السبت، 23 مارس 2019

الأفلام كواقع بديل، مقدمة عن السينما وعلاقتها بالواقع


السينما مرجعية معرفية للواقع
كنت أقرأ رواية هيرمان هيسة ( لعبة الكريات الزجاجية) الحاصل على نوبل عام 1946 ، محاولة التركيز في القراءة وإبعاد شبح تفاصيل الحياة اليومية التي تملأ رأسي ولم أستطع أن أمنع نفسي من توارد صورة أحد الأفلام التي شاهدتها يوما ما ، الفيلم يدور حول دير في بولندا وعدد من الشخصيات النادرة به ، كان الفيلم يبدو وكأنه واقع عشته يقرب لي صورة المؤلف الألماني الذي يروي عن أشياء لم أعرفها مسبقا ولا يمكنني تصورها بشكل كامل. وتوقفت عند هذا الأمر فبدا لي أن الأفلام قد دخلت إلى ثنايا عقلي ليس كخيال ، أو شطحات خيال بل كحقائق مادية وجدت في زمن ما ، وفي مكان ما، ومن هنا تنبهت إلى خطورة الصورة ومدى تأثيرها علينا وخاصة إذا لم يكن في ثنايا عقولنا معارف أخرى موثقة أكثر، أو مؤكدة بشواهد مادية ، الحياة ليست كالأفلام ، بل إن كل فيلم حياة قائمة بذاتها ، نرتبط بشخصيات الفيلم وتصبح واقعا موجودا نتصوره في مكان ما وزمان ما.

حين رحلت الممثلة زيزي مصطفى ونشر الخبر بالتلفزيون سألتني ابنتي عنها - من هي يا أمي لا أعرفها- فقلت لها إنها ذات الغمزة في الخد، الضحية في فيلم البوسطجي، وفيلم المراهقات، آه يا حرام أنا أحبها جدا. لوتأملنا رد ابنتي سنجد أنها أشفقت على الممثلة وقد توحدت مع الشخصيات التي مثلتها، واستخدمت ابنتي الفعل المضارع – أنا بحبها جدا – نعم فالفن يخلد الشخصية والمكان ويجعلها واقعا دائما مهما بعدت السنون. في وجداننا شخصية الفيلم أزاحت واقع الشخصية وأصبحت هي الأقوى، ولم نتعامل مع الفيلم وشخصياته كخيال للمؤلف أو كصنيعة لمخرجه، بل أصبح جزءا من واقعنا وتكويننا الثقافي، لا يختلف الناقد – حين يخلع ثوب قاضي الفن- عن مشاهد غير محترف. آه يا زيزي كم أحببتك وكم بكيت مصيرك وختم البوسطة ينطبع على الكتاب من الداخل في " البوسطجي" ، كم بكيتك وأنت تنزوين خوفا من زوج الأم ومن حملك من زواج غير معلن في "المراهقات".


 أوباما وبشاي وبومبا

يخلق السينمائيون واقعا بديلا يؤثر في الأبرياء والبسطاء وعلينا جميعا فعليهم أن يهتموا بما يقدمون ، وأن يدرسوا شخصياتهم ولا يتعجلون. كما فعل أبو بكر شوقي في " يوم الدين " منذ أن أخرج فيلمه القصير " المستعمرة" واقترب من هؤلاء المنبوذين وسكنته شخصيات وجد أن من حقها العيش ومن حقها الترحال.قدم له الجونة من خلال منصته للتطوير فرصة ليطور عمله ليصبح جاهزا للتصوير، فيخرج قويا ومقنعا للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان العريق. يفوز الجونة 2 به ويشارك في مسابقة الروائي الطويل هذه العام وقبل أن أشاهد الفيلم تغلغلت شخصياته في عقلي وأزاداد شوقي للتعرف على أبطاله الواقعيين بعدما أكسبهم الفنان واقعا فنيا جديدا سيخلد في أذهاننا ويصبح "أحمد عبد الحافظ" و"راضي جمال " ، و"عادل عبد السلام " باقون حتى نهاية الزمان. سنعرفهم بأدوارهم في الفيلم أوباما وبشاي وبومبا. لا يهمني إن كان الجونة مهرجانا بدأت فكرته رغبة في تنشيط السياحة كمشروع مشترك بين أخين يمثلان قطبين من الرأسمالية الوطنية المصرية، أحدهما يركز في مجال السياحة والثاني في الاتصالات والسينما ، ما يهمني أنهما بمهرجانهما قد وجدا حالمين آخرين  بدعم السينما العربية  فاجتمعا على هدف إقامة مهرجان سينمائي راهن البعض أنها ستكون دورة واحدة فقط، وتمنى آخرون أن يستمر دعما لصناعة السينما المصرية والعربية وتأكيدا على رفعة فن السينما واحتياجها لمهرجان قوي يدعم الأفلام ولا يقتات عليها.  


صفاء الليثي

 القاهرة أغسطس 2018 
مقال لم ينشر كنت كتبته لنشرة مهرجان الجونة السينمائي2



الخميس، 14 مارس 2019

الفيلم الفائز بجائزة النقاد وأفضل مخرج بمهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية


الفيلم الفيتنامي سونج لانج إنتاج 2018 للمخرج ليون لي

تفكك أسري يذهب بأحلام الشباب
من فيتنام التي شاهدنا لها في دورة مهرجان القاهرة 40" الزوجة الثالثة" الذي حاز جائزة الإبداع الفني يأتينا هذا الفيلم العصري لمخرجه الشاب متعدد المواهب ليون لي.
 ولد الكاتب / المخرج / الممثل ليون لي في فيتنام ونشأ هناك حتى سن 13 عامًا عندما انتقل مع عائلته إلى جنوب كاليفورنيا. بعد الجامعة تابع حلمه بأن يكون على خشبة المسرح بالانتقال إلى مدينة نيويورك لبدء مسيرته المهنية في المسرح الموسيقي. بعد أن أسس نفسه كممثل / راقص / سينغر بارع ، بما في ذلك برودواي ، فيلم وتلفزيون ، بالإضافة إلى أدوار التمثيل في المسلسلات التلفزيونية والأفلام الروائية في فيتنام ، بدأ في تحقيق حلم آخر طويل المدى ، الكتابة والإخراج.
تدور أحداث الفيلم في سايجون في التسعينيات في 100 دقيقة حيث تتكوّن رابطة غير محتملة بين مُجمَّع ديون تحت الأرض سنسميه الشقي وأحد ممثلي الأوبرا "الفيتنامية" سنسميه المغني على خلفية سايغون في التسعينات.
بين الشقي دونج ومغني الأوبرا
الشاب دونج يعمل محصل لأقساط الديون التي تثقل كاهل مختلف أنواع البشر، ويسلم ما يحصله للسيدة صاحبة مكتب التسليف، يمارس عمله بكثير من العنف بينما هو في داخله طفل مرهف الحس وسنعرف أن والده كان فنانا تركته زوجته وأثر ذلك على دونج الذي تحول إلى رجل عصابات. يقابل مغني أوبرا وهو يحصل الدين من صاحبة المسرح وبالصدفة يدافع عنه بعد تحرش أشقياء به ويحمله معه إلى بيته ويدور بينهما حديث نعرف منه خلفيات طفولتهما، وفي عرض الأوبرا يكون المغني منتظرا الانتهاء ليعطي دونج هدية، ولكن دونج يقتل من قبل أحد ضحاياه وهو الزوج المسيحي الذي انتحرت زوجته ضيقا من حالة العوز وتهديد دونج المستمر للأسرة هي والزوج وبنتين. الفيلم يلقي اللوم على خيانة الزوجة والتفكك الأسري في تحول دونج من فتى يمكنه أن يرث العزف عن والده إلى شقي يهدد الناس ويعيش على إخافتهم. نتعرف في الفيلم على نوع من الأوبرا الفيتنامية، الأوبرا الآسيوية بموضوعاتها التراجيدية التي تحاكي حياة دونج وأسرته. حياة تراجيدية تنتهي بمقتل دونج بينما يحمل آلة أبيه الموسيقية وقد أوشك على التحول الى مهنة الفن. على مدار الفيلم هناك تواز بين العالمين، الدائنون ودونج يحصل منهم الضرائب، وأهل الفن في بروفاتهم وعروضهم التي يحضر أحدها دونج قبل أن يوشك على حرق ملابس العرض انتقاما من عدم سداد الدين، الشقي دونج والمغني من سن متقارب ، تعمد المخرج هذا ليوضح الفارق في التنشئة الذي يدفع بشخص إلى مهنة سيئة، وتنشئة أخرى تخلق من الشاب فنانا. لا يتعمق المخرج في أسباب الأزمة الاقتصادية لأهل البلاد وان كان يمكن استنتاج أنها ظروف حدثت في فترة سابقة وانتهت.
ما لاحظته على أفلام تأتينا من فيتنام حنينا لماضي به تراث وحضارة عريقة، ونقد لوضع معاصر يعاني فيه السكان. يمتلك بطل سونج لانج كل ملامح البطل التراجيدي من عراقة الأصل ولعنات القدر في مقابل طفولة المغني اللطيفة وتذكره لكتاب وجد نسخة منه لدى دونج، قصة فيل مما تروى للأطفال مما يدفع المغني لشراء فيل هدية يدخرها لدونج سيمنحها له بعد العرض ليشكره على انقاذه من الأشقياء ورعايته في بيته المتواضع حتى الصباح. مبرر بقاء المغني سنعرف سببه حين نكتشف ضياع مفاتيح بيته وسيدة في المقهي تعطيها لدونج وهو يدفع مقابل الخسائر التي أحدثها أثناء المشاجرة. هذا الملمح في شخصية دونج المعتز بنفسه والذي يدفع ما عليه متكرر في أكثر من مشهد ويؤكد المخرج أنه على الرغم من عمل دونج كفتوة لتحصيل الديون إلا أنه صاحب أخلاقيات ومعتز بكرامته. هذا الكسر لنمطية الشرير أحد أسرار نجاح الفيلم لمخرج نجح سابقا في فيلم قصير اعتبر أفضل فيلم قصير على مستوى العالم.
المخرج يقوم بالمونتاج أيضا وهذا سر اعتماده على المونتاج المتوازي بين العالمين وإن كان ما حدث ليلة لقاء دونج والمغني شهدت تكثيفا سينمائيا وبدت أطول من مجرد ليلة واحدة. التصوير يتم ببساطة وعند الرغبة في التعبير عن دخول النور الى حياة الشقي يستخدم المخرج شعاع الشمس النافذ من نافذة بيته الذي على الرغم من تواضعه إلا أنه يحمل جماليات تعكس رهافة مشاعره وخاصة في النافذة التي يطلان منها، الشقي والمغني وقد جمعت بينهما صداقة جعلنا نصدقها.
المخرج كتب وأخرج فيلمه القصير الفضولي  عام 2012 وحاز على جوائز متعددة Dawn (2012) وعرض في أكثر من 30 مهرجانا سينمائيا في جميع أنحاء العالم حاصدا جوائز مثل جائزة التميز في صناعة الأفلام القصيرة (AAIFF) ، وأفضل فيلم قصير (VIFFl) ، وأفضل LGBT قصير فيلم (YXINEFF) وأفضل فيلم قصير عالمي (YXINEFF) وأفضل مخرج (YXINEFF) وأفضل مونتاج (AOFF) وأفضل فريق تصوير (AOFF) وترشح لجائزة مهرجان جوائز إيريس في ويلز. من خلال إثبات موهبته الاستثنائية والرؤية ككاتب ومخرج ، بدأ فيلمه القصير Talking to My Mother عام 2014. ولمعت مسيرته في عام 2015 ، وقد فاز بالفعل بجوائز من بينها أفضل دراما وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل نتيجة أصلية للآسيويين في الأفلام مهرجان، وأفضل فيلم قصير في مهرجان Viet Film Festالفيلم القومي ، وحاز أيضا جائزة الجمهور .
السينما في آسيا بحر من الإبداع كلما غصنا فيه اكتشفنا كنوزا تجمع بين ثقافة عريقة وبين قراءة للواقع المعاصر دون أن يفقد الفيلم تميزه كعمل معبر عن بلده البعيد في آسيا.
صفاء الليثي
نشر بالعدد الخامس من نشرة مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية من 2-8 مارس 2019
رئيس المهرجان المخرج مجدي أحمد علي ، رئيس تحرير النشرة محمود سيد سلام، المدير الفني محمد سيد عبد الرحيم. قام بالترجمة الناقد محمد طارق.
حصل الفيلم على جائزة سمير فريد المقدمة من لجنة تحكيم جمعية نقاد السينما المصريين ورأسها الناقد مجدي الطيب وعضوية رامي عبد الرازق ونرمين يسر ، كما حصل المخرج على جائزة أفضل إخراج من لجنة التحكيم الرسمية برئاسة المخرج الصيني الكبير شيا في .


  


 


الجمعة، 1 مارس 2019

مونتير النيجاتيف ليلى فهمي بمناسبة تكريمها بمهرجان أسوان 3


ليلى فهمي العازفة على السليولويد
 
تعرفت على ليلى فهمي أثناء تدربي في استديو الأهرام مع ورشة أحمد متولي ومساعدته القديرة نفيسة نصر، كنا نصعد من حجرة مونتاج البوزيتيف إلى الممر بالدور العلوي حيث حجرات مونتاج النيجاتيف، نمر على حجرة مارسيل صالح شديدة الاتساع التي تشبه صالونا للجمال، قبل أن نصل إلى حجرة ليلى فهمي. مقارنة بحجرات مونتاج البوزيتف حيث سلال شرائط الأفلام وعلب نسخ العمل والصوت الماجنتيك كانت حجرة مونتاج النيجاتيف شديدة النظافة لا يمكن أن تلمح ذرة تراب بها ولا شرائط ملقاة على الجانب.
ليلى فهمي في تسريحة شعر أنيقة ، وطلاء أظافر لامع في يديها الصغيرتين، تنهض وتفتح لنا زجاجتي مياه غازية من ثلاجة بحجرة داخلية، بغشومية وقلة خبرة أضع الزجاجة على منضدة التقطيع فتنبهني منزعجة لهذا الخطأ الشنيع. إلا النيجاتيف. المادة المصورة وقد خرجت من المعمل تقوم بتقطيعها وترتيبها في دواليب مرقمة، أتعلم وأنا مازلت أدرس المونتاج بمعهد السينما، هنا الدرس عملي وأستوعبه بالملاحظة. أرقام الحافة تبدو في شريط البوزيتيف يقابله شريط النيجاتيف تحت عدسة مكبرة في يد لولا، تقول لازم أدقق أحيانا ممكن رقم 6 يتقري 8 ويحدث ديسنكرون – عدم تزامن- أشعر بسعادة من اقترب من حقيقة خبرها بعينيه ولم يحفظها دون فهم أو معرفة. الدقة وليدة التجربة، والخطأ وارد وقد حدث مع ليلى فهمي كما تعترف هي لنادر عدلي مؤلف كتاب تكريمها بالمهرجان القومي للسينما المصرية 2017 بشجاعة واحترام للنفس تعترف بالخطأ وتحرص على عدم حدوثه أبدا مرة ثانية. يدور حديث بين نفيسة وليلى بينما أنا كالقط المتنمر مفتوحة العينين لأراقب ما تفعله ليلى، أبتسم إعجابا بتعاملها الرقيق مع لفات الفيلم ، يدها اليمنى بدون جوانتي تدير جهاز التزامن، واليسرى التي تمسك بالفيلم بالجوانتي القطني الأبيض. لا نتعامل في البوزيتيف مع الجوانتي، ولا نحرص على عدم اتساخ الشريط الا بشكل عابر ، هنا قدس أقداس السينما حيث تصب العملية السينمائية كلها بين يدي مونتير النيجاتيف الماهرة ليلى فهمي.
لم تتعلم ليلى أكاديميا بل اكتسبت الخبرة من الوالد كمال فهمي من الرعيل الثاني لمونتيري النيجاتيف بعد انجا وميلا, شربت ليلى فهمي المهنة حتى أصبحت أستاذة في مهنتها قامت بمونتاج مشروعات التخرج لطلاب سيتخرجون ويعملون في السوق ويأتون إليها فرحين، ها قد كبرنا واندمجنا في صناعة السينما ، تبتسم فرحة لمرآهم وتشعر بالرضا فلم تضيع سنين العمر هباء. تقول عنها رحمة منتصر أستاذة المونتاج بالمعهد العالي للسينما :" كان عند هذا الجيل احترام وتمسك بتقاليد المهنة، وكثيرا ما كانت ليلى تسهر على الفيلم لعمل مونتاج النيجاتيف بعد المكساج حتى يتم طبع نسخة العرض في الوقت المناسب، لسنوات عديدة قامت ليلى بعمل مونتاج النيجاتيف لأفلام طلبة المعهد العالي للسينما، وخصوصا الأفلام 16 مللي التي كانت تحتاج دقة ، وهي الوحيدة التي كانت تقوم بهذا العمل لسنوات دون أي مقابل مادي، مع تحمل أخطاء الطلبة وكانت تتبناهم كأنهم أبناء لها"

تتعامل مونتير النيجاتيف مع الخام المصور مرتين، الأولى فور خروجه من المعمل حيث تقوم بمراجعة النيجاتيف وتنبه المصور على الفور في حال حدوث خطأ لكي يعاد التصوير قبل هدم الديكور. الخطأ وارد في صناعة كبرى كصناعة الفيلم السينمائي، وتجاوز الخطأ وتصحيحه يبدأ بها العين اليقظة التي تنبه فيتم التصحيح على الفور. يقول عنها مدير التصوير الفنان سعيد شيمي :" ليلى فهمي من المونتيرين القلائل في بلادنا الذي كان لهم اليد الحريرية الحانية في هذا المضمار، .. ليلى فهمي كانت بالنسبة لي واغيري من الزملاء مديروا التصوير ترمومتر الطمأنينة .. كنت في أحيان كثيرة أذهب إليها في حجرتها البيضاء النظيفة في الدور الثاني باستديو الأهرام، وتكون منهمكة ومشغوله بعملها، وحين تراني تبادرني بجملتها المشهورة ( الشغل فل) هنا أجد ابتسامتها تملأ قلبي بالثقة في عملي" .
 تعد فصولا للطبع الى نسخة موجبة يتعامل معها مونتير البوزيتيف، كانت تعد في لفات حوالي 300 متر، وهي نسخة العمل التي سيعمل عليها مونتير البوزيتيف بالحذف والترتيب. يدخل الفيلم مراحل مونتاج أولية ثم مرحلة لتدقيق الإيقاع ومراجعة نهائية، تعاد فصول الى ليلى فهمي وتبدأ مرحلة العمل الثانية التي تتعامل فيها مع المونتير، تطابق رقم اللقطة، أرقام الحافة، تحزم أمرها وتقوم بالقطع. نادرا ما يحدث خطأ من ليلى فقد استوعبت الدرس الأول وحرصت على عدم تكراره.
تقول عنها المونتيرة مها رشدي: " كانت ليلى فهمي تقلق على عملها ، فتبقى بالاستديو حتى وقت متأخر لتطمئن على المراجعة النهائية للفيلم، وتحرص مع بداية تصوير أي فيلم أن تطمئن مدير التصوير على تحميض الفيلم من خلال متابعة يومية للنيجاتيف.. لن أنسى موقف ليلى فهمي عندما رحلت مونتيرة النيجاتيف الأقدم مارسيل صالح فقامت باستكمال عملها في الأفلام، ورفضت تقاضي أي مبالغ مالية ، وأصرت أن تذهب هذه المبالغ إلى ورثتها ، ووضع اسم مارسيل صالح منفردة على هذه الأفلام."   
تصادف أن أغلب الأفلام التي قام المونتير أحمد متولي بعمل المونتاج لها أن تكون معه مونتير النيجاتيف ليلى فهمي، فقد كان المخرج الكبير محمد راضي لا يرتاح إلا إليها، وكانت أفلامه دائما مع أحمد متولي، وأفلام أخرى لعلي عبد الخالق وأفلام تسجيلية كانت في أيدي أمينة مع ليلى فهمي. صاحبة اليد الساحرة، الدقة والمهارة وحساسية التعامل مع ثروة الفيلم السينمائي المتمثلة في شريط النيجاتيف.
ستعمل سنوات طوال وتستوعب تطورات المهنة فتقوم بمونتاج النيجاتيف مع الكومبيوتر دون أن يكون أمامها نسخة بوزيتيف موجبة تطابقها مع السالب، بذكاء وموهبة فطرية تنجح فيما فشل فيه آخرون رفضوا التعامل مع مونتاج الكومبيوتر بشقية السالب والموجب ، تعمل مع أجيال جديدة مونتيرات صغيرات تخرجن من المعهد العالي للسينما ، تضاهينهن ليلى وتتفوق عليهن. يشعر المنتج بأن فيلمه ، رأس ماله في أمان معها يقول عنها المخرج محمد عبد العزيز:" ظلت ليلى فهمي تجمع بين الإتقان المتفاني الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمهنة مونتاج النيجاتيف وبين علاقات الود والصداقة والمحبة بكل من عمل معها ، كتعبير صادق حقيقي للزمن الجميل الذي عشناه في أحضان السينما المصرية وصناعها الذين جمعت بينهم كل مشاعر الحب والتعاون والاحترام ".
 ليلى فهمي التي بدأت طفلة بالعمل مع والدها مونتير النيجاتيف كمال فهمي،  وتعاونت مع زوجها المونتير والمنتج عادل شكري  استمرت حتى توقف التصوير بخام السينما ، السليولويد 35 مللي، اعتزلت مرغمة عام 2011 مع آخر فيلم صور بخام السينما، اعتزلت مرغمة منحازة إلى الطريقة التقليدية في تصوير الفيلم على خام سينما . تكرم في المهرجان القومي للسينما المصرية عام 2017، ينتبه عشاق السينما فنها ومبدعيها فيعاد تكريمها في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، تكريما مستحقا لفنانة، امرأة مبدعة ومخلصة لفن السينما الذي عشقته ، محبوبة من كل من تعامل معها من زملاء صناعة السينما المصرية.  
هامش: الشهادات الواردة في المقال منقولة من كتاب تكريمها بالمهرجان القومي للسينما المصرية عام 2017 تأليف الناقد الكبير نادر عدلي. 

                   كتبته صفاء الليثي ونشر بكتالوج الدورة الثالثة لمهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة 

     مع بناتها شيرين وحنان عادل شكري وصديق من العاملين بالمهرجان على السجادة الحمراء في الختام