الجمعة، 1 يونيو 2012

المجتمعات العربية بعيدا عن ناطحات السحاب




النقاد يشاهدون فيلما من الإمارات
المجتمع العربى
 بعيدا عن ناطحات السحاب

فى إطار نشاط جمعية نقاد السينما المصريين عرض عرضا خاصا فى مصر فيلم " ظل البحر " العمل الثانى للمخرج نواف الجناحى ، رغم انشغال المصريين بالمداولات السياسية الخاصة بأول انتخابات رئاسية حرص العديد من النقاد والصحفيين على الحضور وقام فريق من قناة النيل للدراما بالتحاور مع المخرج والنقاد حول الفيلم . قدم الناقد والمترجم محسن ويفى المخرج قبل عرض الفيلم ، وتحدث نواف فى عجالة عن بداية الاهتمام بفن سينما يخص الإماراتعام 2001، جمعنا الأفلام (أنا واثنان آخران: مسعود أمرالله، وعلي الجابري) لعرضها للمجتمع، وذلك في مسرح المجمع الثقافي بأبوظبي، جمعنا وقتها 58 فيلما من مختلف الأطوال والأنواع كلها مصنوعة بأيادٍ إماراتية في سنوات مختلفة، وكان اسم الفعالية "تظاهرة أفلام من الإمارات".عام 2002، قررت إدارة المجمع الثقافي تحويل خطوة العروض إلى مسابقة ذات جوائز مادية، وهذه هي المرحلة التي أصابنا القلق فيها من عدد الأفلام التي يمكن أن تنجز في أقل من سنة، وتوقعنا 10 على الأكثر، ثم فوجئنا بوصول حاولي 90 فيلما. تحول الاسم في هذه السنة إلى "مسابقة أفلام من الإمارات" ومن وقتها وهناك محاولات جادة لإنعاش سينما تعبر عن الإمارات وعن هموم فنانيها، نواف بدأ بعدد من الأفلام القصيرة ثم قدم فيلمه الأول "الدائرة " فى 80 ق عام 2009  ، ثم فيلمه الثانى "ظل البحر" عام 2011. بعد عرض الفيلم وقبل أن يفتح الباب للنقاش توجه محسن ويفى بسؤال إلى نواف الجناحى حول فريق عمل الفيلم، إذ لوحظ أنها كلها أسماء أجنبية. وكان السؤال يعكس رأيا عن وجود أفلام إماراتية وليس سينما إماراتية أو خليجية ، وهو رأى نقدى شائع يصف منتج السينما فى البلدان العربية المختلفة بأنها أفلام سورية أو عراقية أو خليجية وليست سينما بمعنى الصناعة والأسلوب والمنهج العام، مع الاعتراف بخصوصية فيلم " ظل البحر " وتعبيره عن الحياة الاجتماعية فى الإمارات خلافا للصورة النمطية عن مبانى دبى الشاهقة والحداثة المعاصرة بها.
تنتمى قصة الفيلم وأحداثه إلى الثقافة العربية عاكسة مشاكل مازالت تعانى منها المجتمعات العربية من خلال التركيز على منصور الذى بالكاد دخل أعتاب الرجولة وعلاقته الرومانسية مع كلثوم، والحسية مع مطلقة تكبره سنا، ونشاهد تفاصيل علاقته بصديقه المقرب وبأمه الكادحة ووالده المقعد . تميزت ديكورات الفيلم والأماكن التى تم التصوير بها، وكلها مناطق طبيعية وليست ديكورات فى الاستديو، تميزت بتعبيرها الدقيق عن المستوى الاجتماعى للأسر المختلفة، تلعب الأبواب دورا هاما بتنوعها ودلالاتها، فمنزل منصور بابه مصمت يعكس تواضع حال أسرته، وباب الفتاة كلثوم بالحديد المشغول والملون بلون أحمر ولون أخضر فزدقى يمثل جمالا خاصا ويشير لجمال صاحبته التى هى أيضا على أعتاب الأنوثة ولكنها مسئولة فى بيتها بعد وفاة والدتها. يعكس باب حديدى آخر عريض وبه جزء يفتح بسهولة الوضع الاجتماعى للمطلقة الشابة ووالدتها فى منزلهما الفسيح الأقرب إلى فيللا لطبقة موسرة، الباب الذى احتمى فيه منصور مرة من مطاردة لأقرانه وبعد عبوره تعرض لإغواء الفتاة ، الحُرمة التى تنتظر رجلا، كما وصفت نفسها له. مشاعر المراهق منصور تتحول من إعجابه الرومانسى بكلثوم إلى انجذابه الحسى للأخرى التى تتزوج للمرة الثانية بعد أن كان منصور قدتورط فى بيع دراجته ليحضر لها المجموعة الكاملة لأغانى عبد المجيد عبد الله الذى تعشقه.
وإذا كان الديكور والتصوير والمونتاج قد قام به فنانون من جنسيات أخرى إلا أن اختيار الممثلين كان إبداعا خاصا بمخرجه وقد نجح فيه لدرجة الامتياز . شرح نواف للنقاد عن مصادفة التقائه بالفتى الذى قام بدور منصور مؤكدا أنه كان اختياره الأول والوحيد، بينما حدد عدة اختيارات للأدوار الأخرى حتى استقر على السورية نيفين ماضى لدور كلثوم وعراقى لدور صديقه المقرب، وكويتية فى دور الفتاة المغوية. هذه الكوزموبوليتانية فى الفيلم منهج اختاره نواف حتى أن عمله القادم عن سيناريو لروسى ، هو يؤكد أنه يرغب بالتعبير عن حالات إنسانية عامة ليست بالضرورة من الإمارات تحديدا، قال إنه قد يقدم فيلما تدور أحداثه فى مصر بممثلين مصريين أو فى أى مكان، السينما بالنسبة له فن عام يمكن أن يعبر عن حالات إنسانية فى أى مكان وزمان.
كان من بين الحضور المخرج والناقد الكبير هاشم النحاس الذى عبر عن إعجابه بالمستوى الجمالى للفيلم ولغته البصرية رغم ما فاته من تفاصيل الحوار الذى تم بلهجة خليجية، وجه الناقد ياقوت الديب نقدا حول إلصاق تهمة الاغتصاب بمغترب آسيوى وليس لشخص إماراتى، وكانت إجابة نواف أنه عكس فى فيلمه جانبا من الواقع لعدد من الحوادث تقع ويتم التعتيم عليها إعلاميا، صحح الحضور أنه لم يكن بالفيلم اغتصاب ولكنها حالة تحرش لاشك تجعل الأخ غاضبا بعنف لمن تحرش بأخته بينما الأب لاه عنها وعن أختها الصغيرة بعد وفاة أمهما، زوجته وإحساسه بالوحدة وفشله فى تجاوز محنة فقدها. الأخ الأكبر جاسم يعمل فى أبوظبى ويرغب فى اصطحاب الأسرة كلها معه محققا طموح كلثوم فى الالتحاق بالجامعة والعمل. وبعيدا عن تفاصيل قصة الفيلم اتفق الحضور على امتلاك المخرج نواف الجناحى لأسلوب خاص يشى بفنان ينتظر منه الكثير فى أعماله القادمة.  
يميل المخرج لتناول الأزمنة الضعيفة وليس الأزمنة القوية المعتادة فى السينما التجارية، فيحذف من فيلمه مشهد التحرش ولكنه يبقى على ردود الأفعال، وكذا ماحدث من علاقة بين المراهق والمطلقة، لا نشاهد سوى مقدمات الحدث ورد الفعل على البطل، التركيز على قدميه تنتظران ماء البحر ليغتسل، زاوية الكاميرا التى تركز على أقدام الشخصيات تعبر فى مشهد عن مطاردة الحلاق الآسيوى لكلثوم وخوفها من الذئاب، أقدام الأب الهارب من مسئولياته وأقدام المرأة اللعوب بكعبها العالى، وأخيرا أقدام منصور وهو يتطهر فى البحر. صور بلاغية لاحظتها الناقدة والمترجمة سهام عبد السلام وعبرت عنها فى اللقاء الحميم الذى جرى بالقاهرة مع مخرج عربى قادم من بلد ليس به تقاليد لصناعة سينما ولكنه بانفتاحه على العالم ودراسته القصيرة فى مصر والأطول فى أمريكا لفن السينما جعلته قادرا على الإمساك بخيوط حكايته التى يرويها لنا بإيقاعه المتمهل والمتأمل، العاكس لإيقاع الحياة فى مدينة صغيرة تقع على الخليج العربى.
مهرجاناتنا فى القاهرة  ومراكش ودبى وفى الدوحة وأبوظبى وغيرها من مهرجانات هى نوافذ مفتوحة على العالم، وكذا نحن فى عروضنا الخاصة فى المراكز الثقافية المنتشرة عبر بلداننا العربية نفتح نوافذ عريضة على ثقافات العالم تقربنا من بعضنا البعض، وتصحح مفاهيم مغلوطة يبثها الإعلام عن بلداننا المختلفة، لتأتى السينما الصادقة بلغتها الفنية المركبة فتعيد بناء معلوماتنا وانطباعاتنا وتضعها فى إطارها الصحيح. الاهتمام والحب الذى أحيط به نواف الجناحى يعكس رغبة شعبية فى الانتماء العربى للمصريين على اختلاف ثقافاتهم وأعمارهم، ويعكس رغبة فى عدم البقاء بلا منافس فى حقل السينما وفنها الجمي