السبت، 6 مايو، 2017

لجان المشاهدة في مهرجانات السينما ...




لجان المشاهدة  في مهرجانات السينما ..
استشارية أم ملزمة؟
على مدى سنوات شاركت في لجان لاختيار أفلام مهرجاني القاهرة والإسماعيلية ، المصطلح العلمي لها لجان اختيار أولي ( بري سيلكشن) مهمتها اختيار أفلام للمشاركة بالمهرجان من بين أفضل ما تقدم . وحين اختارت لجنة مشاهدة مهرجان القاهرة فيلم " آخر أيام المدينة " بحماس للمشاركة في المسابقة الرسمية وبعدما أعلن عن اختياره بالفعل، تغير الموقف وفوجيء أعضاء اللجنة بفيلمين مصريين آخرين وعدم عرض الفيلم المختار بأي قسم في المهرجان. أزمة حدثت فأثير النقاش هل رأي اللجنة ملزم أم أنها لجنة استشارية؟ 

الناقد الراحل سمير فريد كان اعتمد التسمية لجنة اختيار الأفلام بينما يعتمد الناقد يوسف شريف رزق الله التسمية بلجنة المشاهدة. وأعتقد أن الفارق كبير  في المعنى وإن كانت النتيجة واحدة ، تقوم سياسة رزق الله على أنه يستحيل عليه أن يشاهد بمفرده أفلاما تتخطى الألف فيلم بمتوسط ساعتين لكي يختار من بينها الأفلام المشاركة، ولهذا يعتبر أن لجنة المشاهدة لجنة معاونة له في غربلة الكم الكبير من الأفلام الذي يصل مهرجان القاهرة العريق. رزق الله مديرا فنيا للمهرجان ومبرمج البرامج اختار مساعدا له في السنوات الأخيرة يشاركه الاختيار. بعض الآراء تذهب إلى أن هذه اللجنة غير ذات صفة وأن الأفضل أن يكون هناك مبرمج يختار الأفلام ويصنفها داخل أقسام المهرجان المختلفة. وأجد الرأي مناسبا للمهرجانات الصغيرة كمهرجان شرم الشيخ الناشيء أو مهرجان الأقصر أو أسوان . ويبقى مهرجان القاهرة في احتياج إلى لجان تختار وتمنح تقديرات ويقترح أفرادها القسم الذي يرشحون الفيلم للمشاركة به. يحكم النقاد من خلفيات صحفية غالبا على محتوى الفيلم وفكرته، أما النقاد من خلفيات أكاديمية أو من بين دارسي فن السينما وصناعها فيهمهم الأسلوب الفني للفيلم وكيفية تناوله عبر تقنيات السرد. ولهذا أجد أن اللجنة الأكثر توفيقا في الاختيار التي تضم نقادا صحفيون وصناعا للفيلم ممن يمتلكون حسا نقديا ومن الممكن أن تضم أيضا مثقفا عاما أو ممارسا لفن الكتابة أو الفن التشكيلي، فتكون عندها النظرة للأفلام شاملة فروع الفيلم الستة المعروفة . اللجنة الأنسب يتنوع فيها أيضا الفئات العمرية والنوعية ، شبابا وكهول، رجالا ونساء. أذكر أن لجنة ضمتني مع د. سلمى مبارك والصحفية علا الشافعي، وكنا ثلاثتنا نتحمس لفيلم لا يلفت انتباه الرجال الزملاء  من الرجال، الأنثى تقرأ بشكل نسوي الأفكار والمشاعر بشكل يغيب عن الرجال أحيانا كثيرة. أما الخلاف الأكبر فينشأ بين جيل قديم مازال يجد أن التزام الفن ضروري في المقام الأول بينما يجد الشباب أن كسر القواعد والتجديد في الشكل عنصر يغلب المضمون ومفاهيم الالتزام بكل أنواعها . يثار نقاش أيضا حول تضمن بعض الأفلام لمشاهد جنسية صريحة، عندها تظهر وجهتي نظر، رأي يصرح قائلا بأن الحكم على الفن لدواعي فنية ولسنا رقباء على الفن ورأي آخر يصرح بأننا نختار فيلما للعرض على مصريين متنوعي المشارب وليس اختيارا في المطلق. أنحاز إلى الرأي الأخير ويكون اختياري بما أعتقد أنه مناسب للعرض في مصر على جميع المستويات شكلا وموضوعا. تظل لجنة مشاهدة مهرجان القاهرة لجنة استشارية ترشح عددا من الأفلام يتخطى كثيرا ضعف المطلوب لتكون هناك فرصة أمام المبرمج ليختار بشكل نهائي الأفلام المشاركة بما يناسب لائحة المهرجان وبما يمكنه الحصول عليه بأقل تكلفة ممكنة مع انخفاض سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية.  إذن لجنة مشاهدة أو بري سيلكشن تعبير دقيق Pre-selection. وعلى حسب توافق أعضاء اللجنة وتقبلهم للخلاف في جو ديمقراطي تكون اللجنة موفقة واختياراتها مرضية، يلاحظ التوافق أو عدمه من شكلها وبناء عليه يقوم بالتغيير أو التجديد . 

لجان الإسماعيلية رغم اختصار تسميتها إلى لجان المشاهدة إلا أنها لجنة اختيار باتة ونهائية بدرجة 90% ، واللجان تنقسم حسب فروع المسابقات فتكون هناك لجنة للتسجيلي بنوعية الطويل والقصير، ولجنة للفيلم الروائي القصير ولجنة لأفلام التحريك. منذ البداية تم اختيار اللجان من بين من مارسوا صنع هذه الأفلام والمتخصصين بها بشكل أساسي مع تطعيمهم بالصحفيين، وأنحاز كثيرا إلى هذا التوجه الذي ينتج عنه دقة اختيار الأفلام باعتماد أسلوبها الفني بشكل أهم من المحتوى الذي تعبر عنه.
أحد مهام أعضاء اللجان سواء في القاهرة أو الإسماعيلية مراعاة التنوع في الموضوعات والأساليب الفنية عند الاختيار، ولأن الواقع يفرض نفسه، كثيرا ما تؤثر القضايا المطروحة على الساحة في عملية الاختيار، كأن تكون الهجرة غير الشرعية أو قضايا الإرهاب كما هو حادث منذ سنوات، وقبلا كانت قضايا عمالة الأطفال أو اضهاد المرأة والأقليات، قضايا آنية تفرض وجودها وتقود الاختيار بما يتجاوز في أحيان كثيرة المستوى الفني للفيلم . وإذا كانت لجان التحكيم تختار ( أحسن الوحشين) مثلما عبر مخرجنا الكبير توفيق صالح فهذا هو واقع الحال مع لجان الاختيار التي يمكن اعتبارها لجان تحكيم أولية قبل الاستئناف.
يحرص المدير الفني ورؤساء المهرجانات على تجديد تشكيل اللجنة ، يقوم الناقد الكبير يوسف شريف رزق الله بقراءة تقارير الأعضاء بدقة، ومنها يشكل رأيا أوليا قبل أن يشاهد بنفسه الفيلم الذي رشح للمشاركة، يقيم اختياره للأعضاء وبحسه النقدي يتحمس لعضو ويبقيه لعام بعد عام أو يجده لم يؤد دوره كما يجب أو أنه لم ينتظم في الحضور، الالتزام والحرص على الحضور الدائم أمر هام لتكون مشاركته فعالة ومتكاملة الرؤية .
تبقى علاقة أعضاء اللجنة مع المخرجين المصريين شائكة، أغلب من يتقدمون بأفلامهم يحرصون على معرفة أعضاء اللجنة، هي معلنة وتنشر تشكيلاتها بالصحف بالطبع، بعضهم يطارد العضو ويسأل ويتعجل قرار اللجنة، البعض يعادى ويهاجم إذا لم يتم اختيار فيلمه، مبالغة المخرجين المصريين في تقدير أعمالهم واعتمادهم على آراء أصدقائهم آفة كبرى ومن أكبر مشاكلنا التقدير المبالغ فيه الذي يضعه المخرج لنفسه أو أن يوقعه حظه العاثر في أصدقاء ينحازون له مهما كان مستوى عمله المتواضع غالبا.
عمل اختيار أفلام للمشاركة بالمهرجان عمل شاق ومسئولية كبيرة، مسئولية تجاه المبدعين وتجاه المتلقين، وطالما سعدت باستقبال الحضور في مهرجان الإسماعيلية للأفلام المشاركة، وخجلت من كلمات الشكر على حسن الاختيار، وحزنت مرات أقل للمعاتبة على ضعف مستوى بعض الأفلام المشاركة، مع السنوات شعرت أن الإسماعيلية للفيلم التسجيلي والقصير أحد أفراد أسرتي يهمني نجاحه ويهمني أن يحوز إعجاب الأصدقاء. ومع مهرجان القاهرة المسئولية الأكبر إذ يستمر الترشيح حتى أثناء المهرجان نظرا لتعدد العروض وتزامن أكثر من برنامج، يوقفني زملاء ويسألون ( ترشحي لنا ايه النهارده ) أشير لهم على انحيازاتي، تناسبهم غالبا وتكون فرحتي حين تخرج نتائج لجنة التحكيم فأجدها متوافقة بدرجة كبيرة مع ترشيحاتي، تزداد ثقتي وأشعر بالامتنان للناقد الكبير يوسف شريف رزق الله الذي منحني دورا في إقامة مهرجان مصر الأول وأستمر في تقبل المهمة على صعوبتها لأن النتائج غالبا ما تكون مشجعة.
صفاء الليثي
نشر بمجلة الهلال مايو 2017 رئيس التحرير سعد القرش


الثلاثاء، 2 مايو، 2017

المبدع خيرى بشارة وفنه المفعم بالمشاعر



فى انتظار عودة الابن الضال

فى حجرات المونتاج باستديو الأهرام أسعدتنى الظروف بالاقتراب من المخرج خيرى بشارة مع بدايات أعماله التسجيلية مع المونتير الكبير أحمد متولى ومساعدته القديرة نفيسة نصر ،أفلام "عبد العاطى صائد الدبابات" (1974)  و "طبيب فى الأرياف "  (1976)  و" حديث الحجر " (1980) عن المثال الفطرى عبد البديع عبد الحى الذى لم يدرس أكاديميا ولكنه قدم نحتا متميزا بأسلوب خاص. كانت الظروف السياسية قد تغيرت بعد حرب 1973 وكذا توجهات المركز القومى للأفلام التسجيلية برئاسة صلاح التهامى صاحب سلسلة أفلام مذكرات مهندس عن السد العالى، لم يعد هناك حلم قومى يرتفع فوق الأفراد، واستطاع خيرى ومجايليه داوود عبد السيد وعاطف الطيب أن يقدموا أفلامهم عن شخصيات جميلة كما يصفها خيرى بشارة المنحاز لطبقته الوسطى وحلمها بالتفوق، فاختار عبد العاطى الجندى الذى دمر 22 دبابة بسلاحه وحده، فكان فيلم بشارة الكبير" عبد العاطى صائد الدبابات" عن شاب طموح من أصل ريفى تابعه خيرى فى فيلمه القصير وصوره فى مشهد الختام وهو يركب لمبة إنارة فى شقة الزوجية، خيرى الذى شعر بأن عبد العاطى شابا من جيله ركز على فرحته بتجهيز بيت لحياته مع خطيبته الجميلة التى سيتزوجها، بعاطفة محبة لشخصية من يصوره وثق خيرى للنصر من خلال البسطاء وليس بالتركيز على القادة الكبار، ومع " طبيب فى الأرياف " قدم د. خليل فاضل المثقف الثورى ودوره فى الوحدة الصحية بإحدى قرى الصعيد، يتماهى خيرى مع شخصياته ويتوحد معها، فيختار لحظات من نشاطه مليئة بحيوية ودفء شخصية خيرى نفسه، فيختار أن يصوره فى عرس بالقرية ليرقص مع الفلاحين فتشعر وكأن المخرج بنفسه هو من يرقص، يلتقط بشارة منادى القرية الذى يعلن عن التطعيم وموعده كما يطلب  الطبيب منه، وعن الجاموسة التى ضاعت والولد الذى تاه، ويختم إعلانه بجملة " يا حلاوة عليك يا دا الوقت" التى تصادف هوى فى نفس المخرج فيكررها دون مبالغة، كما يلتقط حركة يجدها مصدر للفكاهة حين يحمل اثنان من الفلاحين الطبيب بضع خطوات فى المياه حتى لا تتسخ ملابسه فيضيف الى المشهد موسيقى عسكرية وكأنه طابور لقائد همام. وهكذا يكمن جمال فن خيرى بشارة بنجاحه فى نقل الإحساس الذى يعانيه إلينا وتلك هى سمة الفن كما اعتقد العظيم ليوتولستوى فى كتابه " ما هو الفن؟" الذى كتب أواخر القرن التاسع عشر.ففيه يعرف الفن بأنه نشاط انسانى ينقل من خلاله الفنان أحاسيسه إلى الآخرين. وهذا ما يغعله خيرى فى كل أفلامه المعبرة عن انفعاله بتفاصيل العالم من حوله. 

 قبل أن تظهر مصطلحات نقدية مثل الدوكيودراما أو الدراما التسجيلية، كان خيرى يعيد صياغة عناصره التى عاينها ليقدم فيلما يكسر القوالب السائدة للفيلم التسجيلى التى ظهرت قبل عمله، يحصل عنه على جائزة الدولة التشجيعية وعدة جوائز أخرى، ولم يكن العمر المتقارب فقط هو ما يجعل خيرى يتوحد مع شخوص أفلامه التسجيلية بل الروح المبدعة التى تتسم بمظهر تلقائى يخفى وراءها حسابات معقدة تدور فى ذهنه، مخاضا لفكرة فنية ما، عبد البديع الذى كان فى عمر أكبر من خيرى بشارة ولكنه وجد فيه روح الإبداع الفطرية والقدرة على الابتكار فى ظروف قاسية تشبه الظروف التى كان خيرى ورفاقه يصورون بها أفلامهم، معدات بدائية فى التصوير والصوت، كان مسجل للصوت يسمى الناجرا، يحضر به مهندس الصوت جميل عزيز أو مجدى كامل ويسجلان فى الموقع، كثيرا ما كانت التسجيلات تحتاج جهدا فى مراحل لاحقة لتكون نقية ومتوافقة مع الصورة، ولكن خيرى كان يهتم بأصوات المكان وطبيعتها التى تخلق إيقاعا حيا يفيد فى ابراز الشخصية وعلاقتها بالمكان، اكتسب خيرى خبرته من المساعدة فى أعمال مع مخرجين كبار ، مع توفيق صالح فى " يوميات نائب فى الأرياف" ومع عباس كامل فى " أنا الدكتور" . كما اكتسب الخبرة من أفلامه التسجيلية الدرامية قبل أن يدخل حقل الصناعة مع النجوم بفيلم " الأقدار الدامية " الذى لم يكن معبرا عن طموحه لعمل السينما التى يريدها، وشاءت الأقدار ألا يعرض إلا بعد فيلمه الثانى " العوامة 70 " ( 1982) المعبر عن أسلوبه الذى بدأه فى أفلامه القصيرة فيتناول شخصية مخرج يصور فيلما فى مصنع للنسيج، فكانت دراما بها مسحة تسجيلية وكأن خيرى لا يمكنه أن يقدم عملا لا يشعر أنه يعبر بدرجة أو بأخرى عنه وعن جيله. 
ينجح الفيلم بدرجة ما ولكن النجاح الكبير سيحدث مع فيلم " الطوق والأسورة"  ( 1986) الذى كتب له السيناريو يحى عزمى عن قصة للأديب الصعيدى يحى الطاهر عبد الله وكتب الحوار للفيلم الشاعر عبد الرحمن الأبنودى، فيلم يتم اختياره فى قائمة أهم أفلام السينما المصرية ( رقم ) يعود بنا لطريقة عمل فترة ذهبية للسينما المصرية كان يتعاون فيها أربعة أشخاص فى كتابة الفيلم ودائما يكون هناك متخصص بالحوار. حقق الفيلم نجاحا كبيرا لخيرى مع نقاد السينما ولكنه أصبح لعنة تطارده كلما قدم فيلما آخر يسألونه وأين هذا من " الطوق والأسورة " يقاطع خيرى الصحفيين منفعلا (أعجبك الطوق روح اعمل فيلم زيه وما طالبنيش أعمله تانى ).
 يعقب الطوق والأسورة فيلم "يوم مر يوم حلو" للسيناريست فايز غالى عن أسرة تسكن حى شبرا، مسقط رأس بشارة وغالى يقدمان فيه حكاية أسرة مصرية ظروفها صعبة. الأم فاتن حمامة النجمة التى اقتنعت به من بين مجموعة مخرجى الواقعية الجديدة ومعها من الأبناء المغنى محمد منير و المغنية سيمون، منير متزوج من أختها ولكنهما يتحابان، ويقدم خيرى لها فاصلا من الغزل يتبادلان فيه مقاطع من أغانى مصرية معروفة ومحبوبة للجميع، مشهد يمثل تحية لهذا النوع الفنى الذى ازدهر فى الخمسينيات بمصر، يطوره بشارة فى فيلمه،  يستخدم خيرى بشارة الأغانى على طريقة الميوزيكال الأمريكية بتميز يخصه، يستلهم ولكنه لا ينقل نقلا مباشرا ولا يقتبس بشكل فج. الفيلم كان محزنا حتى أن نكتة كتبت عنه يوم مر ويوم أمر . سنلحظ أن خيرى قدم سيناريست لأول مرة د. يحى عزمى، وقدم فايز غالى لأول مرة أيضا وإن كان المونتاج مع عادل منير فى هذه الأفلام المتتالية لكنه سينتقل للعمل مع أحمد متولى فى فيلم مختلف تماما، فى طريق سلكه بجسارة ألبت عليه النقاد والصحافيين، فيلم " كابوريا "( 1990) أفخر أننى شاركت بالعمل فى هذا الفيلم مونتيرا مساعدا مع المونتير الفنان أحمد متولى، " كابوريا" كان نقلة لخيرى بشارة قدم من خلاله تجديدا للفيلم الموسيقى المصرى وقدم فيه الممثل أحمد زكى فى شكل اتخذه الشباب قدوة بقصة شعره الغريبة، ذكرنى بجيلنا الذى ارتبط بالفنانة شادية وقصة شعرها الجميلة. 
 على مستوى الشكل أجد خيرى بشارة مجددا فى المواقع التى يختارها  لتصوير أفلامه، وفى كلمات أغانى طلبها شارحا لهم ببساطة " عاوز أغنية عن الأكل، عن الطعام المختلف" فكانت أغنية رائعة وظفها بشكل رائع وتوافق معه حسين الإمام الذى رغب فى التجديد أيضا وكان هو منتج الفيلم ومؤدى أغانيه الغريبة. خيرى كان مجددا فى كل مشاهد فيلمه، أتوقف عند مشهد تلقى فيه السيدة الأرستقراطية شعرا ركيكا على الملاكم الشعبى الذى فتنها فيكتم ضحكه ساخرا فتلطشه بالقلم، هنا خيرى وضع نفسه مكان حسن /أحمد زكى فى سخريته من الكثير من الفنون الزائفة، ونجح فى نقل إحساسه هذا  كما يفترض بفنان أصيل ( كل نتاج فنى، إذا كان نتاجا صادقا ، ما هو إلا تعبير عن أحاسيس الفنان الحميمية) هكذا كتب تولستوى ويا له من قول ينطبق تماما على خيرى بشارة.


ورغم اختلاف روح كل فيلم إلا أننى أجد بينها جميعا رابط واحد بالانحياز إلى بطل من البسطاء فى "كابوريا " ملاكم بساحة شعبية وقبله محمد منير ميكانيكى " يوم مريوم حلو" ، خيرى بشارة المسيحى اليسارى الذى يعشق تكبيرات العيد ويغنيها حين يتذكرها حين أجرينا معه حوارا مطولا الناقد الكبير أحمد يوسف وكاتبة هذه السطور لمجلة النقاد (عالم السينما ) خريف وشتاء 2006 ، ليقدم دليلا عمليا على ما يقوله مثقف كبير د. ميلاد حنا أنا مسيحى بثقافة إسلامية، خيرى الذى تشعر أنه جمع عراقة الصعيد مع شقاوة ابن شبرا الحى القاهرى للطبقة الوسطى وفيه تجمع كبير لمسيحى مصر، خيرى القلوق الذى لا يستقر على لون فنى ظاهريا، وإن كانت براعته الكبرى قد ظهرت كما أعتقد في أفلامه الغنائية والتى بلغت روعتها مع فيلمه الكبير " آيس كريم فى جليم" (1992) الذى يجده كثير من النقاد أفضل أفلامه. فيه قدم دور العمر للمطرب عمرو دياب – الملقب حاليا بالصخرة لثبات موقعه على رأس مطربى العصر – كما قدم تعبيرا فنيا فى معادل فنية لواقع نعيشه ونعرفه مع تحولات فى الطبقة المثقفة المصرية ولتعبيره الفذ عن موت الاشتراكية فى مصر ومطربها " زرياب" المعبر عن ظاهرة الشيخ إمام من خلال شخصية الممثل الذى اكتشفه داوود عبد السيد ووظفه بشارة فى فيلمه أفضل توظيف، مع لزمة كلامية كوميدية " يا ولاد الأفاعى" يضحك لها خيرى بنفسه قبل أن تُضحك أحدا غيره، علاقة خيرى بعناصر محددة من أفلامه وتجاوبه معها يذكرنى بحديث مبدع القصة القصيرة يوسف إدريس الذى قال فيه ( إننى  لو لم أعجب بما أكتب وبأن أكون أول قاريء لأعمالى لتوقفت عن الكتابة فورا لأنى عندها أكون أكتب من عقلى الباطن ولا أكتب عن شيء أنا منفعل به ). مرة أخرى انفعال الفنان الصادق ونجاحه فى نقل مشاعره للمتلقى، هذا هو الفن. خيرى بشارة فى السينما التسجيلية القصيرة هو يوسف إدريس القصة القصيرة، كلاهما فنان يلقب أحيانا بالجنون، تجمعهما شخصية نزقة وإبداع متفرد يصل إلى قاعدة عريضة من متذوقى الفن الرفيع.
 خيرى بشارة هو مجنون الفيلم السينمائى الذى يقدم فيلما عن شخصية هو منفعل بها، فى أماكن تثيره، وعن أفعال يقومون بها، يكون  هو أول المنبهرين  والمنفعلين بها. خيرى بشارة الثمانينيات والتسعينيات الذى أجبرته ظروف الحياة ومتطلبات المعيشة أن يقبل بفيلم سبقه للتعاقد على قصته الأساس مخرج آخر وهى قصة جزيرة الماعز قدمها على بدرخان فى فيلم " الراعى والنساء " مع يسرا وسعاد حسنى وأحمد زكى ،وقدمها خيرى فى فيلم مع نادية الجندى ومحمود حميدة " رغبة متوحشة " (1991) ، المدهش أن العملين تم انتاجهما فى عام واحد وكانا مختلفين تماما وناجحين. كما أجبرته ما سمى بأزمة السينما المصرية وفى جانب منها الحرب على جيله بأكمله أن  يخرج مسلسلات للتلفزيون متوسطة المستوى، وبرغم ذلك لا يزال خيرى بشارة فنانا أصيلا  يحمل بذور التجديد التى تنتظر مناخا مواتيا يستقبل فنه المفعم بالمشاعر.
نجاحات كبيرة حققها بحصوله على جوائز عن كل أفلامه القصيرة، وعن العديد من أفلامه الطويلة، وخاصة فيلمه " الطوق والأسورة" الحاصل على أكثر من 17 جائزة، وفيلم " يوم مر ويوم حلو" 10 جوائز. وآخرها جائزة الهرم الفضى من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى عام 1996 .
ما أبعد الليلة عن البارحة ولكن الحياة مستمرة وكذلك امكانية العودة لأنه ما زال فى جعبته الكثير ليقدمه، بعضه حكى لنا عنه فى حواره مع مطبوعة النقاد " عالم السينما" منذ ما يزيد على عشر سنوات، وبعضه الآخر لم يفصح عنه لأحد ..
والأيام بيننا .. فى انتظار عودة الابن الضال. 
صفاء الليثى      
القاهرة 2017
نشر بمجلة الثقافة الجديدة عدد مايو 2017 ملف خاص عن خيري بشارة     




الأربعاء، 26 أبريل، 2017

نظرة على الفيلم القصير بمهرجان الإسماعيلية 19

اخترت الكتابة عن ثلاثة أفلام عرضت بمهرجان الإسماعيلية 19من بين 18 فيلما   بمسابقة الفيلم القصير، لم تحصل على جوائز ولكنها أفلام جيدة ومهمة.
 نماذج ناجحة في التكثيف 
والتعبير الموجز
من كردستان إيران فيلم يخلو من كلمة واحدة " الرجل الذي ينسى أن يتنفس"، يعبر فيه مخرجه عن حالة من عدم التكيف تصيب رجلا فينسى أن يتنفس في مدينة يتنفس فيها الجميع من وراء كمامة، نراه نائما يعاني من أزمة تنفس، تحضر زوجته وتجمع بعض أشياء تخص طفلتهما المنتظرة بالسيارة، تنسى لعبتها يهرع الأب ليعطيها اللعبة، يجرى دون كمامة، يسير بين الجموع دون كمامة وحين تنتابه أزمات التنفس يعود طبيبا ثم نجده سائرا بكمامة مثل الجميع، زوجته والطفلة نائمتان فى المنزل كمامات ثلاث مخلوعة، والسمكة التى تكسر الحوض الزجاجي وتوشك على الموت فينقذها وينقلها فى  كوب صغير. السمكة الذهبية تسبح، الأسرة نائمة والكمامات في منظر قريب. قرأت الفيلم المحمل بالدلالات كتعبير رمزي عن القمع وضرورة الانصياع لعادات الجميع من السير خارجا بأقنعة الأكسجين. المخرج الإيراني سامان حسينبور وهو نفسه المؤلف نجح في إيصال فكرته دون كلمة واحدة.
بالطبع لن تتم دعوته إلى المهرجان فالأمن القومي المصري لا يدعو الإيرانيين لمصر ولا يتم منحهم تأشيرة دخول، على الأقل يمكننا متابعة إبداعاتهم المتواصلة في فروع الفيلم المختلفة في انتظار تغير الظروف السياسية ليكتمل التفاعل.
" فالباريزو " الإيطالي يبدأ من السجن ومسئولة تستجوب نزيلة عن تقرير مستشفى السجن بكونها حامل في الشهر الرابع، السيدة ترفض أن تدلي بأي معلومة ويتم إطلاق سراحها، تعيش في غرفة وحيدة ثم تضع مولودها دون مساعدة، تأخذ الطفل وتتركه في نافذة مركز إيواء يشاهدها ممرض، هي أمام كومبيوتر تتواصل مع أمها وأخيها نشاهدها فقط ونعرف أنها حصلت على عمل، تعو لمركز الإيواء تطلب أن ترى طفلها القوانين لا تسمح لمرور شهر، بمساعدة الممرض يسمح لها برؤيته تحمله، تخطفه وتجري، يلاحقها الأمن . 
تعبير موجز وموجع، بلاغة سينمائية تحكي الكثير بتركيز شديد، معاناة حمل غير مرغوب فيه، بطالة ثم كفاح وعمل، غريزة الأمومة واحتياج أم في مجتمع تحكمه قوانين صارمة، مجتمع لا يرحم. الممثلة تؤدي دورها جيدا والسرد لا يدخل بنا في قضايا فرعية، نموذج جيد جدا لكيفية صنع فيلم قصير ممتاز شكلا وموضوعا. ويمكن التعامل مع كفيلم مثالي للتعبير عن أزمات تخص المرأة وحدها.
الفيلم الثالث المصري " خليل " مشروع تخرج إسلام شامل من معهد السينما يتناول فيه قضية التقاعد ومأساة المعاش لرجل يعيش مع زوجته وحيدان، يبدو الرجل في حالة تسيطر عليه الوساوس والشكوك بينما الزوجة نشطة وفي حالة تكيف رائعة ،الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب ابراهيم أصلان، المحظوظ بين الكتاب بالمستوى الذي تبدو عليها الأفلام المأخوذ عن قصصه وأهمها كيت كات داوود عبد السيد. وأتوقع حصوله على جائزة من لجنة التحكيم التي يكون لديها عمل شاق لتنوع الأفلام بين التسجيلي والروائي القصير وأفلام التحريك التي تحتاج خبرة خاصة للحكم على هذا النوع النادر الفريد في فنيته.   
تناولت ثلاثة نماذج مختلفة لفيلم قصير يستخدم فيه الحوار بإيجاز شديد، يعتمد على النجاح في رسم الشخصيات وبيان دوافع تصرفاتها، الاقتراب منها وكشف مكنونها نفسيا، رجلا ينسى أن يتنفس، امرأة لا تريد التخلي عن طفل أنجبته في ظروف غير ملائمة، ورجل غير قادر على التكيف مع حياته بعد المعاش.
من بين ثمانية عشر فيلما في المسابقة الرسمية للفيلم القصير وعشرة غيرها في البانوراما تتنوع الأساليب الفنية، تتنوع جهات إنتاجها وتختلف فيما بينها، بين الكوميدي الساخر كالفيلم التونسي علوش، وفيلم النقد الاجتماعي المغربي خلف الجدار، نموذجان رائعان للمشاركة العربية بالمهرجان، إنتاجات مشتركة بين كثير من الدول يجمعها فقط النجاح في التعبير المكثف عن فكرة، وعن أزمة يمر بها إنسان ما.  
يواصل الإسماعيلية انتقاء أفضل الأفلام عاما بعد عام،مع الوقت نجح في تربية كوادره من بين العاملين بالمركز القومي للسينما، فتيات وشباب وقد خلعوا قناع الوظيفة الخامل، وأخرجوا طاقات تكتسب خبرة تتراكم ليواصل دوره كمهرجان فريد في نوعية أفلام فنية جدا تغطى اهتمامات البشر من كل أنحاء الدنيا. 
صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 25 ابريل 2017 رئيس التحرير عماد الغزالي  




الثلاثاء، 25 أبريل، 2017

مهرجانات السينما في مصر ... شرم الشيخ نموذجا



عن المهرجانات والشللية في ربوع مصر برا وبحرا
حين أطلق د. عماد الدين أبو غازي صيحته بأن تتولى الجمعيات الأهلية تنظيم المهرجانات السينمائية والابتعاد بها عن إشراف وزارة الثقافة بكل ما تحمله الوزارة من مهمات وأن تكتفي بالدعم، الجزئي غالبا، أسس عدد من مثقفينا ونشطائنا جمعيات ظاهرها خدمة الثقافة ونتاجاتهم وباطنها الحرية فى تنظيم مهرجان، المنتقدين للتزاحم على الحصول على موافقة من اللجنة العليا للمهرجانات أسموها سبوبة  المهرجانات، كل مجموعة أسست كيانا لتتولى مسئوليئة إقامة مهرجان، وحين تعاركت جمعية مهرجان القاهرة التي أسسها الناقد يوسف شريف رزق الله ومعه ماجدة واصف وآخرين، مع جمعية كتاب ونقاد السينما على مهرجان القاهرة، عاد المهرجان إلى الوزارة لتتولى تنظيمه بتعيين رئيس له، ومدير فنى، يقومان بدورهما بتعيين باقى فريق عمل المهرجان ولابد من الحصول على موافقة الوزارة – عبر كبار موظفيها – على كل التفاصيل. واكتفت الجمعية المنافسة بتنظيم مهرجان الإسكندرية الذى يطلق عليه مهرجان الفضائح ومع ذلك يستمر بنفس منظيمه وضيوفهم الثابتين، والمهرجانان الكبيران – لأنهما الأقدم - القاهرة والإسكندرية مدعومان بالكامل من وزارة الثقافة، ولهما ميزانية ثابتة مخصصة لهما كل عام ، مهما كانت الدورة ناجحة أم فاشلة.
تحكم الشللية المناخ الثقافي في مصر، وتسود قاعدة أهل الثقة على أهل الخبرة، ليس فقط في الكيانات الرسمية التابعة للحكومة، ولكن أيضا فى الكيانات الخاصة التي يديرها أفراد. هنا يكون مجموعة " مؤسسة نون للثقافة والفنون" لها محاسيبها-  وأحسبني منهم - ، ومجموعة " مؤسسة شباب الفنانين المستقلين" لها محاسيب آخرون. لا معايير موضوعية تحكم الكيانات التي تنظم مهرجان الأقصر للسينما الأوربية مع المصرية ثم العربية، ولا معايير تحكم الكيان الذي ينظم مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، كل مع شلته لضمان عدم انتقاد الأداء والاستمرار في توهم ( نجاح الدورة كذا ..) فمن سيخرج عن القطيع سيحرم من الدعوة والفسحة والانضمام إلى الشلة. ظل السيناريست سيد فؤاد منزعجا من إقامة مهرجان يحمل اسم الأقصر خلافا لمهرجانه الذي يرأسه، فهل ارتاح حين نقلت مؤسسة نون مهرجانها إلى شرم الشيخ تلبية لطلب وزير الثقافة ومحافظة شرم الشيخ لتنشيط السياحة بالمدينة التي تقع بجنوب سيناء ؟ هل خلا له المجال فقدم دورة ناجحة أقبل عليها جمهور مدينة الأقصر، أم بقي الحال كما هو، متابعوا الأفلام هم ضيوف المهرجان المدعوين من القاهرة ومن البلدان المشاركة بالفعاليات!. تم انتقاد نقل مهرجان الأقصر للسينما العربية والأوربية إلى شرم الشيخ لعدم وجود سكان يمكنهم المتابعة، فهل يتابع سكان الأقصر المهرجان؟ فلم إذن تقام مهرجانات وتنفق نقود أولى أن تذهب إلى الإنتاج، هذا ما يتم ترديده ولكن بمتابعتي لمهرجانات في بلدان مختلفة سواء في إيطاليا أو في المغرب لا يحضر أهل البلدات الصغيرة العروض وكأنه حدث خاص بمنظميه، وخاصة فى حال الاهتمام بالفيلم التسجيلي والقصير الخاليان من النجوم الجاذبة للسكان. حضرت بإيطاليا في بلدة صغيرة اسمها ( ماتيرا) مهرجان اتحاد الجمعيات السينمائية ينظمه اتحاد اتحادات نوادي السينما في كل بلد، لا يحضره أهل المدينة المليئة بالكنائس حتى أن أجراس الكنائس لا تتوقف بها، بها صور بازوليني أغلب أفلامه، يباع بها صورة له بالمدينة ،  كما صور ميل جيبسون مشاهد كثيرة لفيلمه " آلام المسيح" بها ، علمت أن المدينة تلقت دعما من الاتحاد الأوربي لتجديدها وتنشيط السياحة بها، طبيعتها توحى بعصور قديمة وكان مكان إقامة المشاركين بالمهرجان في كنيسة تحولت إلى دار ضيافة وبها حجرات صغيرة جدا ومطعم لا تعمل به سوى فتاتين ورجل واحد وجدته يقوم بكل شيء حتى إصلاح السباكة ببيت الضيافة الكنسي هذا، مهرجان اتحاد نوادي السينما مهرجان صغير، تونس نشطة جدا بهذا الاتحاد نظرا لعراقة اتحاد نوادي السينما بها الذي أسسه الرائد الطاهر الشريعة، يركز اللقاء على تبادل الخبرات بين ممثلي الجمعيات وتعقد حلقات بحث حول قضايا التثقيف السينمائي فى البلدان المختلفة. كما حضرت بإيطاليا أيضا مهرجانا صغيرا بمدينة باري يستضيف مديره الجمعية العمومية لاتحاد الصحافة السينمائة الدولية (الفيبريسي) في اجتماعهم السنوي نظرا لصداقته الشخصية مع السكرتير العام للفيبريسي الناقد الألماني كلاوس إدر، خلافا لجلسات اجتماعات الفيبريسي حضرت العروض التي وجدت عليها ترجمة إنجليزية وعددها نادر بين أغلب أفلام بدبلجة إيطالية، نعم دوبلاج وليس ترجمة مكتوبة، ولهذا يحضر أهل البلدة وتمتليء بهم القاعات. بديهية أن غير المتخصصين يرغبون في الاستمتاع بفيلم معروض بلغتهم دون مشقة لا ندركها بمصر ونصرخ لماذا ينصرف الجمهور عن عروض الأفلام، بدون ترجمة عربية لا يمكن للجمهور غير المتخصص أن يقبل على الأفلام وإذا كانت الترجمة غير ممكنة فلننسى إذن محاولات جذب الجمهور ولنفكر في صيغة أخرى للتظاهرات السينمائية في مصرنا الفقيرة كما يدعون.
الحل أن تتحول المهرجانات إلى صيغة المؤتمرات العلمية التي تهدف إلى تنشيط الحوار بين صناع الأفلام وبين النقاد، مؤتمرات تقدم فيها حلقات بحث وموائد مستديرة لمناقشة قضايا الصناعة وإمكانية تضييق المسافة بين ما هو فني للخاصة وما هو شعبي يقبل عليه الجمهور العريض، إن صيغة المؤتمر السينمائي الذي أعرضه يتضمن بجانب حلقات البحث ورشا لتطوير سيناريوهات طويلة وقصيرة، وأخرى تدريبية في مختلف فروع الفيلم السينمائي، وحلقات بحث لقضايا تخص النقد السينمائي وقضايا الصحافة السينمائية، مؤتمر سينمائي جاد لا يقل في تخصصه عن مؤتمر طبي أو مؤتمر للعلوم الزراعية.
والما فائدة؟ يحتاج الصحفيون المتابعون للأفلام إلى تثقيف ليتمكنوا من الكتابة عنها بشكل متخصص، ويحتاج ممارسوا المهنة إلى تطوير أدواتهم وإلى تبادل الخبرات حول ما وصلت إليه التقنيات الحديثة والنظريات الفنية في فن السينما. نحتاج مؤتمرا سينمائيا يدعم تجارب الشباب الجدد ويساهم فى توحيد صفوفهم لتكوين تيار يحدث تراكما في وعي المشاهدين فيقبلون على أفلام فنية ويذوب الحاجز بين ما يمتع الجمهور العريض وبين ما تقبل عليه النخبة المثقفة.  
الصيغة التي أقترحها موجودة بشكل جزئي في كل مهرجان مصري، المختلف عما أطرحه أن تكون هي الأساس والمتن، بجانب عروض الأفلام التي لا ترتبط بالضرورة بمسابقات وجوائز ولا بحضور نجوم يسيرون على سجادة حمراء ويعتبر عدم حضورهم فشلا للمهرجان، بل يكون الفشل أن الحدث أقيم ولم ينتهي إلى أي نتائج ملموسة، كتبا جديرة بالمناقشة، حلقة بحث لها مخرجات باقية وتصب في دعم الفن السينمائي و توحيد جهود صناع الأفلام ومنتقديها ومتلقيها في رفعة الفن السينمائي ودعم أصالته.

أنحاز إلى مهرجان الإسماعيلية للسينما التسجيلية والقصيرة، بداية من أسلوب اختيار الأفلام بما يسمى لجان المشاهدة، المكونة من أعضاء ممن شاركوا في صنع سينما تسجيلية ونقاد مهتمين بالنوع، فهذا المزيج يكون قادرا على الحكم بشكل معبر عن جماليات الفيلم وعلى رسالته الموضوعية ، منذ الدورة التي بدأها المخرج محمد كامل القليوبي رئيسا والناقد أمير العمري مديرا فنيا ثم أكملها الناقد علي أبو شادي رئيسا، باعتبار أن رئيس المركز القومي للسينما يرأس مهرجان الإسماعيلية الذي ينظمه المركز تم تأسيس بنية عامة لمهرجان يؤدى دوره في التنبيه بروائع السينما التسجيلية والقصيرة على مستوى العالم . في هذه الدورة عام 2001 كان المكرم المخرج الأرجنتيني الكبير ميجيل ليتين ورأس لجنة التحكيم أيضا، أقيمت ندوة دولية كبرى، شارك بها نقاد ومخرجون من العرب والعالم. كانت بقصر ثقافة الإسماعية القاعة الكبرى لعروض المسابقات وقاعة الندوات للندوات والعروض الموازية، زخم من العروض التي يقام بعدها مناقشة مع صناع الأفلام التي عرضت ، غالبا ليس كل ماعرض يكون صانعه موجودا، ولكن الحضور ممن شاهدوا العروض مجبرين على النتظار لأن الأتوبيس لن يغادر إلا بعد انتهاء المناقشة حاملا الجميع حيث مقر واحد يجمعهم فى مكان واحد يقام بحديقته عروض مفتوحة بعد العشاء. هذا المناخ الديمقراطي والمتقشف كان مفيدا لجدية المهرجان حتى أن المخرج الفلسطينى ميشيل خليفي أسماه جوانتاناموا سينمائي يعتقل فيه الضيوف القادمين مع أفلامهم مع النقاد العرب والمصريين في صحبة كبيرة يؤطرها ما كان يضفيه الفنان الكبير صلاع مرعي بحفلاته المسائية مع الفرق المحلية بمزمارها البلدي وغنائها الشعبي ورقصات التنورة، يحضر صلاح مرعي مشروبا على نفقته يقدمه للضيوف الأجانب في أكواب بلاستيكية ليخفيها عن أعين الموظفين ممن يحكمون على الآخرين ولا يراعون اختلاف الثقافات. دورات الإسماعيلية  تراوحت بين الامتياز والجودة ، أعلاها عندما كنا ندخل فيه حجراتنا فنجد مطبوعات المهرجان في شكل جميل على سرائرنا، ونجد برنامجا يوميا معلقا بكل التفاصيل، تصلنا مكالمات على غرفنا بموعد انطلاق الأتوبيس لننتقل حيث العروض التي تقام في موعدها تماما. نعاني أحيانا من منغصات يسببها موظفي الهيئة العامة القصور الثقافة حيث تتم العروض، أو من تعطل آلة العرض السينمائي وعدم جودة العرض مما يزعج أصحاب الأفلام، بعض المنغصات كنا نعترض عليها فيتم تجاوزها، مهرجان حضوره مشقة للمهووسين بفنون السينما ولكنها مشقة المتعة بجمال الفن والصحبة السنوية، مع توفيق صالح وأحمد الحضري، يعقوب وهبي وفوزي سليمان، هاشم النحاس وعلي الغزولي، نبيهة لطفي وفريال كامل ومنى الصبان، الناقدة سهام عبد السلام وكاتبة هذه السطور، هالة جلال ومساهمتها بما تقدمه سمات للمهرجان، المخرجين سمير عوف وفؤاد التهامي وسعيد شيمي، كبار النقاد من مصر والعالم العربي، سمير فريد كمال رمزي، ابراهيم العريس ، ومع السنوات تنضم أجيال من صناع السينما التسجيلية والقصيرة ونقادها المتخصصون، مؤتمر سنوي جامع للسينمائيين نقادا ومبدعين، وصل إلى أعلى دوراته منذ فترة، أصدر فيها نشرة يومية تعاون على إصدارها المهرجان مع المحافظة، وحررها أدباء وسينمائيون، أحمد رشوان وحمدي أبو جليل كل هذا بقيادة الناقد علي أبو شادي، ولأن العبرة بالبدايات بقي مهرجان الإسماعيلية برغم تحولات السياسة وتنوع القيادات المهرجان الراسخ الأكثر جدية وتنظيما والمرشح المثالي لكي يكون مؤتمرا سينمائيا جامعا مناسبا لما تحتاجه مصر. 
عن مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوربية 
وجدت هذه المقدمة ضرورية لعرض فعاليات مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوربية الذي نظمته جمعية نون للثقافة والفنون وسمي (الأول) لأن المدينة المقام بها  تغيرت من الأقصر إلى شرم الشيخ ، عمليا هي الدورة الخامسة لمهرجان تقيمه جمعية أسسها ورأسها المخرج والباحث الكبير محمد كامل القليوبي ومعه أعضاء الجمعية المخرج داوود عبد السيد، د. ماجدة واصف، الناقدة ماجدة موريس ، مدير التصوير وديد شكري والصحفي جمال زايدة الذي رأس دورة مهرجان شرم الشيخ وبذل مجهودات كبرى ليقام في موعده رغم الارتباك الحادث لرحيل د. القليوبي،  ونظرا لتراجع وزارة السياحة عن دعم المهرجان ورفض استضافة الصحفيين بحجة أنهم يهاجمون الوزارة. باتصالات زايدة وجهوده حصل على دعم من رجال أعمال قدموا الدعم المطلوب لاستكمال دعم وزارة الثقافة الراغبة  بشدة في إقامة فعاليات ثقافية متنوعة بالمدينة الواقعة جنوب سيناء لأهداف سياسية لا تخفى على أحد. بعد نجاح الناقد أحمد حسونة  في إدارة أسبوع النقاد الدولي أحد البرامج الموازية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي لثلاث سنوات متتالية، أسندت إليه الإدارة الفنية لمهرجان شرم الشيخ ، فقدم برنامجا ناجحا بأفلام جيدة، أقيمت في موعدها دون أي خلل سواء في مسابقة الأفلام الطويلة أو القصيرة ، يتخلل العروض عروض لأفلام المكرمين، أقيمت بين الفترتين الصباحية والمسائية مما استحال معه متابعتها وإلا فاتتنا أفلام المسابقة، عن نفسي كنت شاهدتها وقت عرضها بالقاهرة في الستينيات حيث كانت الحركة السينمائية نشطة جدا فى تنظيم أسابيع أفلام فنية رفيعة المستوى، منها أفلام " ربيع براغ " التي تم عرضها الاستعادي بشرم الشيخ، وكان طلاب المعهد العالي للسينما ودارسي الفنون هم من يجب تواجدهم في هذه العروض تحديدا وهو ما لم يحدث، لماذا؟ لأسباب غير واضحة لم تنجح إدارة المهرجان في التنسيق بين المعاهد الفنية لطلاب السينما ليحضروا ويلتزموا بالعروض والمناقشات، وأتصور أنها مسئولية مشتركة بين عميد المعهد وبين المهرجان، كل يتحمل جانبا من إخفاق عدم استفادة الطلاب من البرنامج الطموح جدا الذي أعده المدير الفني الناقد أحمد حسونة.
مسابقة الأفلام الطويلة 
افتتحت دورة المهرجان بفيلم " فرانتز" تأليف وإخراج فرنسوا أوزون، الفيلم إنتاج فرنسي ألماني في إطار من الميلودراما حول ضرورة التسامح والتعايش بين الشعوب بعد الحروب، دراما محببة بها جوانب إنسانية جعلت عنوان دراسة لد. وليد الخشاب " في مديح الميلودراما " حاضرة في ذهني أثناء المشاهدة ، لم أستطع أن أمنع نفسي من قراءته بإسقاط سياسي على العلاقة الحالية بين ألمانيا وفرنسا في ظل الاتحاد الأوربي المهدد بالانهيار بعد انسحاب انجلترا منه، العودة إلى ما بعد الحرب العالمية وتناول قصة الجندي الفرنسي الذي يحضر إلى ألمانيا، ويضع زهورا على قبر جندي ألماني سيتبين أنه اضطر إلى قتله لحظة تلاقي الجيشان( يا قاتل يا مقتول) ، وفي صياغة ميلودرامية يتقرب الفرنسي من أسرة الجندي الألماني ويتحول رفض الأب للفرنسي إلى محبة ، بل ويتمنى هو والأم أن يرتبط بخطيبة ابنهم ويسعون إلى تمهيد الطريق لحدوث ذلك. الميلودراما كما يعرفها د. وليد الخشاب : " يشمل المصطلح أي عمل فني يثير مشاعر الحزن أو الفجيعة عن طريق المبالغة في رسم وصف مسببات الحزن وعن طريق وضع " الخير" في مواجهى مع " الشر".  (يلخص المنظر الأدبي بيتر بروكس مفهوم الميلودراما في كونها " صيغة المبالغة "... والمفهوم ضمنا أننا بصدد المبالغة في العواطف وخاصة ما يثير منها الشجن أو الحزن) د. وليد الخشاب . إذن هي نوع سينمائي وليست نقيصة يرفضها النقاد حيث ارتبطت في مصر بالمخرج حسن الإمام الشهير بأفلامه الحافلة بالمآسي والتي يقبل عليها الجمهور العريض . لم أجد فيلم فرانتز مناسبا لافتتاح المهرجان، فقضيته لا تمسنا بشكل مباشر حتى لو تجاوزنا التفاصيل وقرأناه على أنه دعوة إلى التسامح، وإن كنت أجد الفيلم الجزائري " ما زلت أختبيء لأدخن" الأقرب للافتتاح نظرا لأننا في عام المرأة ولتزامن المهرجان مع يوم المرأة العالمي. الفيلم أخرجته ريحانة الجزائرية العائشة في فرنسا يطرح أفكارا تم تناولها في أفلام نسوية عربية ومصرية خاصة حين تكون مدعومة من الغرب. امتلأ الفيلم بالمبالغات والكليشيهات حول قضايا المرأة ، وإن كان إرجاعها لسنوات التسعينيات في الجزائر لها ما يبررها. بطلة الفيلم قامت بدورها الممثلة الفلسطينية العالمية هيام عباس، اتسم أداؤها بالمبالغة والعصبية على وتيرة واحدة دون أن يتنوع مزاجها بل كانت تجري وتصرخ طوال الوقت وبالطبع تتحمل المخرجة مسئولية هذا الأداء. حظيت ريحانة باهتمام المهرجان إدارة وحضورا نظرا لتواجد مخرجته ولموضوع الفيلم، وقد وجدته لجنة التحكيم جديرا باقتسام الجائزة البرونزية مع الفيلم التونسي "غدوة حي " وعن نفسي فقد وجدته فيلما مدعيا كادعاءات المثقفين، به من التنميط الكثير، وسينما مباشرة تجمع بين متطلبات السوق ببطلاته الجميلات والتركيز على دورهن في الثورة، وبين محاولة طرح أفكار تبدو نقدية أو ثورية . في الندوة التي تلت عرض الفيلم مع المخرج  لطفي عاشور انشغل الجميع بمحاولة فهم التعبير التونسي " غدوة حي" الذى يعنى " إذا عشنا لبكرة " أو " انشاء الله " حين تقال بشكل يائس.

أما الفيلم الفنلندي " أسعد يوم في حياة أوللي ماكي" الذى حصل على عمود الجد الفضي جدير بالجائزة نظرا لطرحه مفهوما إنسانيا شديد الرقة، منحازا لاختيار بطله الملاكم الرياضي في تفضيل حياته مع خطيبته وانشغاله بها أكثر من التركيز على الحصول على البطولة التي كانت تعني الكثير لراعيه وللشعب الفنلندي في فترة اختارها المخرج عائدا بنا إلى زمن صنع البطولات القومية حيث يتبنى فنلندي وطني بطل الملاكمة الشعبي ويعمل على أن يجعله يحصل على البطولة أمام الأمريكي الأسود الذى حاز البطولة في النهاية. حافظ المخرج على روح الفترة واستخدم الأبيض والأسود مما جعلنا نتلقى الفيلم وكأنه صور فعلا في الأربعينيات. الانحياز للقضايا الإنسانية كان واضحا في اختيارات لجنة التحكيم المتوجة بجائزة عمود الجد الذهبي للفيلم المجرى " ليس الوقت مناسبا" الذي مثل تحديا لمخرجة بحبس أبطاله في مكان واحد حيث منزل أسرة مزدحم بالتفاصيل، تحمل عراقة الأصل في تضاد مع الفاقة التي يعاني منها البطلان العائدان من إخفاق بالعمل في الخارج ومعهما ابنة مراهقة، يحلان ضيوفا على أخت الزوجة وزوجها وطفلهما المشاكس. كون المخرج ثنائيات حوارية بين العائدة وزوجها، ثم بين الرجلين، ثم بين الأختين، ومشاكسات بين المراهقة والطفل، نجح في حبس أنفاس المشاهدين مع اختفاء الطفل وهو يداعب والده فنتوتر معه، هل سقط من النافذة ؟ صاغ المخرج مواقف تجمع ثنائيات تسمح بمعرفة مكنون الشخصيات والتركيز على صراعها الداخلي مع تنوع الأجواء داخل الفيلم بتفاصيل الحياة اليومية ، كتناول طعام، أو حضور عرض مسرحي يشارك به الطفل الذي ارتبكت حياته بظهور الضيوف. فيلم صعب ومجهد يمتلأ بالحوار وبالتالي يحتاج منا تركيزا عاليا لمتابعة الترجمة وقراءة دلالات الصورة، ويبدو أن لجنة التحكيم التي رأسها المخرج التشيكي الكبير ييري منزل وضمت في عضويتها  مؤلف الموسيقى الفيلمية المصري تامر كروان قد انحازت لعمق السينما الجديدة في تناولها الإنساني للشخصيات بعيدا عن القضايا الكبرى المباشرة . بينما اختارت لجنة تحكيم جمعية نقاد السينما المصريين عضو الفيبريسي فيلم " جلوري " من رومانيا عن الفساد السياسي من خلال شخصية عامل في السكة الحديد يجد أموالا مبعثرة فيسلمها للسلطات التي تستغله من خلال شخصية مديرة مكتب الوزير الفاسد،  الفيلم ممتع ويعيد إلى الأذهان مجموعة أفلام التحقيق السياسي التي استمتعنا بها قديما. تكونت لجنة تحكيم النقاد من أسامة عبد الفتاح رئيساوعضوية كل من رانيا يوسف وخالد محمود، لجنة تحكيم النقاد أصبحت تقليدا بدأ بمهرجان الإسماعيلية ومستمر الآن مع مهرجانات أخرى محلية قابلة للاتساع في ربوع القطر المصري.
عشرة أفلام روائية طويلة تميزت في مجموعها ومنها المصري " علي معزة وابراهيم" الذى عرض كآخر فيلم بالمسابقة وأرجح أن اللجنة كانت اتخذت قرارها بالجوائز قبل عرضه وحسنا عدم المجاملة . كما عرض عشرون فيلما قصيرا تنوعت بين الروائي والتسجيلي بعضها تميز جدا وخاصة فيلم لمخرجته السويدية لعائلة روسية وصياغتها الجديدة لفيلم عن الذاكرة بشكل فني بديع. ، خلافا لأفلام تكريم المخرج ييري منزل وخاصة فيلم " قطارات تحت الحراسة المشددة" خلافا لندوة كتاب سينما الشعر للناقد الجزائري عبد الكريم قادري ناقشه المخرج سيد سعيد وكان قدم قراءة للمخرج كامل القليوبي ومشروعه السينمائي بندة أخرى، وكانت الدوة الأمتع والأكثر حميمية ندوة المكرم ييري منزل الذى أضفى عليها من روحه المرحة وثراء تجربته متعة تساوت مع متعة مشاهدة أفلامه ومجايليه ميلوش فورمان وفيرا كيتيلوفا صاحبة ماركيتا لازاروفا البديع.
لا تنجح المهرجانات بمنظميها فقط ، بل تنجح بالمشاركين فيها، صناع أفلام، نقاد وصحفيين وعلى قدر اهتمامهم بالسينما فنا وتاريخا، عمليا ونظريا، على قدر تفاعلنا ينجح الحدث الذي أتمنى أن يأخذ صيغة المؤتمر السينمائي لفائدة صناع السينما ونقادها على السواء . 

صفاء الليثي 

نشر بالعدد العاشر من مجلة الفيلم رئيس التحرير سامح سامي رئيس تحرير تنفيذي حسن شعراوي