Thursday 21 September 2023

"بعيدا عن النيل" لشريف القشطة تسجيلي طويل

مشروع النيل فن يتجاوز الحدود

أفراد الفرقة أثناء التصوير 
في فيلمه الوثائقي " بعيدا عن النيل " 98 ق يصحبنا المخرج شريف القشطة ومعه كاميراته وقد أصبح عضوا مشاركا في جولة لفرقة موسيقية تكونت من سبع دول على حوض النيل، الموسيقى تجمعهم ويتعانون رغم اختلاف الثقافات واللغات والأمزجة لصياغة أعمال موسيقية يقدمونها لجمهور متنوع في بلدات أمريكية. المصري مينا جرجس صاحب المشروع ومعه مساعدته نازلي من مصر و11 عضوا من البلدان الإفريقية يجمعها النيل وتفرقها الثقافات.  حاول المشروع أن يذيب هذه الفوارق ونجح نسبيا في ما لمسناه من عروض ناجحة تجاوب معها جمهور أمريكي متنوع بين جمهور مدارس أطفال، أو سكان مدينة ما، أو طلاب وطالبات حضرت الفرقة إليهم وتجاوبوا معها ضمن أنشطتهم الثقافية. الجمهور الأمريكي متنوع بطبعة مكون من البيض والسود تجاوبوا مع ايقاعات فرقة مشروع النيل وخاصة تلك الزاخرة بالطبول والإيقاعات الراقصة.

ما لفت انتباهي أن صانع الفيلم مخرجه ومصوره، ومنتجه ومن قام أيضا بالتوليف لم يزيف الواقع الذي صوره بل قدم جوانبه الإيجابية الذي بدا في أوقات المرح وما عكسته محاولات التعاون في البروفات، وركز بل أسرف في إظهار جوانب سلبية من خلافات عكست تنوع الأمزجة وكثير من الذاتية والإحساس بالأنا الذي عليهم أن يقاوموه لكي ينجح المشروع الجماعي وفكرته عن إمكانية تخطي الحدود وتقديم معزوفات إفريقية تذوب فيها النغمات والكلمات والإيقاعات. نجح شريف القشطة في خلق إيقاع فيلمه الذي ينقل للمشاهد حالات التناغم والتنافر بين أفراد الفرقة ووصل في عدد من الوحدات المشهدية التي صاغها بالانتقال بين عدة أمكنة وأزمنة لا على طريقة المونتاج المتوازي ولكن بشكل من التشظي كاسرا التتابع الزمني الذي يسير في تتابع زمني منطقي يشرح خطوات تحقيق المعزوفة بدءا بالاستعداد في البروفات ثم العرض على المسرح ثم الانتقال إلى مدينة أخرى.  قام بمزج كل هذه الأحداث بتقديم وتأخير بعض اللقطات وكأنه يقدم معزوفته الخاصة التي تتماهى مع قطعهم الموسيقية معتمدا على مونتاج الصورة مختلفة الزمن والموقع على صوت متصل لواحدة من قطعهم الموسيقية. ليصل إلى حالة فنية عالية عبرت عن كل معاني الانسجام ومحاولات التلاقي.

لم يكن القشطة محايدا بل لمست انحيازه لشخصية ما، واهتمامه بها حتى في لحظات تنفرد فيها بنفسها وهي تتزين بحرفية قبل الحفل، هي الكينية كاتينا عازفة الدرمز التي أعطاها مساحة للبوح أعرض من أخريات وآخرين، تحدثت عن تحدي التقسيم الجندري للمهمات بإصرارها على عزف الدرمز الذي يقوم به الذكور فقط في بلدها، وكان على مسافة من صليب الصعيدي المصري وأظهر ابتعاده عن المجموعة وانشغاله عنهم بمحادثات مع ابنته عبر الشات أو بمتابعة مباراة للكرة. أضاف القشطة جانبا من حديثه مع كاتيا بدا تعليقا مناسبا على مشكلة عدم اندماج صليب فقالت ان التعاون يحتاج وقتا، عند التعامل يجب أن تحافظ على تون معين وأن تختار كلماتك. بعدها يعقد مينا مؤسس المشروع اجتماعا لمناقشة تصرفات صليب الذي يشعر أنه نجم ويصعب أن يندمج مع الجميع. يقطع المخرج على صليب بلباسه الصعيدي يؤدي موالا صوفيا ويردد خلفه فانوس والفتاة الإثيوبية كجوقة، فهمت من العلاقة المونتاجية أن لصليب الحق في إحساسه بالتميز حتى لو تضايق الآخرون. حقق صليب قبل اشتراكه بالمشروع نجاحات في الغناء الصوفي القبطي ( تحت عرش الله ينبع أصلهم خالدا يبكي نبيا ). لا يتطرق الفيلم إلى مشرع صليب الفردي " مشروع صليب صوفي" الذي يمزج فيه أغاني صوفية اسلامية مع ترانيم قبطية. والمعلومة عرفتها من خلال البحث بعيدا عن الفيلم.

كان الموسيقيون المصريون الأكثر عددا في الفرقة فبالإضافة إلى صليب فوزي صاحب الموال المتفرد هناك عازف الكولا والمزمار نادر الشاعر، وهناك عازف العود محمود أبو ذكري الذي ظهر كملحن أساسي وجامع للمقطوعات ،وهناك النوبي عادل ميخا في مقابل عضو واحد يمثل بلدا افريقيا، السودانية آسيا مدني والإريتري ابراهيم فانوس والإثيوبية سلاماني، ومن كينيا دافيانو وآخر من بوروندو.

بدأ شريف فيلمه من الحفل في أمريكا ومقدمه يقدم البلدان المشاركة لينتهي بمصر ومنها ينتقل إلى أسوان حيث بداية التجمع لتكوين الفرقة والتدرب على المشروع، ينتقل بلقطة بانورامية للحقول الخضراء حول النيل ثم للمراكب وصخور أسوان دون إسراف في لقطات سياحية فالناس وتعاونهم همه الأكبر وعمود فكرته عن تخطي الحدود. وينهي فيلمه في أسوان أيضا مع المراكبي العجوز الذي ينشد بحلاوة موالا صعيديا حزينا ( أمانة يا طبيب شوف جراحي ) بينما يحرك شراع مركبه.

بعيدا عن النيل يبدأ من مصر من أسوان تحديدا، وينتهي بها وكأن القشطة يحكي أيضا عن النيل الذي عرفه المختلف عن نيل صور شاطئه مغمورا بالطمي في السودان مع آسيا مدني وهي تزور مسقط رأسها وتستقبل كنجمة وتجري لها مقابلات بتلفزيون الخرطوم. يقفز السؤال إلى رأسي متى كان هذا ؟ مؤكد قبل الأحداث الحالية والحرب في السودان، ويحدوني الحنين إلى ما تم التعبير عنه بمقطوعة دنجي دنجي، سوداني عنده كرامة مصري طول عمره أخينا الذي عرفت من الفيلم أن الشاعر كتبه عام 1920 حين كان السودان ومصر موحدين (والحيطة جنب الحيطة)، وهي المعزوفة التي تكررت بالفيلم مرات منها على المسرح ومنها في حفل خاص وقد اندمجت السودانية تغنيها في حلقة ضمت المصري صليب والاريتري فانوس والإثيوبية سلاماني كلهم يغنون دنجي دنجي بحماس وحنين لهذا الترابط الذي حاول مشروع النيل أن يحققه. كانت مهمته صعبة مع تصوير 400 ساعة واستغرق المونتاج عاما كاملا ليختار الساعة ونصف التي انتهى الفيلم إليها بهذه الصياغة الممتعة. 

كانت شخصيات فرقة مشروع النيل حاضرة دون تدخل من صانع الفيلم وجرت بينها صراعات وحدثت تحولات درامية تفوقت على غيرها من الأفلام الروائية عن جولات لفرق موسيقية. نجح فيلم " بعيدا عن النيل " بتجاوزه لتوثيق مشروع فكرة موسيقية إلى التعبير عن محاولات التعاون وصعوبة تحقيقها رغم وحدة هذا النهر العملاق، وبعد هذه الرحلة الحلم في تجاوز الحدود نعرف من لوحة مكتوبة أنهم عادوا إلى حياتهم الطبيعية.

فاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم واقعي بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي 44، كما فاز بالجائزة الفضية من مهرجان الأقصر الأفريقي الثاني عشر. وحاز جوائز أخرى من مهرجات دولية خارج مصر. أدعو إلى عرضه على نطاق واسع لأنه يوثق لتجربة ملهمة ويؤكد على دور الفن في إمكانية إصلاح ما تفسده السياسة.

صفاء الليثي

 

No comments:

Post a Comment