الثلاثاء، 23 أبريل 2019

عن الفيلم الفائز بأفضل تسجيلي طويل باسماعيلية 21


رمسيس راح فين؟
مقال تأليف : سهام بنت سنية وعبد السلام
يقدم لنا عمرو بيومي في فيلمه "رمسيس راح فين؟" الفائز بجائزة الأفلام التسجيلية الطويلة في الدورة الحادية والعشرين من مهرجان الاسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة فيلما مزج ببراعة بين الخاص والعام، مزجا بلغ حد التماهي بين عمرو بيومي و رمسيس؛ التمثال لا الملك، وبالذات التمثال الذي وقف لعشرات السنين في ميدان باب الحديد.  فكلاهما (المخرج والتمثال) كان خاضعا لسلطة استبدادية (الأب في حالة عمرو بيومي والسلطة السياسية الحاكمة في حالة التمثال).  فقد حرص عمرو بيومي على تأكيد استبداد والده بالسلطة الذكورية في الأسرة وكاريزمته العالية التي جعلته يتحكم في مجاله خارج الأسرة، يؤكدها في حالة عمرو المقتطفات التي يتلوها من خطاب أرسله له والده معترضا على اختياره لشريكة حياته.  أما التمثال، فقد تعرض مرتين للنقل من مكان استقر فيه إلى مكان آخر بناء على قرارات لصالح الحاكم.  فقد كان التمثال مستقرا في ميت رهينة لآلاف السنين، حتى قرر قائد حركة الجيش في 1952 جلبه إلى ميدان باب الحديد بديلا لتمثال نهضة مصر الممثل لروح ثورة 1919، حتى ينسى الناس رموز الثورة القديمة ويتذكروا الثورة الجديدة.  ولما سميت محطة مترو الأنفاق التي تقع تحت الأرض باسم الحاكم المصري وقت إنشائها "مبارك" رؤي أنه لا يصح أن يكون التمثال بالأعلى ويسمى الميدان باسمه بين اسم الحاكم بالأسفل، فتقرر نقله توطئة لتغيير اسم الميدان.  لكن لسخرية الأقدار، تغير اسم المحطة إلى "الشهداء" بعد ثورة 25 يناير 2011، وظل الميدان يحمل إلى هذه اللحظة اسم رمسيس.

لكن، "رمسيس راح فين"؟ سؤال لا يدور في ذهن المخرج وحده، بل دار ويدور في أذهان جميع المصريين الذين ارتبطوا بتمثال رمسيس على مر الزمان، منذ أن كان ملقى على الأرض في ميت رهينة، يألفه الأطفال والأهالي ويحيطون به في حب، حتى صدر الأمر في 1955 بنقله في فترة 5 أيام، ونقل راقدا على ظهره بعد إنشاء جسر خاص يتحمل ثقله، وأقيم في ميدان باب الحديد حتى نقل في موكب ملكي فخم في 2006، هذه المرة واقفا بكل جلاله، كما قال المهندس الذي صمم خطة نقله، فقد أراد أن يجعل من رحلته موكبا ملكيا لا جنازة ملكية، لذلك رفض نقله في وضع أفقي وصمم خطة تنتفي فيها المخاطرة تماما، وهو نفسه تعامل مع التمثال بحميمية، إذ يقول أنه ربت على كتفه، وهمس في أذنه "خليك كويس وبلاش حركات الملوك القرعة"، وكان التمثال عند حسن ظنه، إذ سار موكبه المهيب يحفه مواطنوه المصريون وهم يلوحون له بالأعلام ويهتفون باسمه، موكب يحسده عليه أي حاكم حتى وصل بسلام إلى مقره في الهرم، وربما يعقد المشاهد مقارنة بينه وبين موكب وداع جمال عبد الناصر الذي قدمه المخرج من لقطات أرشيفية.
استخدم المخرج العديد من العناصر في سرده الفيلمي، فاستخدم شهادته الخاصة، مصورا نفسه في إطاره الخاص في المنزل وفي حي السكاكيني، كما استخدم لقاءات مع شخصيات لها علاقة وثيقة بنقل التمثال أو بالتاريخ عموما، وأسهب في شرح حي السكاكيني من خلال رسم تخطيطي يوضح قلب الميدان الذي يحتله قصر السكاكيني وتتفرع منه الشوارع، وأحدها الشارع الذي نشا فيه على مقربة من ميدان رمسيس، رابطا بين محل نشأته ومستقر تمثال رمسيس الذي احتل موقعا مركزيا في ذاكرته البصرية.  واستخدم أيضا مواد أرشيفية ما بين صور فوتوغرافية ولقطات سينمائية لأحداث هامة مثل النقل الأول للتمثال من ميت رهينة إلى باب الحديد، مع لقطة أراها تحية ليوسف شاهين من فيلم "باب الحديد"، وكانت لقطات جنازة عبد الناصر مهمة سواء للتذكرة بكيف يودع الشعب المصري زعيما أحبه أو للمقارنة بينها وبين توديعه لزعيم آخر هو رمز لتاريخ مصري مجيد.
واستخدم المخرج قصاصات صحفية لرسوم كاريكاتورية توضح مدى الحميمية التي كانت بين الناس وبين التمثال، بحيث "يهزر" معه جورج البهجوري دون إخلال بقامته التي تظل دائما سامقة عالية أعلى من أي مما يحيط بها.  أما اسم الفيلم فمشتق من إعلان لمهيب عن شركة مصر للألبان في الستينيات او السبعينيات بعنوان "رمسيس راح فين؟" وقد أورده المخرج بأكمله قرب نهاية فيلمه، وهو إعلان يوضح أيضا الحميمية التي كان الشعب المصري يتعامل بها مع تمثال رمسيس، الذي خلا موقعه الآن في باب الحديد، كما اختفت شركة مصر للألبان، وغيرها الكثير. 
سألت المخرج في لقاء بجمعية النقاد، ألم يفكر في تصوير حدث تغيير اسم محطة مترو الأنفاق من "مبارك" إلى "الشهداء"؟ فكان رأيه أن هذا تقرير مباشر، ويكفي أنه صور ملصقا لمبارك لا يضاهي فيه أبدا قامة رمسيس، كما صور أفيش فيلم "ظاظا" وهو عن شخص يفشل في ان يصير رئيسا.  أتفق معه في أن هذه العلامات دالة، لكن أفيش الفيلم بالذات لن يفهمه إلا من شاهد الفيلم.  وعموما، سواء صور تغيير اسم المحطة أم لم يصوره، لا يملك المشاهد إلا ان يعقد هذه المقارنة بين مصير التمثال الذي نقل حتى لا يعلو اسم "مبارك"، ومصير مبارك الذي محي اسمه من على المحطة.

تستضيف المدونة مقال الزميلة سهام عبد السلام والمدونة مفتوحة لغيرها من الزميلات والزملاء 

تكريم برهان علوية بالإسماعيلية 21


فلسفة حسن فتحي في عمارة الفقراء

في كتابه عن برهان علوية الصادر بمهرجان الإسماعيلية في دورته 21 يذكر الناقد نديم جرجورة أن علاقة علوية بالسينما بدأت فعليا عند مشاهدته فيلم المخدوعون للمصري توفيق صالح وكانت مشاهدته للفيلم دافعا إلى التأمل بأشياء كثيرة " راحت تتفاعل في رأسي" كما يقول علوية فلم يتأخر عن صالح وحمل مشروعه إلى نفس المنتج المؤسسة العامة للسينما في دمشق.. فأنجز فيلمه كفر قاسم عام 1975 الذي يعيد إحياء المجزرة الصهيونية بحق أبناء تلك البلدة الفلسطينية والتي جرت في 29 أكتوبر 1956 في تجربة تمزج التسجيلي بالتمثيلي أعاد فيه علوية تقديم المجزرة مع ممثلين يؤدون أدوار أناس حقيقيون، وقد عرفناه في مصر هذا الفيلم الفريد المعبر عن مفهوم علوية في عدم الفصل بين الوثائقي والروائي وستعبر مسيرته المهنية عن هذا الجمع فله أربعة أفلام روائية ، أفلام كفر قاسم وبيروت اللقاء وخلص ومازن والنملة القصير  بجانب أنجزها بالتوازي مع الأعمال التسجيلية وأولها فيلمه الهام عن العمارة والمهندس حسن فتحي بعنوان محمل بالدلالات فجاء فيلم  لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء شارحا فكر المهندس المصري وكما كتب كعنوان بعد التترات حول أفكار وتجارب المهندس المعماري حسن فتحي الذي يبدأ بتصوير مقابر للفقراء وفي الخلفية الأهرامات التي هي مقابر لملوك مصلر القدماء وصوت طائر برتابة ثم تعليق شارح يقرأ فقرات من كتاب حسن فتحي المعبر عن أفكاره عن عمارة الفقراء والتي لا تعني أنها الأقل جمالا كما كتب حسن فتحي. 

استغرق هذا المدخل العلمي ثلاث دقائق قبل أن يظهر حسن فتحي بظهره مشرفا على مساكن القاهرة الفاطميا متحدثا بالفرنسية عن ضرورة التمسك بثقافتنا في بناء منازلنا يواجه الكاميرا وهو يجيب على سؤال من أنت يوقول أنا معماري عربي فقد عروبته في طور البحث في العمارة عن عروبتي. يبدو فتحي متجاوبا مع أسلوب علوية في تقديم الوئاقي بطريقة درامية يمتزج فيها الأداء مع الوثيقة الحية. نشاهده فوق سطح بناء عربي ثم يدخل حجرته ونعرف أن هذا بيته العربي الذي يقول عنه أنه لم يسترح إلا في هذا البيت ثم يشرح معمار البيت العربيب وملاءمتها للبيئة الحارة ويذكر ملقف الهواء ناطقها بالعربية وسط حديثه الفرنسي كلغة التفكير بينما يتحدث العربية حين أراد أن يعبر عن مشاعره. يستعرض علوية بيته العربي على أغنية سيد درويش أنا هويت بصوت المجموعة ويطول المشهد في إطار تقليدي لسينما وثائقية معروفة تتغير أسلوبيا مع استعراض الحارة والأولاد يلعبون بمنازل النوم، البيجامة الكستور المخططة قبل أن ينفتح الناس ويصبح لديم ملابس رياضية للعب بها. ينوع علوية في التعليق فيقرأ بصوت نسائي لتوضيح التطور التاريخي ويدخل حسن فتحي بصوته بعد أن تعرفنا عليه في المشهد الافتتاحي ويعود صوت المعلق الرجل بديلا في الغالب عن صوت المخرج نفسه الذي يقرأ فقرات من كتاب ألفه حسن فتحي. بانوراما للقاهرة ولقطة سريعة لإعلان فيلم بص شوف سكر بتعمل إيه راصدا الفترة التي صور فيها الفيلم وموثقا لآخر عنوانه يا حلوة ما تلعبيش بالكبريت. إنها السبعينيات وانحسار دور الفيلم الواقعي لصالح الخفيف والهابط.
مزيج مركب لشرح أفكار حسن فتحي مع عرض للقاهرة كما يراها المخرج المبدع برهان علوية. يتجلى الإبداع في استخدام أغنية نادرة للشيخ إمام تترجم المعنى الذي شرحه المعماري، زهر الجناين طرح ، والعطر مش واحد ، مع إن الشجر طالع في غيط واحد ، بلحن جميل مع العود فقط ومشهد ساحر يصور بيوت الفقراء مما تسمى المساكن الشعبية وأطفال يلعبون على مرجيحة في ساحة ترابية.

في كتاب تكريم برهان علوية المعنون سيرة منافي وحكايات غير منتهية يبدأه جرجورة بأنه يصعب اختزال السيرتين الحياتية والمهنية للسينمائي اللبناني  برهان علوية المولود عام 1941 بكلمات قليلة. وأجدني بالمثل أعاني من صعوبة عرض فيلم " لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء" الذي يعرض باستفاضة تجمع بين الشاعرية وبين العرض العلمي لأفكار المهندس المصري المتفرد حسن فتحي، تنقل فيه المخرج من القاهرة إلى أسوان مصورا قرية في غربها أقامها الفلاحون بعد غرق النوبة وقرية أخرى أقامتها الحكومة بما يعتقدون أنه بناء عصري والمقارنة بينهما تشرح بالصورة وتعليق البسطاء عن الفارق بين تفهم الفلاح ونجاحه في بناء بيت مريح يلبي احتياجاته وبين فشل مهندس المدينة في تقديم الراحة للفقراء طبقا لأسلوب معيشتهم. يوثق علوية لمنازل فلاحية بنيت بالخامة المحلية، الطوب غير المحروق في مشاهد تجمع بين الجمال والبراح، يوثق لساقية لم أصادف مثيلا لها وفلاح مسن يجلس فوق دولابها يتشارك فيها صغار ملاك الأراضي بطريقة تعاونية ، وثق دون قصد لما ترتديه فلاحة مصرية في الجنوب من جلباب يغطي الركبة ويترك الساقين عاريتين في مناخ البلاد الحار قبل أن تغزو الملابس المحملة بالثقافة البدوية مصرنا . توثيق لبيوت النوبة بمعمارها المناسب للأجواء، وبيت عليه الرسم الشعبي للحج ، وقبل هذا رصده لسكن بعض الفقراء للمقابر وسكن مجموعة أسر أخرى لمسجد أثري قديم بعد اقتحامها للباب لأنهم بلا مأوى. ونسمع الأغنية ، ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين كمرثية لما يحدث من إهانة للآثار وإهمال الدولة وقتها ، فمن الاحتلال العشوائي لأي مساحة فارغة إلى التكدس في منازل ضيقة تم استيراد عمارتها من الغرب حيث المناخ مختلف. في الفيلم تعبير عن الواقع المعيش لفقراء مصر النازحين من الريف فيسكنون أسطح المنازل العالية أو يتخذون من أحواش المقابر سكنا لهم أو يقتحمون مساجد أثرية ويسكنون ساحاتها.
الفيلم مقسم إلى فصول بعناوين توضيحية تغطي مصر بداية من القاهرة إلى الريف وحتى أسوان وكوم أمبو مقدما رسالة حسن فتحي الموجهة للمعماريين أن عليهم تقديم خدمة لفقراء بلدهم بتصميمات يستخدم فيها مواد البيئة وتراعي احتياجاتهم. يشرح فتحي مفهومهم التعاوني وضرورة التعلم منهم وليس العكس. أجد في فيلم علوية شرحا وافيا لفلسفة فتحي في عمارة الفقراء بشكل لم يتطرق إليه أحد بهذا الوضوح في فيلم كلفته اليونسكو بإنجازه غضب منه المسئولين في مصر وقتها واعتبروا أنه يسيء لمصر وأجده دراسة علمية تنحاز للفقراء الذين يحبهم الله ولايكفي ذلك بل يجب أن تحبهم حكوماتهم وكبار مثقفيهم بما يساعدهم على الاستمرار في حياة مريحة في ظروف تناسب متطلبات معيشتهم. لقطات جميلة للريف المصري ومدينته الفاطمية مع استخدام للأغاني المعبرة عن روح المشهد بشكل بديع. في الفيلم أيضا نقد ذاتي لحسن فتحي يعترف بأنه أخطأ أثناء تصميمه للقرنة الجديدة ومقرا بأن المعماري يجب أن يتعلم من الفلاح وليس العكس مقدما مثالا كيف بنى الفلاح المصري الذي يعتبر أن مصر هبة له ، كيف بنى بيته بشكل جميل وفريد .

غاب برهان علوية لظروف صحية عن ندوة تكريمه وحضرها الناقد نديم جرجورة والمنتج نجا الأشقر وأدارها رئيس المهرجان عصام زكريا ، عرض فيلم قصير فيه حوار مع برهان علوية يشرح فيه فلسفته ومفهومه للفيلم السينمائي ودور المثقف العربي. ثم عرض الفيلم عن حسن فتحي الذي أدهش الحضور لاكتماله وتفرده  ومنهم المخرج علي الغزولي ومدير التصوير محمود عبد السميع .  شملت الندوة عرضا لكتاب التكريم الذي ألفه جرجورة وتضمن بيو فيلموجرافيا لعلوية أعدها عرفة محمود ، في الندوة تعرفنا على جهود نادي كل الناس في إحياء والمحافظة على تراث السينما اللبنانية وخاصة مجموعة الخمسة المشاركون في صناعة سينما بديلة وهم كما ذكر نجا الأشقرالمسئول عن النادي وهم مارون بغدادي ورندة الشهال وكريستيان غازي وجان شمعون بالإضافة إلى علوية العائش منذ فترة في منفاه الاختياري بفرنسا منشغلا بهموم السينما العربية وكان عمله الهام الأخير إليك أينما تكون الذي قدمه عام 2000 عن تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية وكوابيسها وأشباحها. 
كانت التكريمات وما صدر عنها من كتب وما تبعها من ندوات من أنجح برامج الإسماعيلية السينمائي في دورته 10-16 أبريل 2019 . كما كان الاتجاه العام للأفلام التسجيلية الطويلة ممتزجا به الخيالي مع الواقعي كأسلوب برهان علوية الذي عرفناه مع فيلمه كفر قاسم والممتد في كل أفلامه التالية.
سمحت التكريمات بإعادة قراءتنا لأعمال مبدعين مازالوا بيننا مثل سعيد شيمي وبرهان علوية ، وآخرين غابت أجسادهم وبقيت أعمالهم مفتوحة على كافة التأويلات من مختلف أجيال النقاد. وكل مكرم منهم يستحق عرضا منفصلا عن مشواره مع السينما وخاصة التسجيلية منها.
صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 23 ابريل 2019 رئيس التحرير عماد الغزالي 



السبت، 30 مارس 2019

عن ثلاثة أفلام مصرية في مسابقة الفيلم القصير بمهرجان أسوان 3


جمال الاختلاف في أساليب التعبير

بين نوال وشفة وهاجر 

عروض المسابقة الدولية للفيلم القصير كانت تبدأ في الخامسة، مما ناسب جمهور كبير من شباب وشابات أسوان امتلأت بهم قاعة العرض الملحقة بفندق هلنان المجهزة بشكل احترافي لمشاهدة الأفلام مع أجهزة عرض حديثة بالصوت المجسم. من بين أعمال قصيرة من مختلف دول العالم، تسجيلة وروائية وتحريك توقف الجمهور عند العملين المصريين، لاقترابها من أمور يعايشونها ويسعدون بمن يجيد التعبير عنها. تجاوب الجمهور مع فيلم " نوال " العمل الأول لصانعه ابراهيم غريب الذي يعمل في دوبلاج الأفلام وحين أخبر الحضور بأنه مؤدي دور السلحافة في نيمو حتى صرخ الشباب استحسانا. صور ابراهيم والدته على مدى عدة شهور وانطلقت في حكايات بصراحة وثقة ، أطلعها على ما صوره ووافقت على عرض الفيلم بعد مونتاجه الذي تم قبل وفاتها بقليل، وحين توفت قام الأخ بتصوير ابراهيم على قبر أمه وقد حصل مسبقا على موافقتها على كل تفاصيل الفيلم ومنها النهاية بمشهد جنازتها.

فيلم نوال تم تدعيمه بصور من أرشيف الوالده لها ولأبيه ، فبدت نوال كسيدة مصرية تشبه كثيرات من أمهاتنا وأخواتنا. لم أتوقف كناقدة عن شكل الكادر العفوي غير المرتب ولا على زوايا تصوير لم تكن موفقة، فجاذبية شخصية الأم وانطلاقها في حديث صريح يصرف الانتباه عن مثل هذه التفاصيل. ابرهيم بعزمه على تحقيق فيلم عن والدته نجح في عزمه كما نجح في أن يحمل لقب صانع أفلام، وأتصور أنه سيجرب مع موضوعات أخرى وسيحقق أفلاما صادقة وقريبة من القلوب. من الإسكندرية نطل علينا أمنية عكاشة بفيلم عن الصبي العائش في العشوائيات والذي يسميه أقرانه شفة نظرا للندبة في شفتيه. يبدأ الفيلم بمبارة كرة قدم على سطح منزل بسيط، وتخرج امرأة تنادي الصبي ونتبين أنها أمه تطلب منه ترك حصيلة ما وزعه، هي تغسل وتططلب منه احضار قهوتها، الفتى الذي كان يتزعم أقرانه يرتعد خوفا من والدته الشرسة، حين يجلس على الكنبة يترك تحته بقعة دماء ويهرع الى الحمام فيكتشف دماء في ملابسه، الأم تصعق لمرئى الدماء وتطلب من شفة إخفاء الأمرعن كل من يعرفه، وتبدأ في تعنيفه، والتأكيد عليه للإبقاء الأمر سرا، تشرح له لها بالفعل أن ما حدث سيحدث الجمعة الأولى من كل شهر ويستمر بضعة أيام، الفتى يردد بضعة أيام؟ يصلنا يقين أن الأم ربت ابننتها كولد حتى تجابه المجتمع من حولها كما تدعي.

هناك ثغرات بالفيلم فكيف لم تكتشف الفتاة غياب العضو الذي حتما تشاهد الصبيان به وهم يتبولون في بيئة كهذه، وكيف لم تظهر بوادر سبقت دماء الحيض كانتفاخ الثدي مثلا. لم تدقق أمنية في الأمر وعلى الأرجح حصلت على قصتها من مصدر ما ولم تشغلها التفاصيل وركزت فقط على بيان ما يمكن أن تتعرض له أنثى في حي عشوائي بينما يعيش الذكور بشكل أفضل قادرين على حماية أنفسهم ولو بادعاء القوة.
نوال تسجيلي يوثق لحياة سيدة تقترب من الثمانين، صورها ابنها في مائتي ساعة وعند المونتاج اختار قصصها العاطفية التي حكت عنها بصدق. وفي شفة عمل خيالي يفترض أن أما في بيئة عشوائية ربت ابنتها على أنها ذكر ونسيت أمر الطبيعة عند وصول دورتها الشهرية. علينا أن نتغاضى عن مشاكل في الحبكة لصالح فكرة إظهار ما تتعرض له الفتيات والنساء في مجتمع عشوائي.
أما هاجر عبد الباري فقدمت فيلما طليعا يجمع بين الفكرة اللامعة والأسلوب الفني الخاص والمميز كونه عملا وثائقيا يمزج وثائق قديمة مع صور حديثة أحيانا تكون لقطات عامة شديدة الاتساع، أو لقطات قريبة معبرة وهي تؤدي بصوتها واحساس عالي، تقول مخاطبة أمها أحببت الشاشة لأنها تقربني منك، وكرهتها لأنها حاجز بيني وبينك". هاجر التي تربت بدبي نجحت في عملها الأول هذا " تواريخ" في التعبير عن قسوة الغربة وتأثير البعد عن والديها مستخدمة شرائط مصورة ومقاطع صوتية نجحت في نسجها بمونتاج خلاق لإيصال معاناة فتاة اغتربت عن والديها مجبرة للدراسة. هذه مخرجة واعدة يتجاوز فيلمها حدود الفيلم التسجيلي الشائع، ويتفوق على الخيال الروائي حين ينجح في إيصال أحاسيس قوية تصل لكل الناس.
نوال بطلة فيلم من صنع ابنها، شفة ضحية أمها في البيئة العشوائية وهاجر في معاناة الغربة رغم توفر المادة، نماذج من النساء تنوعت معاناتها ونجح مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة في عرضها على جمهور المدينة الساحرة في جنوب مصر غالبيتهم من الفتيات والشبان . 
صفاء الليثي
ملحوظة: نسيت أين نشر أو أنني لم أرسله للنشر وينشر هنا للمرة الأولى، الزحام كان شديدا بين المهرجانات. 

الأربعاء، 27 مارس 2019

نسخة أفريقية من روبن هوود تنافس على جائزة الروائي الطويل بالأقصر



جون كيبي بطل تراجيدي بجنوب إفريقيا
من بين أفلام المسابقة الروائية الطويلة يبرز فيلم من جنوب أفريقا لمخرجه اللامع جميل كوندو الذي حظيت أعماله الوثائقية والروائية بعروض في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية المرموقة بما في ذلك مهرجان تورونتو السينمائي الدولي ومهرجان روتردام السينمائي ومهرجان لندن السينمائي الدولي ومهرجان بوسان السينمائي الدولي بكوريا، ومهرجان دبي السينمائي وغيرها. وهنا في الأقصر يشارك بفيلمه " خيط الشتاء جلدي" توقع الإعجاب بالفيلم يبدأ من عنوانه المحمل بصورة أدبية وتظل صورة الفيلم التي تجعلنا نشم الطين والطمي المبلل الذي يسود المناطق الزراعية في الريف الإفريقي على مدار الفيلم كله بدرجات لونية يغلب عليها اللون البني المائل الى الرمادية. فيلم حركة مستمرة منذ الدقيقة الأولى دون توقف وكأن الإيقاع على صرخة واحدة زاعقة خالية من لحظات صمت أو زمن هاديء. الفيلم عن بطل متمرد أسود، إذا جاز اعتبار أن السرقة من الأغنياء واقتسامها مع الفقراء بطولة، كما أدهم الشرقاوي في القصص الشعبي المصري ، وكما روبن هود الأشهر عالميا. اختار المخرج فترة في الخمسينيات تلت الحرب العالمية حيث مستعمرين بيض لديهم مزارع ويربون الأغنام مسلحين بالبنادق ولديهم متفجرات في مقابل ما يملكه السود من عصي وحجارة، معارك غير متكافئة تدور، ينتصر فيها الأبيض بسلاحه ويعيش أصحاب الأرض الأصليين من جبال بوشبيرج في فقر مدقع وخوف دائم من الموت. حيث يرز بطلهم الذي اختار منفردا أن ينتقم على طريقته  بسرقة الماشية وغيرها من المزارع في المنطقة القاحلة الشاسعة التي تقع في منطقة كارو الكبرى الريفية في جنوب إفريقيا وأن يشارك غنائمه مع الفقراء ومنهم أمه وامرأته. العلاقة مع الأم واضحة، ولكن علاقته بالمرأة يشوبها الغموض فهي تخيط جرحة بعد غزوة من غزواته التي عاد فيها منتصرا بحمله خروفا سرقه ووصل به سالما، يحاول التقرب منها ولكنها تمنعه بقسوة. 
لا يسرد المخرج فيلمه في خط زمني من بداية الأحداث حتى الوصول الى ذروة ثم النهاية مع إعدام المتمرد بتهمة القتل التي لم يرتكبها. بل يروح ويجيء منتقيا أعلى اللحظات وأسخنها مستخدما كل وسائل الإثارة من موسيقى زاعقة وإضاءة ممتعة وبيئة مبللة لا يظهر فيها زرع أخضر ولا مياه صافية. كل ما حولنا كأنها بداية الخليقة أو نهاية العالم.
البداية مع مشهد مطاردة في الليل بين شخص أعزل مغطى، سنعرف لاحقا أنه مغطى بالخراء بعدما اخنبأ في المجرور، وعديد من المسلحين مع كلابهم، ثم المحكمة وقراءة الحكم على السيد جون كيبي بالإعدام شنقا لجريمة القتل التي لم يرتكبها. الجكم يقرأ باللغة الألمانية وسنلحظ الصليب المعقوف على أذرع البيض حاملي السلاح مطاردي الرجل الأسود . نظرة نارية من كاتب يسجل بقلمه في كراس إلى البطل الأبيض بعينية الزرقاويين. الإقطاعي بوثا يمضي وقد شفي غليله ، وينتهي مشهد المحكمة بلقطة قريبة لسيدة سوداء ومنها لمشاهد عودة للخلف وحارس سيدها يحمل سلاحه ويمضي. تترقب خروجه حاملا سلاحا أبيض وتنزل العناوين .
عسكري أسود بشارب ضخم يعمل مع البيض يقتحم غاضبون بيته ويلقون بشعلة نار، صراخ طفل ، يعمر سلاحه ويقترب من الغاضبين ويقتل واحدا منهم فيفر الجميع. منذ البداية تفوق السلاح الناري على الوسائل الأخرى.الكاتب على آلته الكاتبة يكتب . سيتنقل السرد بين الوحدات المشهدية لما يقوم به جون كيبي من أفعال السطو على المنازل والتقليب في ممتلكاتهم صور أسلحة وجهاز اسطوانات، وبين مطاردة البيض له، ومشاهد لمساندة السود لبطلهم، ولقطات قصيرة تظهر الكاتب على آلته الكاتبة، دون تسلسل زمني بل بالتقدم والتراجع لاهثا وراء كل ما هو ساخن وحيثما يجد مساحة للتشويق فإنه يقتنصها ولا يسمح لها بالإفلات. في مغارة يضيئها بالمشاعل يجمع جون كيبي المسروقات ويشغل الجرامافون وتنبعث أغنية بالألمانية يستخدمها المخرج كموسيقى مصاحبة لمشاهد صراع بين حارس الإقطاعي واللص البطل الشعبي.
فكرة الانتقام تعتمد عليها كثير من الأعمال الدرامية ولكن المخرج يقلل من شأن المنتقم بالتركيز على أفعال خائبة وجنونية لا تحقق له شيئا، ويصبح مهزوما لا محالة فالبطل الفرد هنا ليس خارقا ولا ذكيا بل مغامرا ولا يأبه الموت وهي صفات لا تكفي لينتصر على أعدائه الذين لديهم دوافع قوية للحفاظ على ثرواتهم ولضمان عدم تكرار نموذج المتمرد عليهم. ورغم براعته في التعامل مع الخيل مما يسهل عليه اقتياده وبراعته في قيادة دراجة نارية أيضا إلا أن البطل الأسود ليس نبيلا بما يكفي لكي تتعاطف معه، بل على الأكثر يمكن أن ترثي لحاله وقد تتمنى أن ينجح في الإفلات من جريمته الصغيرة .  يسرق كيبي خروفا من مزرعة بوثا ويحمله على ظهره ويجري به وهو أعزل ، مشهد يطول في مطاردة غير متكافئة وتكون نتيجتها موت الحيوان حين يقفز به قفزة جنونية فيصرخ من ضياع غنيمته، يكرر الفعل وينجح فيرقصون احتفالا بطعام يشتاقون إليه . خروف واحد لقرية بأكملها سيدفع ثمنه حياته ولن يفلت بقوانين الرجل الأبيض الملفقة والشاهد عليها كاتب القصة الذي يظهر في الفيلم كشاهد على الأحداث وراويها.
يحفل الفيلم أيضا بمشاهد جماعية لثورة السود في مواجهة مع سيارات وبنادق الحكام البيض ومن يتعاون معهم من السود القلائل، برغبتهم كما الضابط ذو الشارب الغليظ، أو مرغما كما الخادمة في بيت الجنرال بوثا .مشاهد تعيد إلى الذاكرة أفلاما أمريكية أرخت لصراع السود مع البيض قبل انتهاء حقبة التعامل معهم كعبيد، ولكن المخرج الإفريقي في فيلمه هذا يقدم قطعة مختلفة في الأراضى الإفريقية التي استعمرها المنتصرون البيض في حروبهم خارج القارة السمراء، غالبا كمكافأة لهم على تضحياتهم في الحرب الكبرى. لا تجري أحداث " خيط الشتاء جلدي" في القارة الجديدة أمريكا حيث العبيد السود وأسيادهم البيض ، بل في بلادهم ، في جنوب إفريقيا الريفية المشحونة بالعنف في خمسينيات القرن العشرين التي سيطر عليها البيض وأتوا بعرباتهم ونسائهم وبكل تفاصيل حياتهم يعربدون في أرض لم تكن يوما لهم، وهذا المشهد هو ما ينتهي به الفيلم كعودة بالأحداث إلى الوراء  مع الإقطاعي بوتا الذي نجح في النهاية في القبض على جون كيبي وساندته قوانين البيض بإعدام الرجل الذي كانت أفعاله تهديدا للمجتمع الفلاحي الاستعماري، وها هم الجنرال المستعمر يهنأ الآن في أرضهم،  يستقبل ضيوفه، يمنع زوجته من تعاطي الخمر حتى لا يظهر للآخرين غضبها ورغبتها في ترك المكان والعودة إلى بلادها، ويمتليء مشاهد الفيلم بالأسى على سيادة الظلم في عالمنا الذي كان.
. في عام 2005 ، فاز فيلم وثائقي  للمخرج جميل عن الإيدز أخرجه لشارع سمسم بجائزة بيبودي المرموقة في أمريكا لأفضل برامج واقعية.  وفي عام 2013 تم حظرفيلمه الروائي الثاني "تقرير جيد" في  بلده جنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري.
من بين العديد من أفلام إفريقا اخترت إلقاء الضوء على فيلم " خيط الشتاء جلدي" الذي يبين بوضوح أن القضايا لا تموت بفعل الزمن ، وأن تضحيات أصحاب الحقوق لنيل حريتهم تستحق التذكير بها مهما ظهرت قضايا معاصرة كتغيرات المناخ ، أو شح الغذاء ، تبقى قضية الحرية في المقام الأول هي قضية البشر في كل زمان ومكان. وسينافس في القسم التسجيلي فيلم آخر معاصر من جنوب إفريقيا يحمل عنوانا مستمدا من كتاب عن رواندا " همس الحقيقة " بإنتاج ضخم عن الفساد السائد في جنوب إفريقيا البلد الذي يعتبر الفارق فيه بين الأغنياء وأغلبهم من البيض وبين الفقراء السود أعلى فارق بين السكان على مستوى العالم.

صفاء الليثي
كتبته قبل إعلان الجوائز بيومين عن فيلم " خيط الشتاء بجسدي" الحاصل على جائزة أفضل إسهام فني من لجنة تحكيم المسابقة الروائية الطويلة بمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية وختام المقال عن الفيلم التسجيلي الذي حصد جائزة لجنة التحكيم " همس الحقيقة" الفيلمان من جنوب أفريقيا . نشر المقال بجريدة القاهرة الثلاثاء 26 مارس 2019 رئيس التحرير عماد الغزالي