الجمعة، 25 أكتوبر 2013

عن الأعمال غير المكتملة لشادى عبد السلام

الطريق إلى الله
بمناسبة مرور 27 عاما على وفاة فنان السينما الكبير شادى عبد السلام عرضت بمركز الإبداع االفنى بالقاهرة ليلة 8 أكتوبر 2013  ثلاثية " الطريق إلى الله" التى حققها أحد تلاميذه وهو المخرج مجدى عبد الرحمن، أستعير تعبير أخوتنا الشوام وأكتب حققها ولا أقول أخرجها، فالعمل المكون من ثلاثة أجزاء قام شادى عبد السلام بإنجاز تصوير العمل الأول والثانى منها وتركه مادة خام دون أن يعمل على مونتاجه، وسواء كان السبب مرضه الذى أدى إلى وفاته عام 1987 أو كان لسبب آخر يتعلق بالإنتاج مثلا ففد ترك مجرد مادة خام لا يمكن اعتبارها فيلما له مثل أفلامه المعروفة جميعها. أعماله الكاملة هى ست أعمال وهذه الثلاثية هى عن الأعمال غير الكاملة له. الأول عنوانه الحصن والثانى الدندراوية والثالث تحت مسمى مأساة البيت الكبير وهوفيلم وثائقى مكتمل الأركان كتب له السيناريو مجدى عبد الرحمن وقام مهندس الديكور الفنان أنسى أبو سيف بالشرح والتعليق عليه وهو عمل لم يكتمل عن فرعون التوحيد إخناتون زما أسماه شادى بمأساة البيت الكبير . " الطريق إلى الله" رؤية لمجدى عبد الرحمن عن أعمال شادى عبد السلام التى لم تكتمل، ولا تعبر بالضرورة عن سينما شادى عبد السلام التى وضحت فى العمل البديع " المومياء" وفى العمل القصير " شكاوى الفلاح الفصيح، وأعماله المكتملة التسجيلية "جيوش الشمس1974 كرسي توت عنخ آمون الذهبي "." الأهرامات وما قبلها" 1984  " رعرمسيس الثاني 1986  وفيلم عن إنجازات ووزارة الثقافة بعنوان "آفاق". 
أتفق مع الناقد الكبير سمير فريد فى ضرورة أن يغير مجدى عبد الرحمن عناوين الفيلم فلا يكتب على الحصن والدندراوية سيناريو وإخراج شادى عبد السلام، فالإخراج عملية فنية مركبة تبدأ بمشروع العمل المكتوب فى سيناريو، ثم التحضير للتنفيذ واختيار فريق العمل الفنى للفيلم ثم إخراجه فى مواقع التصوير، وأخيرا العمل على مونتاجه، وبدون أى من هذه المراحل لا يكون العمل موقعا من صاحبه تحت مسمى إخراج. يدافع مجدى عبد الرحمن عن عمله فيقول أنه كان ملاصقا لشادى فى فترة تصوير الأعمال وخاصة فى العشر سنوات الأخيرة وأنه توحد مع روحه وتلبس إيقاعه ليخرج العمل وكأن شادى قد أنجزه بنفسه، وهو أمر فى غاية الصعوبة وخاصة مع فنان شديد الخصوصية يجرب فى كل عمل أسلوبا مختلفا وإن القول ببطء الإيقاع ليس السمة الوحيدة لشادى ولا يمكن بحجة المحافظة عليها أن تترك لقطات دون تزامن دقيق كما فى مشهد الدفوف بالعمل الأول، أو أن توضع لقطة مغبشة خارج البؤرة بينما يوجد لقطات أخرى شبيهة لها ، والأهم أن ما يذهب إليه المخرج ويكون معبرا عن رؤيته  والذى لا يمكن معرفته عن طريق الكلمات التى يشرح بها عمله، بل نعرفها من قراءتنا للفيلم بعد مشاهدة متأنية له. الفن السينمائى فن شديد التعقيد والتركيب ولا نشعر بنتائجه إلا بعد اكتماله تماما ويكون مخرجه مشرفا بنفسه على كل مراحله. فى السينما التجارية الأمريكية يقوم المنتج بعمل المونتاج لتخرج نسخة تحقق أعلى إيرادات، ولكن فى نظام سينما المؤلف يتم المونتاج فى وجود المخرج وتحت إشرافه التام.
الجزء الثالث من ثلاثية " الطريق إلى الله" يبدأ بلقطات لشادى موثقة أثناء تحضيره لفيلم إخناتون، ومعه فنان الديكور الراحل الكبير صلاح مرعى وهذه المشاهد بمثابة كنز ثمين احتفظ به مجدى عبد الرحمن ووظفه فى عمله التسجيلى عن الفيلم الذى لم يصوره شادى . هناك صوت يشبه صوت شادى عبد السلام يشرح وكأنها فى مقابلة صحفية_ قائلا: اخناتون كان أحد الفراعنة الذين حكموا مصر من حوالى 3400 سنة، من بين أكثر من 180 فرعونا، وهو الفرعون الوحيد الذى امتلك الجرأة على المناداة بالتوحيد وكان التيار ضده قويا جدا، مختصر القصة أننى فى هذا الفيلم أعالج مأساة رجل مفكر كان سابقا لعصره، ومأساة فشله هى محور الفيلم الذى شغلنى التفكير فيه طويلا"
الجملة التى استوقفتنى أن شادى يعتبر إخناتون مفكر سابق لعصره جورب من الكهنة المسيطرين على مقاليد الأمور فى مصر لعقود، وهو رأى أقرب لما عرفناه عن شادى المثقف العصرى . وليس احتفاء بمن سار على " الطريق إلى الله" كما صوره مجدى عبد الرحمن، وأغلب الظن أن الفنان شادى عبد السلام لم يكمل عمليه الحصن والدندراوية لما وجده من أن ما صوره لا يحقق أفكاره التى انحاز عليها فى أعماله الكاملة والتى تنتصر للحكمة والعدل وضرورة الأخذ بأسباب المدنية كما فى المومياء الذى انتقض فيه اعتماد المصريين على تراث الأجداد للتعيش منه رافعا السؤال الاستنكارى : " هل هذا عيشنا ؟ " وكما تجلت فى شكاوى الفلاح الفصيح الذى صور فيه الفرعون العادل الذى يطبق القانون بعدالة ويعيد للفلاح ما اغتصبه منه اللصين. ونعود لصوت شادى فى فيلم " مأساة البيت الكبير ونسمعه بؤكد أن فيلم إخناتون فيلم قومى ولابد أن يكون إنتاجه مصريا وأنه لا يفهم أن يدخل الإنتاج الأجنبى فيه، نسمع صوته وهو يختار الممثلين فى مشاهد تشبه ما نسميه حاليا بالميكنج الذى أصبح له اهتمام كبير فى صناعة السينما المصرية المعاصرة. كلمات شادى قدمت العمل التسجيلى الذى كتب السيناريو له مجدى عبد الرحمن بعد أن بدأه بوثيقة هامة لشادى وهو يختار ممثلى العمل تظهر بينهم سوسن بدر زجها مصريا بارع الجمال بين أخريات ، وقبل ذلك مشهد استهلالى لمجموعة العمل فى الديكورات مع صلاح مرعى ولقطات نادرة له يضع حلية التاج لرأس اخناتون وينتهى منه لنشاهد شادى متأملا نتيجة العمل بسعادة بالغة. الثلاثية لها تتر واحد فى النهاية لم يسجل عليه مجدى عبد الرحمن أنه أكمل ما صوره شادى ولم يضع لوحة مكتوبة توضح هذا الأمر الهام والضرورى لكى يتعامل الناقد والمتلقى مع العمل منسوبا لصانعه بدلا من خطأ الاعتقاد أنه فيلم لشادى عبد السلام بينما الدقة أنه فيلم عن أعمال شادى عبد السلام غير المكتملة. يعبر عن رؤية مجدى عبد الرحمن عن " الطريق إلى الله" وهذا الامتداد الإيمانى للمصريين منذ الفراعنة وحتى الآن. 
                                                 نشر بجريدة الجمهورية الأربعاء 23 أكتوبر 2013 

الأربعاء، 16 أكتوبر 2013

الاستثناء والقاعدة


قراءة جديدة            
 

مسرحية برخت والفن الخالد

فى عام 1930 كتب الشاعر والكاتب المسرحى الألمانى  برتولد بريخت مسرحية " الاستثناء والقاعدة" أثناء إقامته فى المصيف الفرنسى " لولا فاندو" على شاطئ البحر الأبيض المتوسط . وتبين المسرحية التى مثلها مسرح الجيب بالقاهرة فى فبراير 1964 كيف أن فعل الخير يصبح هو الاستثناء من القاعدة فى مجتمع يسوده الشر ويحتدم فيه صراع المصالح والطبقات، حتى إذا قدم الضعفاء والفقراء الخير أسئ فهمه من جانب المستغلين والأقوياء، وراح القانون أيضا يبرر سلوك هؤلاء .
شخصيات المسرحية محدودة هى التاجر المستغل ، الأجير الضعيف، الدليل الفقير، القاضى  القوى، و3 أشخاص ثانويين. تبدأ بالجوقة تنبه المشاهدين وتناشدهم بألا يقولوا " هذا أمر طبيعى" بل تدعوهم لتبين وجه الغموض والتفتيش عن وجه الضرورة فيما يعرض عليهم.
المسرحية التى أعيد قراءتها حاليا من سلسلة مسرحيات عالمية بدأت إصداراتها فى 15 مايو 1965 – الستينيات المجيدة ثقافيا ووطنيا- ترجمها د. عبد الغفار مكاوى . وتروى المسرحية عن التاجر الذى اصطحب أجيرا يحمل عنه حقائبه، ودليلا يرشده إلى طريق الوصول حيث بئر البترول ليجنى ثروة. بمنتصف الطريق يطرد التاجر الدليل عندما عامل الأجير معاملة حسنة فخاف من تقاربهما، وبقى مع الأجير الذى ضل الطريق وكان الدليل أعطاه زمزمية ماء لأنهما سيمران بصحراء قاحلة، وطلب منه إخفاءها عن التاجر الذى كان معه زمزميتان فرغا من المياه، وحين عن للأجير أن يمد يده ليعطيه الماء من زمزميته، ظن التاجر ونظرا لمعاملته السيئة للأجير أنه سيلقى عليه حجرا، فأرداه قتيلا. وفى المحاكمة شهد الدليل لصالح الأجير ولكن هيهات فالقاضى وهو القوى المساند للمستغل التاجر حكم ببراءة التاجر رافضيا الاستثناء من القاعدة . القاعدة هى علو الشر والاستثناء هو فعل الخير.
الرحمة هى الاستثناء
وتأتى حكمة المسرحية وفكرتها الأساس على لسان القاضى ينشد: القاعدة هى أن العين بالعين/ مجنون من يطلب الاستثناء/ إن مد عدوك يده ليسقيك/ فلا تأمنه إن كنت عاقلا. ويعارضه الدليل منشدا بدوره : فى النظام الذى رسمتوه لنا تصبح الرحمة هى الشذوذ والاستثناء/ لا تكن انسانا فتدفع ثمن إنسايتك غاليا/ الويل لأهل السماح/ الويل لمن كان محياه محبوبا/ إن أراد أن يساعد جاره/ فقف فى طريقه/ وإذا تأوه أحد بجانبك/ فضع أصبعك فى أذنيك/ وإذا استغاث بك أحد/ فامسك خطاك عنه/ الويل لمن ينساق وراء عواطفه/ ويمد يده ليسقى إنسانا/ والذئب فى الحقيقة هو الذى يشرب.
السيد والعبد ... تلك سنة الحياة
فبعد أن أنشد التاجر : كتب الموت على الضعيف /كما كتب القتال على القوى/تلك سنة الحياة/ ضربة يد للقوى/ وضربة قدم للضعيف/ تلك سنة الحياة/من سقط فدعه يسقط/واضربه أيضا بيدك وقدميك/ تلك سنة الحياة/من ينتصر فى المعركة يتبوأ مكانه فى المأدبة/وهذا هو جزاؤه/والطاهى لم يحص عدد الموتى/ وحسنا ما فعل/ والله الذى خلق كل شيء / قد خلق السيد والعبد/ والحكمة فيما رآه/ حين يسير كل شيء على ما يرام/ يمدحك الناس/ وعندما يفسد كل شئ / يسخرون منك/تلك سنة الحياة.
رعب الجلاد يجعله يفتك بالضحية
بالمسرحية توصيف عبر مقطع يعبر عن الحالة التى تعيشها الشعوب المقموعة فى مواجهة النظم الدكتاتورية التى تستعين بجهاز الشرطة ، يقول القاضى : ..مثل هذا يحدث فى دوائر البوليس ، فأنت ترى عساكر البوليس يطلقون الرصاص على جمهور من المتظاهرين.. على قوم لا شك أنهم مسالمون ، فما الذى يجعلهم يطلقون عليهم الرصاص؟ لماذا يفتكون بهم؟ الجواب بسيط، ذلك لأنهم لا يستطيعون أن يفهموا عدم مبادرة هؤلاء المتظاهرين لاقتلاعهم من فوق ظهور خيولهم والفتك بهم لساعتهم. فإذا أطلقوا عليهم الرصاص فذلك لأنهم خائفون.   
هكذا الفن الحقيقى يستشرف المستقبل، ويكون قادرا على البقاء بما وصل إليه من حكمة لأزمان آتية تتخطى اللحظة التى صدر فيها. مسرحية كتبت فى الثلاثينيات، وترجمت ومثلت بالستينيات بمصر وتشرح كثيرا من الأحداث التى نعيشها هنا والآن.
وهكذا تتم قراءة العمل الفنى وأنت مشبع بأحداث اليوم، فتسقط عليه هواجسك الآنية، ومخاوفك الحالية دون قصد من المؤلف الذى كتب بوحى من ماضيه وحاضره، غير مدرك لكيفية تأثر مستقبلك به. وحده الثورى يعى أن ما كتبه قد ينبهك لما يمكن أن يحدث لك. وحده الفنان الملتزم الذى يقدم فنه هادفا لتوعية المتلقى وتحذيره مما يمكن أن يحدث له.
صفاء الليثى
القاهرة 2013