السبت، 30 مارس 2019

عن ثلاثة أفلام مصرية في مسابقة الفيلم القصير بمهرجان أسوان 3


جمال الاختلاف في أساليب التعبير

بين نوال وشفة وهاجر 

عروض المسابقة الدولية للفيلم القصير كانت تبدأ في الخامسة، مما ناسب جمهور كبير من شباب وشابات أسوان امتلأت بهم قاعة العرض الملحقة بفندق هلنان المجهزة بشكل احترافي لمشاهدة الأفلام مع أجهزة عرض حديثة بالصوت المجسم. من بين أعمال قصيرة من مختلف دول العالم، تسجيلة وروائية وتحريك توقف الجمهور عند العملين المصريين، لاقترابها من أمور يعايشونها ويسعدون بمن يجيد التعبير عنها. تجاوب الجمهور مع فيلم " نوال " العمل الأول لصانعه ابراهيم غريب الذي يعمل في دوبلاج الأفلام وحين أخبر الحضور بأنه مؤدي دور السلحافة في نيمو حتى صرخ الشباب استحسانا. صور ابراهيم والدته على مدى عدة شهور وانطلقت في حكايات بصراحة وثقة ، أطلعها على ما صوره ووافقت على عرض الفيلم بعد مونتاجه الذي تم قبل وفاتها بقليل، وحين توفت قام الأخ بتصوير ابراهيم على قبر أمه وقد حصل مسبقا على موافقتها على كل تفاصيل الفيلم ومنها النهاية بمشهد جنازتها.

فيلم نوال تم تدعيمه بصور من أرشيف الوالده لها ولأبيه ، فبدت نوال كسيدة مصرية تشبه كثيرات من أمهاتنا وأخواتنا. لم أتوقف كناقدة عن شكل الكادر العفوي غير المرتب ولا على زوايا تصوير لم تكن موفقة، فجاذبية شخصية الأم وانطلاقها في حديث صريح يصرف الانتباه عن مثل هذه التفاصيل. ابرهيم بعزمه على تحقيق فيلم عن والدته نجح في عزمه كما نجح في أن يحمل لقب صانع أفلام، وأتصور أنه سيجرب مع موضوعات أخرى وسيحقق أفلاما صادقة وقريبة من القلوب. من الإسكندرية نطل علينا أمنية عكاشة بفيلم عن الصبي العائش في العشوائيات والذي يسميه أقرانه شفة نظرا للندبة في شفتيه. يبدأ الفيلم بمبارة كرة قدم على سطح منزل بسيط، وتخرج امرأة تنادي الصبي ونتبين أنها أمه تطلب منه ترك حصيلة ما وزعه، هي تغسل وتططلب منه احضار قهوتها، الفتى الذي كان يتزعم أقرانه يرتعد خوفا من والدته الشرسة، حين يجلس على الكنبة يترك تحته بقعة دماء ويهرع الى الحمام فيكتشف دماء في ملابسه، الأم تصعق لمرئى الدماء وتطلب من شفة إخفاء الأمرعن كل من يعرفه، وتبدأ في تعنيفه، والتأكيد عليه للإبقاء الأمر سرا، تشرح له لها بالفعل أن ما حدث سيحدث الجمعة الأولى من كل شهر ويستمر بضعة أيام، الفتى يردد بضعة أيام؟ يصلنا يقين أن الأم ربت ابننتها كولد حتى تجابه المجتمع من حولها كما تدعي.

هناك ثغرات بالفيلم فكيف لم تكتشف الفتاة غياب العضو الذي حتما تشاهد الصبيان به وهم يتبولون في بيئة كهذه، وكيف لم تظهر بوادر سبقت دماء الحيض كانتفاخ الثدي مثلا. لم تدقق أمنية في الأمر وعلى الأرجح حصلت على قصتها من مصدر ما ولم تشغلها التفاصيل وركزت فقط على بيان ما يمكن أن تتعرض له أنثى في حي عشوائي بينما يعيش الذكور بشكل أفضل قادرين على حماية أنفسهم ولو بادعاء القوة.
نوال تسجيلي يوثق لحياة سيدة تقترب من الثمانين، صورها ابنها في مائتي ساعة وعند المونتاج اختار قصصها العاطفية التي حكت عنها بصدق. وفي شفة عمل خيالي يفترض أن أما في بيئة عشوائية ربت ابنتها على أنها ذكر ونسيت أمر الطبيعة عند وصول دورتها الشهرية. علينا أن نتغاضى عن مشاكل في الحبكة لصالح فكرة إظهار ما تتعرض له الفتيات والنساء في مجتمع عشوائي.
أما هاجر عبد الباري فقدمت فيلما طليعا يجمع بين الفكرة اللامعة والأسلوب الفني الخاص والمميز كونه عملا وثائقيا يمزج وثائق قديمة مع صور حديثة أحيانا تكون لقطات عامة شديدة الاتساع، أو لقطات قريبة معبرة وهي تؤدي بصوتها واحساس عالي، تقول مخاطبة أمها أحببت الشاشة لأنها تقربني منك، وكرهتها لأنها حاجز بيني وبينك". هاجر التي تربت بدبي نجحت في عملها الأول هذا " تواريخ" في التعبير عن قسوة الغربة وتأثير البعد عن والديها مستخدمة شرائط مصورة ومقاطع صوتية نجحت في نسجها بمونتاج خلاق لإيصال معاناة فتاة اغتربت عن والديها مجبرة للدراسة. هذه مخرجة واعدة يتجاوز فيلمها حدود الفيلم التسجيلي الشائع، ويتفوق على الخيال الروائي حين ينجح في إيصال أحاسيس قوية تصل لكل الناس.
نوال بطلة فيلم من صنع ابنها، شفة ضحية أمها في البيئة العشوائية وهاجر في معاناة الغربة رغم توفر المادة، نماذج من النساء تنوعت معاناتها ونجح مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة في عرضها على جمهور المدينة الساحرة في جنوب مصر غالبيتهم من الفتيات والشبان . 
صفاء الليثي
ملحوظة: نسيت أين نشر أو أنني لم أرسله للنشر وينشر هنا للمرة الأولى، الزحام كان شديدا بين المهرجانات. 

الأربعاء، 27 مارس 2019

نسخة أفريقية من روبن هوود تنافس على جائزة الروائي الطويل بالأقصر



جون كيبي بطل تراجيدي بجنوب إفريقيا
من بين أفلام المسابقة الروائية الطويلة يبرز فيلم من جنوب أفريقا لمخرجه اللامع جميل كوندو الذي حظيت أعماله الوثائقية والروائية بعروض في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية المرموقة بما في ذلك مهرجان تورونتو السينمائي الدولي ومهرجان روتردام السينمائي ومهرجان لندن السينمائي الدولي ومهرجان بوسان السينمائي الدولي بكوريا، ومهرجان دبي السينمائي وغيرها. وهنا في الأقصر يشارك بفيلمه " خيط الشتاء جلدي" توقع الإعجاب بالفيلم يبدأ من عنوانه المحمل بصورة أدبية وتظل صورة الفيلم التي تجعلنا نشم الطين والطمي المبلل الذي يسود المناطق الزراعية في الريف الإفريقي على مدار الفيلم كله بدرجات لونية يغلب عليها اللون البني المائل الى الرمادية. فيلم حركة مستمرة منذ الدقيقة الأولى دون توقف وكأن الإيقاع على صرخة واحدة زاعقة خالية من لحظات صمت أو زمن هاديء. الفيلم عن بطل متمرد أسود، إذا جاز اعتبار أن السرقة من الأغنياء واقتسامها مع الفقراء بطولة، كما أدهم الشرقاوي في القصص الشعبي المصري ، وكما روبن هود الأشهر عالميا. اختار المخرج فترة في الخمسينيات تلت الحرب العالمية حيث مستعمرين بيض لديهم مزارع ويربون الأغنام مسلحين بالبنادق ولديهم متفجرات في مقابل ما يملكه السود من عصي وحجارة، معارك غير متكافئة تدور، ينتصر فيها الأبيض بسلاحه ويعيش أصحاب الأرض الأصليين من جبال بوشبيرج في فقر مدقع وخوف دائم من الموت. حيث يرز بطلهم الذي اختار منفردا أن ينتقم على طريقته  بسرقة الماشية وغيرها من المزارع في المنطقة القاحلة الشاسعة التي تقع في منطقة كارو الكبرى الريفية في جنوب إفريقيا وأن يشارك غنائمه مع الفقراء ومنهم أمه وامرأته. العلاقة مع الأم واضحة، ولكن علاقته بالمرأة يشوبها الغموض فهي تخيط جرحة بعد غزوة من غزواته التي عاد فيها منتصرا بحمله خروفا سرقه ووصل به سالما، يحاول التقرب منها ولكنها تمنعه بقسوة. 
لا يسرد المخرج فيلمه في خط زمني من بداية الأحداث حتى الوصول الى ذروة ثم النهاية مع إعدام المتمرد بتهمة القتل التي لم يرتكبها. بل يروح ويجيء منتقيا أعلى اللحظات وأسخنها مستخدما كل وسائل الإثارة من موسيقى زاعقة وإضاءة ممتعة وبيئة مبللة لا يظهر فيها زرع أخضر ولا مياه صافية. كل ما حولنا كأنها بداية الخليقة أو نهاية العالم.
البداية مع مشهد مطاردة في الليل بين شخص أعزل مغطى، سنعرف لاحقا أنه مغطى بالخراء بعدما اخنبأ في المجرور، وعديد من المسلحين مع كلابهم، ثم المحكمة وقراءة الحكم على السيد جون كيبي بالإعدام شنقا لجريمة القتل التي لم يرتكبها. الجكم يقرأ باللغة الألمانية وسنلحظ الصليب المعقوف على أذرع البيض حاملي السلاح مطاردي الرجل الأسود . نظرة نارية من كاتب يسجل بقلمه في كراس إلى البطل الأبيض بعينية الزرقاويين. الإقطاعي بوثا يمضي وقد شفي غليله ، وينتهي مشهد المحكمة بلقطة قريبة لسيدة سوداء ومنها لمشاهد عودة للخلف وحارس سيدها يحمل سلاحه ويمضي. تترقب خروجه حاملا سلاحا أبيض وتنزل العناوين .
عسكري أسود بشارب ضخم يعمل مع البيض يقتحم غاضبون بيته ويلقون بشعلة نار، صراخ طفل ، يعمر سلاحه ويقترب من الغاضبين ويقتل واحدا منهم فيفر الجميع. منذ البداية تفوق السلاح الناري على الوسائل الأخرى.الكاتب على آلته الكاتبة يكتب . سيتنقل السرد بين الوحدات المشهدية لما يقوم به جون كيبي من أفعال السطو على المنازل والتقليب في ممتلكاتهم صور أسلحة وجهاز اسطوانات، وبين مطاردة البيض له، ومشاهد لمساندة السود لبطلهم، ولقطات قصيرة تظهر الكاتب على آلته الكاتبة، دون تسلسل زمني بل بالتقدم والتراجع لاهثا وراء كل ما هو ساخن وحيثما يجد مساحة للتشويق فإنه يقتنصها ولا يسمح لها بالإفلات. في مغارة يضيئها بالمشاعل يجمع جون كيبي المسروقات ويشغل الجرامافون وتنبعث أغنية بالألمانية يستخدمها المخرج كموسيقى مصاحبة لمشاهد صراع بين حارس الإقطاعي واللص البطل الشعبي.
فكرة الانتقام تعتمد عليها كثير من الأعمال الدرامية ولكن المخرج يقلل من شأن المنتقم بالتركيز على أفعال خائبة وجنونية لا تحقق له شيئا، ويصبح مهزوما لا محالة فالبطل الفرد هنا ليس خارقا ولا ذكيا بل مغامرا ولا يأبه الموت وهي صفات لا تكفي لينتصر على أعدائه الذين لديهم دوافع قوية للحفاظ على ثرواتهم ولضمان عدم تكرار نموذج المتمرد عليهم. ورغم براعته في التعامل مع الخيل مما يسهل عليه اقتياده وبراعته في قيادة دراجة نارية أيضا إلا أن البطل الأسود ليس نبيلا بما يكفي لكي تتعاطف معه، بل على الأكثر يمكن أن ترثي لحاله وقد تتمنى أن ينجح في الإفلات من جريمته الصغيرة .  يسرق كيبي خروفا من مزرعة بوثا ويحمله على ظهره ويجري به وهو أعزل ، مشهد يطول في مطاردة غير متكافئة وتكون نتيجتها موت الحيوان حين يقفز به قفزة جنونية فيصرخ من ضياع غنيمته، يكرر الفعل وينجح فيرقصون احتفالا بطعام يشتاقون إليه . خروف واحد لقرية بأكملها سيدفع ثمنه حياته ولن يفلت بقوانين الرجل الأبيض الملفقة والشاهد عليها كاتب القصة الذي يظهر في الفيلم كشاهد على الأحداث وراويها.
يحفل الفيلم أيضا بمشاهد جماعية لثورة السود في مواجهة مع سيارات وبنادق الحكام البيض ومن يتعاون معهم من السود القلائل، برغبتهم كما الضابط ذو الشارب الغليظ، أو مرغما كما الخادمة في بيت الجنرال بوثا .مشاهد تعيد إلى الذاكرة أفلاما أمريكية أرخت لصراع السود مع البيض قبل انتهاء حقبة التعامل معهم كعبيد، ولكن المخرج الإفريقي في فيلمه هذا يقدم قطعة مختلفة في الأراضى الإفريقية التي استعمرها المنتصرون البيض في حروبهم خارج القارة السمراء، غالبا كمكافأة لهم على تضحياتهم في الحرب الكبرى. لا تجري أحداث " خيط الشتاء جلدي" في القارة الجديدة أمريكا حيث العبيد السود وأسيادهم البيض ، بل في بلادهم ، في جنوب إفريقيا الريفية المشحونة بالعنف في خمسينيات القرن العشرين التي سيطر عليها البيض وأتوا بعرباتهم ونسائهم وبكل تفاصيل حياتهم يعربدون في أرض لم تكن يوما لهم، وهذا المشهد هو ما ينتهي به الفيلم كعودة بالأحداث إلى الوراء  مع الإقطاعي بوتا الذي نجح في النهاية في القبض على جون كيبي وساندته قوانين البيض بإعدام الرجل الذي كانت أفعاله تهديدا للمجتمع الفلاحي الاستعماري، وها هم الجنرال المستعمر يهنأ الآن في أرضهم،  يستقبل ضيوفه، يمنع زوجته من تعاطي الخمر حتى لا يظهر للآخرين غضبها ورغبتها في ترك المكان والعودة إلى بلادها، ويمتليء مشاهد الفيلم بالأسى على سيادة الظلم في عالمنا الذي كان.
. في عام 2005 ، فاز فيلم وثائقي  للمخرج جميل عن الإيدز أخرجه لشارع سمسم بجائزة بيبودي المرموقة في أمريكا لأفضل برامج واقعية.  وفي عام 2013 تم حظرفيلمه الروائي الثاني "تقرير جيد" في  بلده جنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري.
من بين العديد من أفلام إفريقا اخترت إلقاء الضوء على فيلم " خيط الشتاء جلدي" الذي يبين بوضوح أن القضايا لا تموت بفعل الزمن ، وأن تضحيات أصحاب الحقوق لنيل حريتهم تستحق التذكير بها مهما ظهرت قضايا معاصرة كتغيرات المناخ ، أو شح الغذاء ، تبقى قضية الحرية في المقام الأول هي قضية البشر في كل زمان ومكان. وسينافس في القسم التسجيلي فيلم آخر معاصر من جنوب إفريقيا يحمل عنوانا مستمدا من كتاب عن رواندا " همس الحقيقة " بإنتاج ضخم عن الفساد السائد في جنوب إفريقيا البلد الذي يعتبر الفارق فيه بين الأغنياء وأغلبهم من البيض وبين الفقراء السود أعلى فارق بين السكان على مستوى العالم.

صفاء الليثي
كتبته قبل إعلان الجوائز بيومين عن فيلم " خيط الشتاء بجسدي" الحاصل على جائزة أفضل إسهام فني من لجنة تحكيم المسابقة الروائية الطويلة بمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية وختام المقال عن الفيلم التسجيلي الذي حصد جائزة لجنة التحكيم " همس الحقيقة" الفيلمان من جنوب أفريقيا . نشر المقال بجريدة القاهرة الثلاثاء 26 مارس 2019 رئيس التحرير عماد الغزالي


السبت، 23 مارس 2019

الأفلام كواقع بديل، مقدمة عن السينما وعلاقتها بالواقع


السينما مرجعية معرفية للواقع
كنت أقرأ رواية هيرمان هيسة ( لعبة الكريات الزجاجية) الحاصل على نوبل عام 1946 ، محاولة التركيز في القراءة وإبعاد شبح تفاصيل الحياة اليومية التي تملأ رأسي ولم أستطع أن أمنع نفسي من توارد صورة أحد الأفلام التي شاهدتها يوما ما ، الفيلم يدور حول دير في بولندا وعدد من الشخصيات النادرة به ، كان الفيلم يبدو وكأنه واقع عشته يقرب لي صورة المؤلف الألماني الذي يروي عن أشياء لم أعرفها مسبقا ولا يمكنني تصورها بشكل كامل. وتوقفت عند هذا الأمر فبدا لي أن الأفلام قد دخلت إلى ثنايا عقلي ليس كخيال ، أو شطحات خيال بل كحقائق مادية وجدت في زمن ما ، وفي مكان ما، ومن هنا تنبهت إلى خطورة الصورة ومدى تأثيرها علينا وخاصة إذا لم يكن في ثنايا عقولنا معارف أخرى موثقة أكثر، أو مؤكدة بشواهد مادية ، الحياة ليست كالأفلام ، بل إن كل فيلم حياة قائمة بذاتها ، نرتبط بشخصيات الفيلم وتصبح واقعا موجودا نتصوره في مكان ما وزمان ما.

حين رحلت الممثلة زيزي مصطفى ونشر الخبر بالتلفزيون سألتني ابنتي عنها - من هي يا أمي لا أعرفها- فقلت لها إنها ذات الغمزة في الخد، الضحية في فيلم البوسطجي، وفيلم المراهقات، آه يا حرام أنا أحبها جدا. لوتأملنا رد ابنتي سنجد أنها أشفقت على الممثلة وقد توحدت مع الشخصيات التي مثلتها، واستخدمت ابنتي الفعل المضارع – أنا بحبها جدا – نعم فالفن يخلد الشخصية والمكان ويجعلها واقعا دائما مهما بعدت السنون. في وجداننا شخصية الفيلم أزاحت واقع الشخصية وأصبحت هي الأقوى، ولم نتعامل مع الفيلم وشخصياته كخيال للمؤلف أو كصنيعة لمخرجه، بل أصبح جزءا من واقعنا وتكويننا الثقافي، لا يختلف الناقد – حين يخلع ثوب قاضي الفن- عن مشاهد غير محترف. آه يا زيزي كم أحببتك وكم بكيت مصيرك وختم البوسطة ينطبع على الكتاب من الداخل في " البوسطجي" ، كم بكيتك وأنت تنزوين خوفا من زوج الأم ومن حملك من زواج غير معلن في "المراهقات".


 أوباما وبشاي وبومبا

يخلق السينمائيون واقعا بديلا يؤثر في الأبرياء والبسطاء وعلينا جميعا فعليهم أن يهتموا بما يقدمون ، وأن يدرسوا شخصياتهم ولا يتعجلون. كما فعل أبو بكر شوقي في " يوم الدين " منذ أن أخرج فيلمه القصير " المستعمرة" واقترب من هؤلاء المنبوذين وسكنته شخصيات وجد أن من حقها العيش ومن حقها الترحال.قدم له الجونة من خلال منصته للتطوير فرصة ليطور عمله ليصبح جاهزا للتصوير، فيخرج قويا ومقنعا للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان العريق. يفوز الجونة 2 به ويشارك في مسابقة الروائي الطويل هذه العام وقبل أن أشاهد الفيلم تغلغلت شخصياته في عقلي وأزاداد شوقي للتعرف على أبطاله الواقعيين بعدما أكسبهم الفنان واقعا فنيا جديدا سيخلد في أذهاننا ويصبح "أحمد عبد الحافظ" و"راضي جمال " ، و"عادل عبد السلام " باقون حتى نهاية الزمان. سنعرفهم بأدوارهم في الفيلم أوباما وبشاي وبومبا. لا يهمني إن كان الجونة مهرجانا بدأت فكرته رغبة في تنشيط السياحة كمشروع مشترك بين أخين يمثلان قطبين من الرأسمالية الوطنية المصرية، أحدهما يركز في مجال السياحة والثاني في الاتصالات والسينما ، ما يهمني أنهما بمهرجانهما قد وجدا حالمين آخرين  بدعم السينما العربية  فاجتمعا على هدف إقامة مهرجان سينمائي راهن البعض أنها ستكون دورة واحدة فقط، وتمنى آخرون أن يستمر دعما لصناعة السينما المصرية والعربية وتأكيدا على رفعة فن السينما واحتياجها لمهرجان قوي يدعم الأفلام ولا يقتات عليها.  


صفاء الليثي

 القاهرة أغسطس 2018 
مقال لم ينشر كنت كتبته لنشرة مهرجان الجونة السينمائي2