث عن مكان أمارس فيه الحياة التى أحبها، أكتب عن السينما ،مهرجاناتها وأفلامها والحياة الواسعة التى تمنحها لنا.
" المتعة عالمية والبؤس عربى"
فى أخبار الأدب نشرت مقالا عن مشاهدات فى مهرجان القاهرة عام 2001 ، كان المقال بعنوان" المتعة عالمية والبؤس عربى، كان فيلم مالينا قد أصابنا بسحره، بينما فيلم سورى للمخرج غسان شميط بعنوان الطحين الأسود يفرض كآبته علينا، فكان المقال عن ترحيبى بجمال الفن ورقيه لصاحب سينما باراديزو جوسيبى تورناتورى، وقبح الادعاء فى الفيلم العربى. بعد فترة قابلت الطبيب الناقد د. أحمد عبد الله وأخبرنى أن مقالى دفعه للبحث عن فيلم "مالينا" ومشاهدته وكذا قال لى الناقد محمود عبد الرحيم، سعادتى لاتوصف وتذكرت تعريف سهام عبد السلام بالنقد: "تجربة إبداعية عاشها الناقد ويريد أن يشرك آخرين فيها"، هل ما أكتبه نقد حقا، المهم بالنسبة لى أن يُُقرأ وأن نتواصل معه رفضا أو قبولا. وهو ما يحدث دائما من التواصل عبر الكتابة حتى من أشخاص لم نلتق بهم أبدا. الناقد الكبير فاروق عبد القادر قال لى مرة، القارئ موجود لا تعرفين أبدا أين هو، موجود فى مكان ما ويصله ما تكتبينه بنفس الروح الذى يكتب به العمل، قلقى من اختلاط الأنواع الأدبية فيما أكتب أحيانا سألت عنه الناقد الكبير ابراهيم فتحى، فقال لم يعد هناك حد فاصل بين المقال والقصة القصيرة، كلها نصوص لا مشكلة فى اختلاطها، المهم أن يتواصل معها القارئ. بعض الكتاب يقرأ وفى ذهنه هذا القارئ وكثيرا ما يكتب الناقد أحمد يوسف فى مقاله مخاطبا قارئه،.. ستلاحظ عزيزى القارئ.. وهكذا يدرك الكاتب أنه لا قيمه لما يكتب دون وجود هذا المتلقى الذى لا يعرفه وإن كان يشعر بوجوده.
أنطوانيت عازريه
 أعود لأنطوانيت التى وجدت مناخا لتميزها فى سوريا فور تخرجها معنا من المعهد العالى للسينما دفعة 1975 محققة المرتبة الأولى علينا، كنا أربعة فقط فى القسم وكنت الأولى على القسم والدفعة فى السنة الثالثة التى قمنا فيها بالثورة على الأساتذة والمناهج، بادئين برفض الانتظام فى محاضرات الفنان التشكيلى يوسف فرنسيس وكنا نجده غير كفء، كانت عميدة الأكاديمية الكاتبة التقدمية لطيفة الزيات، والأديب يوسف السباعى وزيرا للثقافة، وقد تقابلنا معهما نحن المحتجين من المعهد أتزعمهم وأنطوانيت فى الصف الأول من المسيرة، تحدثت أنطوانيت بلكنتها المحببة وكانت نوعا خاصا من الفصحى قاطعها يوسف السباعى انت منين قالت من حلب، قال وأنا بقول العيون الحلوة دى منين، ضحكنا جميعا وتفرقت المظاهرة على وعد بالاستجابة لمطالبنا، وفعلا ألغيت مادة لا أذكر اسمها الآن، كل ما أذكره أن يوسف فرنسيس قد خرج باكيا، وكنا كوحوش صغار تأخذنا الحماسة فى هذه الفترة ونحن نقاوم السادات وسياساته، لم تكن مجموعة "دكاترة موسكو" قد وصلت المعهد بعد تخرجنا مباشرة قبل أن يتولوا مسئولية المعهد الذى تحول إلى مستشفى كما يحب الطلاب بعدنا تسميته، بعد امتلائه بحاملى شهادات الدكتوراة ممن يفتقد أغلبهم الخبرة العملية والموهبة، وإن كانوا يحملون شهادات نظرية. عملت أنطوانيت مع دكاترة موسكو السوريين، وطبقا لموقع المؤسسة العامة للسينما السورية فهى من مواليد حلب 1948، درست في المعهد العالي للسينما في القاهرة وتخرجت من قسم المونتاج سنة 1976 بعد أن قدمت ثلاثة أفلام عملية كمشاريع تخرج، وفاز فيلمها "حكاية ما جرى في مدينة نعم" الذي أخرجه المخرج محمد كامل القليوبي بجائزة مونتاج وإخراج بمهرجان السينما التسجيلية.
أول الأفلام التي عملت فيها بعد عودتها إلى سورية كان فيلم (الدجاج) للمخرج عمر إميرلاي، وفي عام 1977تم تعيينها في المؤسسة العامة للسينما ولا تزال تعمل فيها، قامت بمونتاج عدد كبير من الأفلام السورية الهامة منها: نجوم النهار لأسامة محمد، ليالي ابن أوى لعبد اللطيف عبد الحميد، الطحالب لريمون بطرس، اللجاة لرياض شيا وغيرها، وقد نالت جائزتي مونتاج عن فيلم نجوم النهار في مهرجان قرطاج السينمائي وعن فيلم اللجاة في مهرجان الإسكندرية كرمها مهرجان دمشق السينمائي عام 1995 عن مجمل أعمالها.
وعدت للالتقاء بها عام 2006 حين شاركت بفيلمها القصير"أبيض" بمهرجان الإسماعيلية، لم أعجب بالفيلم نهائيا، وسألت أنطوانيت زميلنا سيد: "صفاء تقول رأيها عن كل الأفلام فلماذا سكتت عن فيلمى؟". أسكت دائما عندما لا أتواصل مغ فيلم ما، وأثق بأننى لا أمتلك الصواب فى رأيى، فقراءة الأفلام تظل شأنا خاصا بكل متلقى، لم تكن لدينا مادة علمية فى النقد السينمائى، كانت هناك مادة التذوق السينمائى للدكتور رفيق الصبان، كانت أقرب إلى التحليل، تدريجيا أصبحت أقوم بتفكيك الأفلام بعد أن أمضيت عمرا فى تركيبها، ومن التركيب إلى التفكيك قطعت شوطا كبيرا يجعلنى أشعر بمتعة لا تقل عن متعة بناء الفيلم فى المونتاج.

Monday, 20 June 2011

سينمائيون فى الثورة


سينمائيون فى الثورة
" 18 يوما "

يقال دائما أن الهجوم خير وسيلة للدفاع، بمعنى من المعانى كان الهجوم المبكر على تجربة فيلم " 18 يوما " دافعا لى لتبنى الدفاع عن الفكرة مبكرا أيضا بداية من رفضى التوقيع على بيان أصدره عدد من السينمائيين لم يشاركوا فى التجربة يرفضون أن يمثل مصر فنانون قيل إنهم هاجموا الثورة والثوار وساندوا أركان النظام السابق ، رفضت التوقيع واعتبرت الأمر أشبه بحرب "ولاد الكار" على طريقة فيها لأخفيها. البداية كانت رفضى إدانة زملاء فى المهنة على مواقفهم، والنهاية كانت بقرار أن ألتقى بمن شاركوا فيها وأسمع منهم .
اخترت " شريف البندارى " صاحب التجربة الأحدث فى مشوار السينما من بين المشاركين الذى بادرنى بأن التجربة مهمة و ناجحة ومفيدة لأنه منذ فترة لا يوجد ما يسمى جيل ، وبعضنا يرفض أحيانا هذا المصطلح. وجدت أن تفاوت تجاربنا والاجتماع على مشروع واحد يمكن أن يكون تجربة عظيمة، عشر مخرجين، أو هى عشر فرق سينمائية تتجمع لتقدم عملا واحدا. خمسة من العشرة من مواليد عام واحد 1977 مع اختلاف تجاربهم مع السينما الطويلة وهم مروان حامد، مريم أبو عوف، أحمد عبد الله ، أحمد علاء ، وشريف البندارى: " تواجدت فى التحرير مثل كل الناس، لم أفكر فى عمل فيلم ، كنت زى اللى مضروب على دماغه، وسط أمر ضخم جدا، قريب منى جدا، أجدنى غير قادر على التفكير فى عمل أفلام. كنت شاهدت فيديو زمنه واحد دقيقة "هتكلم عن الثورة" وضع على اليوتيوب كرسالة لفنانى الثورة، يطلب منهم أن يأخذوا وقتهم وألا يتعجلوا فى عمل أفلام. ثم تلقيت مكالمة من يسرى نصر الله بعد أسبوعين من الثورة يدعونى للمشاركة فى فكرة عمل فيلم عن الثورة، أكد يسرى، بزيرو ميزانية، انت مع نفسك ،فقط لو احتجت كاميرا، معدات إضاءة، أو مساعدة فى المونتاج ، نصور أفلام لنعرضها فى اليوتيوب، ولو قدرنا نوزعها يذهب العائد للجرحى وضحايا الثورة. على المستوى الشخصى كتبت سيناريو وأخذت رأى يسرى وديا، كنت بين نارين، الانتظار حتى أفهم ما يحدث وأكون رأيا، وبين الرغبة فى المساهمة بدور  وأن تكون حصيلة بيع الأفلام لجرحى الثورة . أى عائد للأفلام حتى لو كانت قيمة جوائز سيكرس للثورة. هذا الهدف النبيل أنسانى قرار عدم فعل شيء الآن . نُبل فكرة عمل فيلم بزيرو ميزانية والعائد للصالح العام. وحتى انتهاء مونتاج فيلمى لم أكن أعرف شيئا عن التجارب الأخرى فى المشروع . أمر آخر من تحدى عمل الفيلم أن كل أعمالى السابقة عن تجارب شخصية، ساعة عصارى به جانب كبير من علاقتى بأبى، صباح الفل فيه من أمى، أما هنا فتجربتى بدأت بالفيلم بعد إنجازه. فى أعمالى السابقة كنت أقرر بقلبى وعقلى، فى هذه التجربة أتحرك بإحساسى فقط والقلب هو الذى يقرر. شغلنى كيف سأعبر عن هذا الحدث الرهيب، عن الميدان، شعرت أننى لو دخلت الميدان فستكون معركة خاسرة، فما يحدث أقوى من أى فيلم فقررت أن أكون خارج الميدان، خارج المظاهرات، خارج القاهرة مع واحد من حزب الكنبة- غير المشاركين فى الحدث-. وكتبت عن رجل عجوز فى مدينة السويس، وهو جد لطفل يصاب بوعكة صحية فجر 11 فبراير فيأخذه إلى مستشفى للعلاج ومع طريق العودة تبدأ أحداث الفيلم وقت حظر التجول. توقف البندارى عن قص فيلمه وجعلنى أشاهد نسخة غير منتهية من الفيلم من على جهاز الكومبيوتر المحمول، الفيلم لم يعرض بعد وركزت فى المشاهدة تتحرك أسئلة داخلى أثناءها، أهمها " لماذا لم ينزل الطفل ليقف بجوار الدبابة ويحقق رغبته؟" أدخل المخرج شخصيته فى متاهة، قرأتها كمتاهته هو حول الثورة بكاملها.  يلخص شريف فى 15 ق المحطات الرئيسة فى عناصر أجواء الثورة، معدات الجيش وجنوده فى شوارع مصر على حواجز، لجان شعبية تمارس دور حماية وظهرت كبديل عن البوليس، الليل فى مدينة لا تشبه العاصمة مع رجل وجد نفسه فى مشكلة مع حفيد يرعاه. ينتهى الفيلم وقد شقشق نور الصباح وتمكن الجد من الوصول لبيته بعد تحرك الدبابات، إظلام للصورة، بما يوحى انتهاه الفيلم دون أن يسمح الجد لحفيده بأخذ صورة مع الجيش. ولكن ها هى لقطة ثابتة للحفيد فوق دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك.  ارتحت لهذه النهاية التى كنت أنتظهرها طوال المشاهدة، أن يحقق الطفل رغبته ويأخذ صورة بجوار الدبابة وعساكر الجيش بأسلحتهم. ارتحت للصورة الثابتة للطفل مع الدبابة رغم أنها تبدو كلقطة زائدة غير منسجمة مع مزاج الفيلم. ليس الطفل وحده هو الذى فرح بظهور معدات الجيش فى المدن المصرية فكل أطياف الشعب فرحوا بها .  
أرى الفيلم يواصل عوالم رسمها فيلم شريف البندارى السابق " ساعة عصارى" ودون أن نضع تتر " 18 يوما"، يمكن اعتباره فيلما فى مكان ما عن ظروف ما بشكل يجنح إلى التجريد، رغم كتابته للمكان والزمان على الشاشة. التجربة موقف إنسانى تبدو كحلم كابوسى لحدث غير مفهوم يستعيده العقل الواعى للمخرج  شريف البندارى فى "حظر تجول ". وهى امتداد لمشروعه السينمائى فيما يشكل ثلاثية فيلمية أكثر من كونه جزءا من فيلم عن الثورة.
كاملة أبو ذكرى تواجدت منذ اليوم الأول فى 25 يناير، استوقفها ضابط شرطة ومنعها من التصوير بالكاميرا الصغيرة التى تحملها، وفى 28 يناير كانت مع المظاهرة التى خطط لها السينمائيون والفنانون للانطلاق من ميدان مصطفى محمود حيث الجامع الشهير، سارت جموع الفنانين ومعهم جموع من الشعب حتى حى الدقى وعند سينما التحرير أطلقت قنابل الدخان المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، لمحت كاملة فتاة فى السادسة عشر ،شعبية انزاحت طرحتها السوداء لتكشف عن شعر أصفر مصبوغ بالأكسجين يقترب من اللون البرتقالى، كانت حائرة بين محاولات تفادى قنابل الدخان وحبك طرحتها لتدارى شعرها. هربنا كل فى اتجاه وجدت نفسى وحيدة بعيدا عن الزملاء وبجوارى نفس الفتاة، وكأن مصيرها ارتبط بى نحتمى ببعضنا. 
تقول كاملة :" حدثنى تامر حبيب- عملت معه فيلم "عن العشق والهوى"-  عن الفكرة التى طرحها مروان بعمل عشر أفلام عن الثورة، وأن يسرى نصر الله بدأ التصوير بالفعل، كنت مندمجة مع ما يحدث فى ميدان التحرير وصورة بنت 14 تداعب مخيلتى، واتصل بى المنتج جابى خورى لنعد لتصوير مسلسل ذات ، مريم نعوم أنهت كتابة 7 حلقات منه، فاعتذرت ليسرى ومروان عن عدم إمكانية عمل فيلم عن الثورة . وبعد شهر توقف المشروع قال جابى الظروف غير مواتية الآن، يسرى بادرنى بالاتصال ثانية، هو القوة الدافعة للفكرة التى بدأها مروان حامد. فى ساعة تجلى تذكرت البنت التى كانت معى يوم 28 يناير على كوبرى أكتوبر، هذه البنت أصبحت فى رأسى هى الفيلم، اتصلت بالكاتب بلال فضل وحكيت له الفكرة، الفتاة ذات الشعر المصبوغ تحت طرحتها السوداء تبيع الشاى فى الميدان، ضغوط المجتمع وفكرة الدين تطاردها، عندما تموت فى النهاية تقول (يارب حتحاسبنى علشان صبغت شعرى ولا هأموت شهيدة؟) اخترت الممثلة ناهد السباعى للقيام بالدور وقدمت الفيلم فى عشر دقائق. فى العرض  بمهرجان كان السينمائى كنت خايفة أطلع زعلانة من الفيلم ككل، ولكنى خرجت مبسوطة بشكل عام، بل اعتبرت النتيجة معجزة نظرا للتوقيت وانعدام الميزانية، السيدة درة بوشوشة التونسية كانت تبكى طوال الفيلم،
عدد آخر من المخرجين العرب والتوانسة بشكل خاص أعجبتهم التجربة منهم المخرج ابراهيم لطيف، بالطبع ككل الأفلام المكونة من أجزاء يحب الواحد منا أفلاما أفضل من أخرى، نختلف حولها ولكن الأفلام العشرة فى مجموعها كانت جيدة. أسعدتنى التجربة ، بكمل البندارى فيلمك قريب من تجربة نظرة إلى السماء. وهو فيلم كاملة القصير قبل تجاربها الروائية الطويلة الناجحة التى بدأت بفيلم "ملك وكتابة وانتهت بفيلم واحد صفر.
اتفق شريف البندارى صاحب التجارب القصيرة الناجحة والمميزة، وكاملة أبو ذكرى التى ثبتت أقدامها فى سوق وصناعة السينما المصرية بعدد من الأفلام الناجحة والهامة على أن "18 يوما" ليس فيلما متصلا تشكل أجزاؤه حالة واحدة، بل يغلب عليه كونه عشرة أفلام قصيرة تتناول كلها موضوع ثورة 25 يناير كل منها من جانب ورؤية خاصة بمخرجه. 
لم أتمكن من لقاء باقى المخرجين،غالبا لسفر بعضهم وعدم حماس بعضهم الآخر لمقابلتى، قد أتابع بعد مشاهدة الفيلم بالكامل فى عرضه المزمع قريبا بدور العرض فى القاهرة.  

Sunday, 5 June 2011

ذكريات مع السينما



من سينما النصر إلى سيتى ستارز
قبلنى قى الظلام
كل صيف كان يأتى إلينا أكرم ابن خالى البيه، فى كل أسرة مصرية يوجد هذا الخال – البيه – الأكثر غنى ،بالنسبة إلينا نحن نعيش فى بلدة بمحافظة المنوفية بدلتا مصر اسمها قويسنا ، يأتى إلينا الأقارب من القاهرة، يقضون كل الصيف لدينا،أمى ككل فقراء مصر كريمة ومعطاءة، تذبح لنا كل الطيور التى تربيها فى بيتها، وبعد مساومات تسمح لنا بالذهاب إلى السينما. الأخوة الأكبر يكلفون الأصغر بالذهاب فى مهمة استطلاع لاسم الفيلم الذى سيعرض ليلة الخميس، أرسلوا باهى- بهية الأخت الصغرى– مع أكرم فعادا يقولان أن الفيلم اسمه " قابلنى فى الظلام" استعد فريق شباب الأسرة البنات تتقرب من الأم ، تنظف ، تطعم الدجاجات، تلعبن بهدوء وتطلب من الأصغر الحديث همسا لأن بابا وماما نايمين، يكلفننى بالتمسح فى الأم وطلب السماح لنا بالذهاب إلى السينما، وبعد رفض ومحايلة توافق ماما على أن نتحمل المصاريف– من مصروفنا- مصروفنا لا يكفى وسيغمز لنا بابا ويعطينا النقود خلسة،الآن معنا ثمن التذاكر وأيضا لشرب اسباتس أبو دبانة، سنعد الدقائق وسنذهب فى رحلة استطلاع ثانية لنؤكد أن الفيلم لم يتغير وأن أغنية  التسخين تتصاعد الآن من كابينة العرض، اسطوانة واحدة كانت تتكرر دائما " يا مصطفى يا مصطفى ،أنا بحبك يا مصطفى، كماليه مى كيمى لا كيميتا ." أغنية فرانكو آراب، تدق قلوبنا من السعادة ونعود لنبشر البنات " خلاص هيبدأوا يللا" فى فساتين العيد وتسريحة البيجودى ،تصفيف الشعر على الطريقة الهوليودية، ونحن الصغيرات فككن الضفائر وربطنا شعرنا ذيل حصان. بمجرد وصولنا قرأت الكبيرات اسم الفيلم واحمرت وجوههن ، الفيلم اسمه " قبلنى فى الظلام " نتحدث ويتم توبيخ أكرم وباهى، مش قابلنى يا فالحين ، قبلنى ، تسأل باهى يعنى إيه قبلنى، فيصرخ أكرم يعنى باسنى، وهو يمد الحروف وكانت هذه طريقة تكاد تكون شائعة فى عائلة زوجة الخال القاهرية التى بالطبع تغار منها أمنا وتحذرنا من أن نبدو أمامها فلاحات لا تعرفن الأدب. الأدب عند أمى أن نترفع عن طلب الطعام، وأن نرفض أى عروض فى هذا الشأن. حتى لو كنا نموت جوعا. فى مقابل كرمها هى الزائد. نشاهد الفيلم ونحن فى "أماكن خاصة للسيدات " كما يقول عنتر وهو يعلن عن الفيلم فى جولاته بالبلدة، وهى عبارة عن شرفة كبيرة تقع فوق كابينة العرض فى الدور الثانى. صفوف الكراسى يكون خلفها فراغ يجرى فيه الأولاد والبنات الصغار عندما لا يشدهم الفيلم، هم وراءنا ونحن بكل جوارحنا مع نجمنا المفضل شكرى سرحان وفاتنة الشاشة هند رستم.  سننسى الفيلم ولكننا سنظل نداعب أكرم ونسأله " قبلنى يعنى إيه يا أكرم" فيصرخ على طريقة وجدتها " يعنى باسنى ". أمى كانت تسمح لنا بمشاهدة الأفلام ولكنها لاتأتى معنا، كانت تقول أن "كل الأفلام لها موضوع واحد، واحد وواحدة يتقابلوا ويحبوا بعض، تحصل شوية مشاكل، وبعدين تتحل كلها ويرجعوا لبعض " وفيلم "قبلنى فى الظلام"  لا يخرج عن هذا التحليل النقدى من أمى المتعلمة التى لم تعمل فى وظيفة، كانت تقرأ الجرنال وتخبر صديقاتها بما فيه من معلومات وكأنها تعقد منتدى ثقافى بينما نحن نتفسح أو نسهر مع فيلم فى السينما.
 أواخر الخمسينيات أوائل الستينيات، كان يجرى هذا فى بلدة لا تظهر على الخريطة فى مصر المحروسة، والآن تثار أحاديث عن حذف القبلات والمشاهد الحميمة من الأفلام ، تقوم بعض الفضائيات المملوكة للعرب من دول النفط بالحذف فعلا، وبالطبع يتم العبث بالترجمة لتصبح مضحكة وتغير المعنى. أتذكر أننى كنت فى زيارة لأسرة تمت لى بصلة قرابة وكنا فى السهرة نشاهد فيلم " حبيبى دائما " كانت هناك قبلات حميمة بين نور الشريف وبوسى وحين هم رب الأسرة بطلب تغيير المحطة، ردت عليه ابنته " دى مراته يا بابا ، حلال ،حلال" وهكذا ترك الأب أسرته تشاهد الفيلم الذى أنتجه نور الشريف وأخرجه سمير سيف لأن الحميمية التى يمتلأ بها تتم بين ممثلين هما زوجان فى الحقيقة، كان هذا منذ عدة سنوات، والآن سواء كانت القبلة حرام أم حلال فلابد من بترها، وبتر كل مشهد حميم من أى عمل فنى، لا يهم أن تبتر جملة موسيقية، أو يختل معنى، المهم هو تطبيق الحلال والحرام الذى يتغير ويزداد غلوا مع الوقت. أحاول عبثا البحث عن كلمة ألطف من " غلوا" هذه التى تتماشى مع كل هذا القبح الذى يحيطنا فى إطار ما يسمى بالعودة إلى الثوابت، أو المرجعية الإسلامية..، فى قويسنا منوفية بدلتا مصر كنا نصلى خلف أمنا ونردد دعاء" اللهم يا ذا المن " وكنا نتحرك فى نزهة على الترعة ونزور مقام الشيخ رمضان، نلعب فى حدائق فسيحة بها من الورد البلدى والياسمين ما يملآ الجو بعبق ولا روائح فرنسية. كنا نسهر كل خميس مع فيلم اجتماعى –جبار- بينما الوالد مع أصدقائه فى حديث متصل، وأمى ومعها إبر التريكو تستقبل صديقاتها وتتحدثن عن الغلاء ومشاكل الأولاد. ساعة لربك وساعة لقلبك بعد سهرة أسعدتنا مع "قبلنى فى الظلام" مصر 1959.
بالبحث فى شبكة المعلومات وجدت أن الفيلم إخراج محمد عبد الجواد، قصة وسيناريو وحوار محمد عثمان وتصوير كليلو. مدة عرضه 105 ق أبيض وأسود. لغرابة الاسم تصورت أنه مأخوذ عن فيلم أجنبى وبالبحث وجدت العنوان بالإنجليزية " Kiss Me In The Dark" " لأغنية حديثة  لفريق "راندى روجرز باند" . ولم أتأكد من شكى فى اقتباس الاسم من عمل أجنبى ما، وأرحب بأى مداخلات فى هذا الأمر أو أمور أخرى تتعلق بموضوع المقال .
بين ليلة الزفاف والأخوة كارامازوف
كنا قد انتقلنا إلى القاهرة، أخى تخرج من كلية الفنون الجميلة، ويعمل بشكل حر فى تصميم أغلفة الكتب والرسم، أختى موظفة بالشركة العربية للتجارة الخارجية، المتأنقة على طريقة جاكلين كنيدى بتايير رمادى من قماش سادة مضلع- كانت أمى تسميه كوردونيه- وشعر مقصوص على طريقة فاتن حمامة، صحبتنى تحية إلى سينما ميامى حيث الفيلم العربى " ليلة الزفاف" كم كانت سعاد حسنى جميلة وشقية، أنسى الفيلم وأتذكر المشهد الأخير حين تركت سريرها ونزلت لتنام بجانب أحمد مظهر على الأرض بعدما أحبته وأدركت خطأ رفضها له. بالعشرة تبين لها كم هو راجل – راجل بكل ما تعنيه الكلمة من تحمل المسئولية- والرسالة هى أن الحب الحقيقى يأتى بعد الزواج، لست متأكدة من أننى أدركت المعنى ولكن مؤكد أن هذا ما أدركته أختى التى تكبرنى بسبع سنوات وكانت تقترب من العشرين ولم ترتبط بعد، نتناول آيس كريم من قويدر وكان طقسا مكملا لمشاهدة الفيلم قبل العودة لبقية الأخوات المستمتعات ببرنامج آخر حول الإذاعة أو سهرة مع الكوتشينة. لا أعتقد أن هناك من كان أسعد منى فى طفولته،لا يمض أسبوع حتى يصحبنى أخى الفنان التشكيلى لمشاهدة فيلم روسى فى سينما أوديون وتكون الصغرى معنا هذه المرة، فخرى يقسم مشاويره مرة مع الصغيرتين ومرة مع الكبيرتين يختار لنا ما يعتقد أنه مناسب، وهو يستمتع بها جميعا، كل أنواع الأفلام. لابد أن التواريخ قد اختلطت على ولكن المؤكد أن مشوار السينما كان الفسحة الأهم لنا فى أسرة نشأت بقويسنا حيث سينما النصر الصيفية.
أفلام هندى وأوربى لأننا بنحارب أمريكا 
بعد هزيمة 1967 كان قرار سيادى قد اتخذ بعدم استيرد الأفلام الأمريكية، كان الخطاب السياسى وقتها أننا هزمنا لأننا لا نحارب اسرائيل فقط ولكن أمريكا أيضا، فشاهدنا مجموعة أفلام هندية بدأت بالفيلم الشهير "أمنا الهند Mother India " من أجل أبنائى" هكذا سمى بالعربية بعد إجراء عملية دوبلاج عليه، أى تحويل اللغة المنطوقة بالفيلم إلى اللغة العربية، كم بكينا مع الأم التى تعرضت لكل أنواع الظلم من المرابى الهندى الذى كان يشبه أبطال الميلودرامات المصرية- أو قل أننا أخذنا عن هذا الفيلم للمخرج اليسارى الهندى محبوب خان، ظلمتها الطبيعة أيضا وقد أغرقت الأمطار الحقول فلم تجد سوى جذر بطاطا أطعمته ولديها، الشقى برجو ومازالت ترن فى أذنى صيحة الأم "برجو" منادية عليه. بعده عرض فيلم سانجام الأكثر تجارة دون دوبلاج هذه المرة وبعده سوراج، كانت جمل الدعاية الساخرة لأفلامنا تقول أطول من سانجام، وأروع من سوراج. كتبت عن هذا بعنوان"هدية العيد للمصريين" وكانت هدية تناسب بشكل خاص فتيات تحت العشرين وتناسب مزاج الشعب المصرى لأفلام تحفل بالغناء والقصص المؤثرة- الميودراما بعدما أدرس فى معهد السينما-
كما عرض بسينما مترو مجموعة أفلام إيطالية منها زد وانتهى التحقيق المبدئى والحرب انتهت، أتذكر لقطة صورت من ظهر إيف مونتان وقد ثبتت الكاميرا على ظهره طويلا، بعد التحاقى بمعهد السينما سأعرف دلالة اللقطة التى تعبرعن هزيمة البطل، وأدرك أن الفن العظيم يشعر به المشاهد دون أن يملك تفسيرا لشعوره، فقط الدراسة والمعرفة تقدم التفسير لما شعرنا به.وفى سينما كايرو عرض " الموت فى فينيسيا " هكذا بتذكرة ثمنها 16 قرش ونصف للصالة 22 للبلكون، 50 قرشا كانت تكفى تذكرتين وآيس كريم والمواصلات.  لم يصلنى الفيلم كعلاقة شائنة بين رجل وصبى، بل قرأته كتشبث أخير من رجل يشرف على الموت بنموذج من الحياة فى أجمل صورها، كان شرحى لما وصلنى من الفيلم محط إعجاب أخى أكبرنا وأختى المثقفة وفاء التى أصبحت بعد ذلك طبيبة نفسية.  هذه الأفلام كانت دافعى لتفضيل الالتحاق بمعهد السينما عن كلية العلوم التى حلمت بالالتحاق بها دائما، كنت أكتب على كراساتى من الداخل صفاء الليثى حجاج عالمة الذرة مستقبلا بعد قراءتى لكتاب عن مارى كورى وحبى لحصة العلوم وتجارب المعمل. غيرتنى الأفلام السياسية فغيرت رغبتى إلى دراسة فن المونتاج . شاهدت أيضا فى هذه الفترة فيلم "يوم طفت الأسماك على الماء" كفتاة مراهقة كان الشورت الذى ارتدته كانديس برجن فى الفيلم وجمالها الخلاب ساحرا لى والأبقى فى مخيلتى، تعلقت بالفيلم ولا أنسى أننى خرجت مرفوعة الرأس بعد العرض وكأننى أنا من صنعته، حتى أن أحد الجمهور المنتظر ليدخل الحفلة التالية "قال العظمة لله وحده" معلقا على مشيتى المختالة، وكان هذا شعورى بعد مشاهدة عمل فنى راق إذ كانت العظمة تملؤنى وأشعر بالزهو فقط لأنى تمكنت من التمتع بكل هذا الجمال. والعكس كان يحدث عندما أحضر عملا ردئيا أشعر بالحنق والخجل وكأننى شاركت فى هذه المصيبة، وكانت كثيرة هى أفلامنا المصرية – وكان اسمه الفيلم العربى – وكان سامى السلامونى يعلق أنها أفلام ليس لها صلة بواقعنا سوى أنها تنطق بالعربية، وإلا فما السبب أنها لا تسمى الفيلم المصرى. سامى السلامونى كان الناقد الأكثر احتراما من جيلى من دارسى السينما فى بداياتهم، وأتذكر أن سمير فريد وسامى السلامونى حضرا للنقاش معنا وكان استضافهما د. رفيق الصبان أستاذ مادة التذوق السينمائى، فقمت وسألت سمير فريد، كيف أثق بحكمه على الأفلام وقد كتب " خللى بالك من زوزو ، خللى بالك من سعاد حسنى، خللى بالك من صلاح جاهين" تعليقا على فيلم خللى بالك من زوزو، وكنا نعتبر حسن الإمام عار على السينما وكم كنا مخطئين. لم يدافع سمير فريد عن نفسه بل انبرى السلامونى للدفاع عنه،لا أتذكر ما قاله، ولكن سمير فريد بذكائه سأل عنى زميلى المخرج محمد شعبان، وقد قابله فى مكتب شادى عبد السلام بعد اللقاء، وأعرب له عن إعجابه بمدى شجاعتى ورجاحة رأى. ستمضى الأيام والسنين بنا وسأدرك خطأى تجاه تقييماتى السابقة عن الأفلام والكتابات النقدية وسأستمر فى الفرحة باختيارى السينما مهنة والنقد مشوارا تكميليا بعد تغير ظروف صناعة السينما المصرية وهزيمتى فى سوقها.

دراسة حرة  للسينما فى المراكز الثقافية
حين تقدمت لمعهد السينما كان المعهد متوقف لمدة عامين أمام خريجى الثانوى حيث أفتى أحمد الحضرى بضرورة أن يدرس بالمعهد خريجى الجامعات ليستفيدوا من الدراسة أفضل، عارضه الكثيرون وانتصر الرأى بأن الموهبة إذا لم تظهر فى الصغر فإنها لن تظهر، وعاد المعهد لقبول الطلاب بعد الثانوية العامة، وبعد الجامعات دون تقيد بأى شروط على أن تحدد اختبارات القبول من يلتحق من بينهم، كنا 1000 متسابق نجح منا مائة ثم تمت التصفية فى اختبار شفاهى حتى وصلنا 50، فى اختبار الشفهى سألنى أستاذ هل أنت أخت فخرى الليثى، أومأت برأسى وكان أخى قد سبقنى فى التخرج من القسم المخصوص بعد دراسته وعمله فى الفنون الجميلة. من بين زملاء الدراسة كان المخرج سيد سعيد وصديقتى السورية أنطوانيت عازريه التى أصبحت مونتيرة كبيرة فى سوريا، كانا يكبراننى ولكن الاتجاه اليسارى لنا ربطنا فى شلة كانت تشارك فى احتجاجات طلبة جامعة القاهرة ضد السادات وأهمها مظاهرات 1972. لم تكن الدراسة بها مواد نظرية كما هى الآن بل كانت دراستنا بالتنقل بين المراكز الثقافية بشكل حر، مشاهدة الأفلام والتناقش حولها. وقتها كان عدد من أوائل الخريجين قدموا أول أفلامهم ومنها صور ممنوعة وكان أستاذنا لمادة المونتاج سعيد الشيخ فى مرحلة مزدهرة جدا من عمله، يقوم بعمل مونتاج لستة أفلام مرة واحدة منها المذنبون، وأميرة حبى أنا الذى اعتبرناه جزءا تاليا لخللى بالك من زوزو . بينما كان عادل منير وأحمد متولى يعملان فى أفلام أول دفعة تخرجت من معهد السينما أشرف فهمى ومحمد راضى. كان نادى سينما القاهرة الذى يعرض فى حفلة مسائية بسينما أوبرا هو نافذتنا الكبرى لتعلم فن السينما، لا أنسى مجموعة من الأفلام اليابانية منها أفلام المخرج  يا شيرو أوزو، وكينجو ميزوجوشى، وبالطبع أفلام أكيرا كوروساوا ، ما هذا السحر؟ رغم تأخر العرض واعتمادنا على المواصلات العامة فى العودة لبيوتنا إلا أنه طوال مشوار العودة كنا نعيد رواية المشاهد التى أعجبتنا كل بطريقته، فيلمى المفضل فى كل ما شاهدته من أفلام يابانية كان هذا الفيلم المستمد من قصص شعبية ومن عدة قصص شعبية، به قصة عن المرأة التى تركها الزوج وارتحل فماتت من المرض، وتحولت إلى هيكل عظمى وبقى شعرها أخذ يطارده عندما عاد، وقصة الرجل الذى تهاجمه العفاريت، فكتب له رجل الدين تعويذه على كل جسده ونسى أذنية، وجلس يقرأ بجواره أدعية دينية كانت قريبة من ترتيل القرآن، وحدة الديانات أو تشابهها كان هاجسا لدى منذ شرخ الشباب، تركت الحكايات وسرحت مع الترتيل لدين لانعرفه بلغة لا نعرفها، يقترب من ترتيل القرآن بلغتنا العربية. مشقة السير مسافات على الأقدام للحاق بفيلم بديع، أو العذاب فى أتوبيس مزدحم، أو قلق الأهل علينا لتأخرنا فى ليل بشوارع أغلب مصابيحها مطفأة، عذابات صغيرة وعديدة لم تكن تقلل أبدا من متعتنا للتعلم والاستمتاع مع أفلام عظيمة، أكرر فرحتى باختيارى السينما عملا وتسلية وحيدة. 
احتراف العمل فى المونتاج  
كان أصدقاء أخى من المثقفين والفنانين ينصحوننى بالذهاب للعمل مع أحمد متولى عندما يعرفون أننى أدرس المونتاج. وقد كان وسحرتنى طريقة عمله وتدرجت كمساعد ثانى مع مساعدته الشهيرة نفيسة نصر، التى تزوجت أثناء عمل مزدحم فتحملت مسئولية تركيب الفيلم وكانت جسيمة جدا ارتكبت فيها عددا من الأخطاء التى تعلمت منها فن المونتاج الذى تأكدنا من أنه صناعة وفن. يتطلب موهبة حرفية حتى أن البعض كان يسمى أحمد متولى الأسطى وهى تسمية فى محلها. فكثير من مهام المونتاج تتطلب صانعا ماهرا يصلح قدرا من أخطاء المرحلة الأولى فى التصوير وأحيانا فى التتابع. كانت المدرسة الفنية التى ينتهجها أحمد متولى تنظر للمونتاج باعتباره إخراج ثانى للفيلم وكان يحلو له التدخل فى السرد وإعادة تركيب المشاهد بما يفيد الدراما والتأثير على المشاهد كما كان يثق. من الأعمال التى أعتز بها عملى كمساعدة فى بدايات داوود عبد السيد وخيرى بشارة القصيرة، التى ظهرت بها بذرة إبداعهم ونمت أسلوبهم، وخاصة فيلم " العمل فى الحقل" عن الفنان حسن سليمان، وفيلم "طبيب فى الأرياف " عن د. خليل فاضل. لم تكن الأفلام التى نقوم بعمل المونتاج لها بعيدة عن الموضوعات والأشخاص الذين ننتمى إليهم، اليسار المثقف الملتزم بشعبه وقضايا التنمية الاجتماعية. من أهم الأفلام الروائية كان الفصل الأخير من فيلم " أبناء الصمت " الذى يلخص حرب 1973 واتخذ مادة عنها وكأنه فيلم وثائقى، وكان الجيش الثانى الميدانى الذى حوصر فى الثغرة هو الذى قام بأداء المعارك للمخرج محمد راضى بحماس من يرغب فى تعويض عدم المشاركة. كنا نعمل فى رمضان لأن الفيلم سيعرض فى العيد وعلينا أن ننهيه فى موعده. ستديو الأهرام حيث كانت غرف المونتاج لا ينام، حيث صناعة السينما فى أوجها بين تصوير وبناء ديكورات ومونتاج. كنت قد اندمجت فى مهنة أحببتها وانغمست فيها فاختلط على حبها بحب معلم المهنة أحمد متولى فارتبطنا بالزواج واستمر عملى معه حتى اضطررت للبقاء لرعاية الأولاد. طوال فترة العمل لم يكن هناك وقت لمشاهدة الأفلام، فقط كنت أتابع أفلام القناة الثانية بالتلفزيون المصرى، بعدما ينام الأولاد ويكون والدهم ساهرا فى العمل على الأفلام التى استمرت فى كثافة الإنتاج حتى الأزمة الشهيرة فى التسعينيات، وكنت لسوء حظى قد ترقيت لأكون مسئولى بمفردى عن مونتاج فيلم الحجر الداير ثم " 3 على الطريق" وكانت الأزمة فى أوجها حيث تراجع الإنتاج ليصل إلى 15 فيلما فقط بعد أن كان 80 فيلما فى المتوسط. من المونتاج إلى النقد ليس مشوارا بعيدا فالمونتير هو الناقد الأول للفيلم، يجد نفسه أمام مواد التصوير بكل ما فيها ولو لم يكن لديه حسا نقديا لفلت منه الإيقاع وترهل الفيلم. المونتير هو المشاهد الأول الذى يحترم المخرج الواعى ملاحظاته ويستجيب لها ويتركه لينفذ ما يراه ضبطا للإيقاع، وعملا على تقوية البناء .
الأفلام هم الأسرة المشترك
كان ذهابى للسينما قد اختلف مع وجود الأولاد، اصطحبتهم لمشاهدة فيلم رحلة السندباد السابعة، انبهروا بجو السينما وكانت سعادتهم لا توصف، ثم كانت سينما التحرير التى أنشئت بالدقى تعرض العودة إلى المستقبل، عندها أدركوا ما هى السينما وتعلقوا بها تماما، كنا من أوائل الأسر التى تعاملت مع الفيديو فشاهدنا "إى تى " على شريط ، أذكر أن طارق –ابنى الأوسط الذى يعمل مخرجا وتخرج من معهد السينما عام 2006- وكان عمره وقتها خمس سنوات قد أخذ يبكى بحرقة " مش عاوز إى تى يموت" كان مشهد التواصل مع الوطن"ET phone home، كانت فرحة كبيرة لى بالفيلم العظيم الذى نجح فى خلق تعاطف طفل مع مخلوق فضائى شكله مخيف،أو غريب، وفرحة بطفلى الذى فهم الفيلم قبل سن القراءة والتعلم . وبينما كان الأولاد من الجيران يلعبون كرة القدم، أو يتسكعون على النواصى كان مهاب ابنى الأكبر– وقد تخرج من قسم التصوير عام 2001 ويعمل مصورا – يأخذ 3 جنيه يوميا ليؤجر أفلام الفيديو مما كان يسمى وقتها نادى الفيديو، وهى مكتبات تؤجر الأفلام الأجنبية على شرائط "فى اتش اس" بجنيه واحد للفيلم وأحيانا جنيهين، لم أتدخل فى اختياراتهم ولكنهم طوروا ذوقهم حتى وصل لتنزيل الأفلام من على الشبكة الدولية انضمت إليهم مريم ابنتى الصغرى التى تحب السينما دون أن تعمل بها. أصبحت لديهم اختيارات تفوق ما يمكن أن أنصحهم به. قضت الشبكة الدولية على تجارة نوادى الفيديو وحل محلها مقاهى الانترنت. ذات ليلة عاد ولداى من الخارج فوجدانى ساهرة أمام التلفزيون" ماما سهرانة، يبقى أكيد فى فيلم حلو" كان فيلم " الطيب والشرس والقبيح" بتيمته الموسيقية الفريدة " قلت اقعدوا ركزوا شوفوا أفلامنا مش أفلامكم" جلس ثلاثتنا على كنبة المنزل أنا متفاخرة بأفلام زمننا وهم منبهرون وأخذت أروى لهم عن الكاوبوى والاسباجتى . أدخلتهم عالم السينما التى لا تنسى فأضافوها لماتريكس ومن إن بلاك. أفلامهم التى أحتار أحيانا فى فهمها فيشرحونها لى. 
وظلت علاقاتى بالسينما كما نشأت عليها تمزج بين الأفلام الخاصة جدا، وبين أفلام تجارية جيدة الصنع، وحتى القليل من الأفلام الهندية، إذ يعاودنى الحنين أحيانا فأجدنى أشاهد مع مهاب "جودا أكبر" على قناة زى أفلام وأستمتع به، أو مملكة الخواتم الأمريكى، أو الجزيرة المصرى. بالطبع مع كسكى بالبورى، أو نبى. وغيرها من أفلام السينما الأوربية التى أرتحل إليها من الهرم فى أقصى جنوب القاهرة حتى مدينة نصر بأقصى شمالها  لأشاهدها فى سيتى ستارز. 
السينما فن متسامح لا يزيح أحدها الآخر، يتيح لمشاهديه الاستمتاع بأنواع ومستويات مختلفة منه.  بعد انتهائى من كتابة هذا جلست مع ابنتى أشاهد معها فيلما أمريكيا من نوعية أفلام المراهقين فى العشرينيات، فكرت أن حتى أتفه فيلم بها يقدم نموذجا للشباب والفتيات ليثقوا بأنفسهم ويغيرون الطرق النمطية فى التفكير " مدرسة فى السحابSky High " .  بقى أن أذكر أن مريم تندمج مع أفلام الكارتون الطويلة، تتفوق على فى نقدها لها وفى معرفتها بكل جديد منها.
الذكريات لا تنتهى فمشوارى طويل مع السينما متعتى الوحيدة، وعملى الوحيد سواء مونتيرة أو ناقدة أو منشطة للثقافة السينمائية منذ وعيت الدنيا حتى الآن.
القاهرة مايو -يونيو 2011

Saturday, 7 May 2011

الشارع هو الملهم والواقع أقوى من كل الأفلام


 الشارع هو الملهم
وسط اندلاع ثورة 25 يناير وحتى قبل التثبت من نجاحها تنافس عدد من السينمائيين ومن الإعلاميين فى الحديث عن تنبؤهم بالثورة، وكان أعلاهم صوتا المخرج خالد يوسف ، واعتبر أن " هى فوضى " فيلمه مع يوسف شاهين أحد أدوات التحريض على الثورة، وعلى استحياء انضم آخرون، لهذه الادعاءات. لماذا أعتبرها إدعاء؟ أتذكر أن المخرج صلاح أبوسيف كان أستاذا لنا فى معهد السينما وكان فى محاضرته يتحدث عن أفلامه وكيف أنه ذكر شعارات ثورة يوليو قبل أن تعلنها الثورة، وكان سيد سعيد – وأتشرف بأنه كان زميل الدفعة التى تخرجت منها عام 1975 – كان يقاطعه بأن هذه الشعارات كانت موجودة فى الشارع السياسى وكانت مطروحة فى المجتمع وأنه لا أحد يمكنه الادعاء بأنه أول من أطلقها أو أول من نادى بها. وبعد مرور ما يقرب من 40 عاما مازال الكثيرون لا يضعون الأمر فى مكانه الحقيقى فالأفلام تعكس ما يموج فى المجتمع، وكثير من أفكارها تستمد من صفحات الصحف وغالبيتها يعتمد على صفحات الحوادث الجنائية التى تحظى بنسبة قراءة عالية جدا. بحيث يمكننا القول أن الشارع هو الملهم لأفكار السينمائيين ومؤلفا فطريا لموضوعات أفلامهم. والكثير من القصص الطريفة، أو السخيفة ، الكوميدية أو المأساوية مستمدة من الشعب. يعيد الفنانون فقط إنتاجها على نحو يتطابق أحيانا مع الواقع فينتج عنه فيلم واقعى يعبر عما اعتاد الناس عليه، أو يتخذ منحى من كوميديا الهزل فيبالغ فى حشد المواقف والنكات اللفظية فتكون الإعادة محملة بتدخلات تشبه ما يخرج من جعبة أحد الحشاشين وقد أطلقت أدخنة المخدر أقصى روح فكهة لديه. الاستناد للواقع أمر مرفوض من بعض الفنانين وقد يعتبرونه سبة لا تليق بهم، ومنهم داوود عبد السيد الذى لا يسعده أن يقال عن أفلامه أنها واقعية حتى لو كانت جديدة. بينما يصر المؤلف هانى فوزى على واقعية أفلامه ويرفض حتى اعتبار أن التكثيف السينمائى قد أحدث قدرا من المبالغة بها. فحين كان فيلمه مع أسامى فوزى "بحب السيما" يهاجم بقول " لايعقل أن يحدث هذا فى الكنيسة.." فيرد بأنه يحدث ويحدث ما هو أشد منه. مقاطعا لى وكنت أدير ندوة لفيلمه وحاولت الدفاع بتبرير أن للفن مبالغاته وأنه ليس بالضرورة مطابقا للواقع. وسواء كنا نتحدث عن إعادة إنتاج للواقع بنوع من التحفظ، أو بالإسراف فى المبالغة فإن الحقيقة تبقى ثابتة أن العمل الفنى يستمد عناصره من البيئة التى يعبر عنها الفنان عن مكان وزمن محددين. 
الواقع أقوى من كل الأفلام 
وسط أحداث الثورة خرج المصريون على اختلاف مشاربهم للتعبير عما يجيش فى صدورهم، لم تكن الهتافات تخرج من الناشطين السياسيين، بل كان مبدعوها من البسطاء ،نساء ورجال لديهم موهبة فطرية فى اختيار شعارات موزونة تحمل لحنا يعجب جماهير غفيرة فتقرر ترديده حتى قبل أن ينتهى قائله من وضعه، وجرت اسكتشات وكأنها أداء على مسرح شوارع مفتوح أظهر قدرا من المواهب، وقدرا آخر من السخف، كان بعضها يعيد مشهدا رآه فى فضائية ما، مثل مشهد رفع الحذاء على صورة الطاغية، وكالفن الهابط أيضا كنت أنفر منه كصورة فجة ليس بها إبداع متفرد. ومثلما كان الشارع ومن فيه ملهما للفنانين، فقد ألهم الشارع السياسى وجعله يشعر بأهمية تجميع قواه ليكون قادرا على تحقيق طموحات هذا الشعب . 
حينما قدمت كاملة أبو ذكرى فيلمها " واحد صفر " مع الكاتبة مريم نعوم كانتا تعبران عما كان يجيش فى الشارع من طاقة موجهة لكرة القدم، كانتا تعبران عن رغبة سياسيين أن يتحول علم مصر المرفوع لمبارة كرة قدم فى أن يصبح راية نصر على الاستبداد. وفى الميدان الليلة التى سبقت التنحى كانت مريم نعوم مع ريم ماجد مع تامر محسن مع أسامة العبد مع نوارة مراد مع أحمد خالد مع نادين شمس وكثيرين من السينمائيين يهتفون بإحساس أن التغيير الذى حلموا به ودعوا إليه فى أفلامهم على وشك التحقق. لم أسمع واحدة منهن ولا واحد منهم يتحدثون عن أفلامهم التى تنبأت بالثورة. بل ما زلت أجدهم مشاركين الحوار المجتمعى الدائر لقيام نظام مدنى جديد فى البلاد يمكنهم من تقديم أفلام محترمة تعبر عن نضال هذا الشعب وحلمه بالحرية.
وبعد الثورة كان دائما هناك السؤال: هل كنت بالميدان؟ والبعض يزايد على الآخرين، كنت موجودا من اللحظة الأولى، بل أنا مع كفاية منذ 2005 نهتف فى طلعت حرب : يسقط يسقط حسنى مبارك، وأنت أين كنت!. معارك المثقفين والصفوة انتقلت أيضا للشارع ، ففى عيد العمال جاء شباب يحاولون التغطية على منصة تهتف باسم العمال، نحن شباب 25، ثورتنا ثورة شعبية، لا حزبية ولا فئوية" تساءلت من علمهم هذه اللفظ، هل يستمعون كثيرا لبيانات رئاسة الوزراء. هم أيضا من الشعب ولن أخرجه من الملهمين، بل هو ملهم لنا لنستطيع خلق شخصية شعبية تشعر بأنها منبوذة ولا أحد يطلب منها المشاركة. قبل التنحى بعدة أيام، اقترب منى صحفى شاب وقال لى السينمائيون يطلقون نكتة، الثورة نجحت، مروان حامد فى الميدان. اطلقت النكتة ورددها الجميع. الآن مروان حامد مشارك فى فيلم " 18 يوم" الذى سيعرض بمهرجان كان السينمائى الدولى القادم. لست مع الرافضين وأعتبر بأن القول بأن هذا الفيلم يمثل مصر، أو هؤلاء يمثلون الفنانين المصريين به مبالغة، هم يمثلون جانبا من المصريين، ويمثلون جانبا من الفنانين، يعيدون إنتاج ما يحدث فى الشارع دون أن تكون لهم مواقف نضالية ثابتة، يعيدون مقولة سمعتها من محمد ملص ووصفت بها يسرى نصر الله فى عرض كبير له ولأعماله فى مطبوعة النقاد " عالم السينما " تقول " السينما هى الوطن" لمثل هؤلاء السينما وما يقدمونه بها هو وطنهم الأول ومصر البيئة التى يعبرون بمفرداتها عنها من خلال وطنهم هذا.

Sunday, 24 April 2011

فيلم تسجيلى عن رائد النهضة المصرية


إرهاصات الثورة وسحب التغيير
يكثر الحديث عن أن ثورة 25 يناير فاجأت العالم، والمفاجأة هنا تجاوز الحقيقة، فمصر منذ عدة سنوات حبلى بالثورة وخاصة مع تزامن حركة كفاية مع مشروع بالتوريث، فكان الشعار لا للتمديد لا للتوريث، أُخذ على حركة كفاية أنها نخبوية، تخرج مظاهراتها فى وسط المدينة ، سماها البعض مظاهرات طلعت حرب، وهو الميدان الأصغر الذى يلى ميدان التحرير، ولم تكن حركة كفاية هى وجه المعارضة الوحيد بل ظهرت عدة حركات أخرى، منها حركة 6 أبريل، ومجموعة كلنا خالد سعيد بالطبع مع عدد من الأحزاب المعارضة بعضها يلقب بالجماعة المحظورة – جماعة الإخوان المسلمين- وأخرى تسمى بالكرتونية لضعفها ولعملها فى كنف السلطة، ولكن رقعة الاحتجاجات اتسعت لتشمل عمال المحلة الكبرى المعارضين لسوء الأحوال الناتج عن الخصخصة، كما ظهرت أيضا حركات فلاحية معارضة، بل أن موظفى الدولة رفعوا أصواتهم وطالبوا بتحسين ظروف المعيشة، ترك النظام هامشا للحرية عبر صحف معارضة وقنوات تلفزيونية خاصة لإسكات أمريكا والغرب التى تطلب من النظام تحقيق الديمقراطية، ظلت المعارضة تؤذن فى مالطة على ما يبدو، ولكن ما حدث من الانفجار العارم لقطاعات الشعب المصرى فى كل مدن القطر يؤكد أن النار كانت تحت الرماد. وأن الثورة كامنة رغم ما تبدو الأمور عليه من السكينة.
" تعظيم سلام "

 من سيد سعيد إلى طلعت حرب

قبل اندلاع الثورة بعام تقريبا عكف المخرج والناقد سيد سعيد على فيلم كُلف به لحساب شركة مصر للصوت والضوء التابعة لوزارة الاستثمار، وكانت الفكرة إنتاج أفلام عن رواد الاستثمار. اختار سيد سعيد "طلعت حرب " رائد النهضة الصناعية المصرية" مؤسس بنك مصر أول بنك وطنى أُسس من أموال المصريين وكون مجموعة شركات تتكامل لتكون قلعة صناعية تروج لها السينما فأنشأ أيضا " ستوديو مصر" أحد قلاع صناعة السينما المصرية وأكبرها على الإطلاق. برؤية المبدع والسياسى ظهر فيلم " تعظيم سلام " عملا نقديا سياسيا فى المقام الأول يقدم مرثية عما آلت إليه الأوضاع بعد إفلاس بنك مصر  وانهيار الصناعة التى أصبحت خرابات ونفايات.
سار الفيلم التسجيلى الأول لمخرج "القبطان" جامعا عدة مناهج للفيلم التسجيلى، إذ يبدأ بأسلوب التحقيق المصور سائلا المارة لمن هذا التمثال، الإجابات تعكس مأساة أخرى عن انهيار التعليم والثقافة فى السنوات الأخيرة، الوحيد الذى أجاب إجابة صحيحة  فلاحُ مصرى، سرد بفخر سيرة طلعت حرب مؤسس بنك مصر ورائد الصناعة المصرية، التوفيق وضع هذا الفلاح الفصيح  فى طريق الفنان المنحاز للعمال والفلاحين؟ ثم يعرج  الفيلم على أسلوب الريبورتاج الذى يقترب بعض الشيء من البرامج الحوارية، ثم فقرة فنية معتمدة على شريط صوت غنائى نادر، الثقافة الرفيعة للفنان تتبدى فى اختياراته الموسيقية التى تشكل مع الصورة وحدة مشهدية تحبس أنفاسنا، وعندما تنتهى تسلمنا إلى قطعات حادة لننتبه أننا أمام حالة اغتيال لهذا الإنجاز العظيم، اغتاله الاستعمار الإنجليزى ثم الأنظمة المصرية عبر مراحل انتهت بالخصصة التى أخذت معها كل المنجزات العظيمة لطلعت حرب الذى مات بحسرته بعد ضياع البنك الذى أسسه كما يخبرنا حفيده فى لقاء بالفيلم. يشترط الشكل الإنتاجى الذى يسمى بالفيلم الممول على المنتج المنفذ – وقد كان المركز القومى للسينما- عدة شروط منها الالتزام بعناصر الدعاية وبطول محدد للفيلم 28ق . قدم المخرج للممول النسخة التى يطلبها، ولكنه أعد نسخة تُرضى طموحه الفنى ، عرضت نسخة المخرج 75ق بندوة جمعية النقاد وأجمع الحاضرون أنه لو وضع صورة واحدة من ثورة 25 يناير لكانت نهاية مناسبة للفيلم الذى يرصد أوضاعا قامت من أجل تغييرها الثورة الشعبية فى مصر. يعكس تناول الفيلم الحالة المعاصرة لمصر الآن، وهذه وظيفة الفيلم التسجيلى الذى يعود للماضى ليشير إلى الحاضر وينير المستقبل. يرفض سيد سعيد أن يوجه له أى نقد، وهو الناقد المتفهم لعلم الجمال وشروطه، يدافع عن هنات بالفيلم أنه أرادها كذلك رفضا للبيرفكشن- للإجادة- يقول إنها مثل الختم على طابع البوستة ،أو الخدش على سطح صورة قديمة. وأعتقد أنه لايريد أن يشاركه أحد فى التحكم فى قطعته الفنيه ويريده حاملا لتوقيع منفرد ليكون فيلم ل.. سيد سعيد. "تعظيم سلام" تسجيلى طويل يعبر عن فكر المعارضة للنظام الذى أسقطه الشعب المصرى بثورته الشعبية 25 يناير 2011.
كان هذا هو الجزء الأخير من الورقة التى شاركت بها فى ندوة عن السينما الوثائقية بمهرجان تطوان المتوسطى بالمغرب، وكانت الورقة بعنوان الفيلم التسجيلى من الثورة إلى الثورة.