الخميس، 20 يوليو، 2017

عن آخر أفلام كياروستامي



.مثل شخص مغرم 
عباس كياروستامي 
الإيراني المنفتح على العالم

في عودة لنشاط جمعية نقاد السينما المصريين، اختارت الناقدة الشابة رشا حسني الفيلم الأخير لأيقونة السينما الإيرانية عباس كياروستامي " مثل شخص مغرم" وشرفت بإدارة ندوته مع متعطشي السينما الفنية الرفيعة، بينهم المخرج الكبير هاشم النحاس، والمخرجة فريال كامل ، والناقدة سهام عبد السلام، كنا متعطشين لمشاهدة الفيلم لصاحبه الذي عرفناه بعد حصوله على سعفة كان عن فيلم " بستان الكرز 1997 ، وأصبح له مريدوه المتابعين لأفلامه التي احترمها العالم واحتفى بها في أهم مهرجاناته.
عند المخرج الإيراني " عباس كياروستامي " الحياة أقوى من الأفلام ومن أي خيال لأي مبدع كان . في أفلامه يقدم طبقات متعددة مثل الحياة الإيرانية التي لا تكشف عن نفسها بسهولة . والحلم عنده هو رد فعل لحياة مؤلمة ، مقتنع تماما بأن كل التغيرات تحدث نتيجة لأحلام البشر . هذا ماكتبته منذ أكثر من خمسة عشر عاما عنه مع بدايات اتجاهي للنقد، وأثناء بحثي عن معلومات عن فيلم اليوم صادفني مقال هام للناقد اللبناني الكبير ابراهيم العريس ومنه هذه المقتطفات : (لولا ثلاثية عباس كياروستامي المؤلفة من أفلامه «أين منزل الصديق؟»، «الحياة مستمرة»، و«عبر أشجار الزيتون»، هل كان يمكن لذلك الزلزال المرعب أن يبقى في ذاكرة الناس الذين لم يعيشوا ذلك الزلزال حقًّا؟ ها هو نبأ رحيله يصل في وقت كنا نتساءل عمّا سيكون مشروعه المقبل؟ سينمائيّ، أوبراليّ، فوتوغرافيّ، أدبيّ…؟ فكياروستامي خاض كل هذه الأنواع وغيرها، مجتمعة أو متفرقة، في داخل إيران وخارجها، وخصوصًا بالنسبة إلى الأنواع غير السينمائية، خارجها. ويضيف العريس أنه حين سأل عما يمكن أن يقدمه خارج إيران أجاب مبتسمًا: " أنتم لو انتزعتم شجرة من أرضها وزرعتموها في أرض أخرى، قد تواصلون الحصول على ثمارها، لكنها لن تكون طيبة المذاق كما كانت حالها في أرضها القديمة ". 
ولكنني وجدت أن فيلمه " مثل شخص مغرم" ينتمي تماما لسينما كياروستامي التي يمكن وصفها بأنها السهل الممتنع، مشاهدة طويله وحواراتها طويلة، حركة كاميرا ثابتة، وجولات بالسيارة . الفيلم مكون فقط من وحدات مشهدية أقل من عشرة مشاهد، فمن مقهى بالعاصمة قدمت فيه الشخصية الرئيس وتعرفنا على ما يضغط عليها من خطيبها، رئيسها في العمل وجدتها، ثم مشهد طويل آخر في السيارة حيث أسمعنا المخرج مكالمات الجدة التي تركتها كرسائل صوتية على محمول الفتاة، ثم منزل البطل العجوز المغرم، أستاذ علم الاجتماع الذي جاوز الثمانين من العمر ويستقبل الفتاة في جو رومانسي، ثقافة اليابان وخصوصية فنها مطروحة في الحوار من خلال اللوحة لفتاة تعلم الببغاء، كياروستامي بعيدا عن رقابة بلده لا يقدم سوى مشهد شديد الجمال، وحوار مع الفتاة التي تعمل عاهرة لتنفق على تعليمها، يكشف عن طفولتها ومدى براءتها وعن ميلها لتصديق كل ما يقال، صباح يأتي  فنجدها نائمة في السيارة يقودها المسن مبتسما في سعادة، المشهد الثالث في السيارة ومن خلالها نلمح مشاجرة لا نسمع صوتها بين الفتاة وخطيبها، تدخل الفتاة الجامعة حيث ستمتحن ويأتي الشاب ويتطفل على المسن ويجري حوار مطول آخر يكشف عن مأساة الشاب وينذر بعاصفة ستحدث للفتاة التي تعود فتفاجأ بالشاب. سيبقى المشهد الأكثر تأثيرا علينا كمشاهدين، ومنه إلى مشهد بمنزل المسن مرة أخرى ، حيث تتعقد الأمور وتنجلي كثير من الحقائق التي حاولت الفتاة والمسن الالتفاف حولها. يابان كياروستامي ليست الكوكب المثالي كما نطلق عليه نحن المصريون في دعابة معتقدين بتقدمه وبسعادة أهله، يكشف كياروستامي عن تعليم مهترئ ، وطبقية شديدة، وحشرية من جارة غير متزوجة تتلصص على المسن. نال الإيراني وسام الامبراطور الياباني عن عمله الذي قدم اليابان المعاصرة بالبشر العاديين فيه، بحلوهم ومرهم، اليابان التي يقبل شبابها على العمل الحر وينبذون المهن التقليدية، اليابان حيث فقراء بعيدين عن العاصمة تضطر بناتهم للعمل في الدعارة للإنفاق على تعليمهم. كيف استطاع مخرج عاش وعمل في إيران أن يحقق فيلما كهذا وأن يقود ممثليه ويجعلنا نشعر بما يدور في رؤوسهم من أفكار. إنه الشجرة الباسقة التي تطرح ثمارها في أي أرض تكون. 

وهو نفس النجاح الذي حدث مع فيلمه الذي صوره في إيطاليا مع الممثلة الفرنسية جولييت بينوش ويصف العريس تجربة عرضه بمهرجان كان، "عرف ضيوف العروض بمهرجان كان كيف ينعمون لساعات ولو قليلة بلحظة سعادة شاعرية، ربما أنستهم، ولو مدة يسيرة، بؤس العالم وعنفه، وضراوة الوجود التي عبّر عنها معظم ما عرض من أفلام داخل المسابقة وخارجها. هذه اللحظة السعيدة سينمائيًّا على الأقل أمّنها عباس كياروستامي في فيلمه الجديد المتباري يومها، في التظاهرة الأساس "نسخة طبق الأصل". وهو الفيلم الثاني ضمن أعماله التي قدمها خارج إيران قدمه في إيطاليا مع جوليت بينوش بعد فيلمه الأول الإفريقي التسجيلي عن الأوبئة في القارة البائسة، والأخير فيلم "مثل شخص مغرم" 2012 باليابان، الذي اقترب في أذهان بعض المشاهدين مع رواية ماركيز " ذكريات غانياتي الحزينات"، وافترض الناقد محمود قاسم أنها تعود إلى قصة يابانية " الجميلات النائمات" للكاتب الياباني كاوباتا، واعتمادا على عناوين الفيلم فقد كتبه وأخرجه كياروستامي وأعطاه عنوان واحدة من أشهر أغنيات الغرام الإنكليزية في الستينيات "مثل شخص مغرم" وهي الأغنية التي أدارها الأستاذ المسن في منزله وهو يعد عشاء رومانسيا للفتاة أكيكو ابنة صيا السمك الفقير التي تعمل في مهنة كامتداد لفتيات الجيشا لتنفق على تعليمها. دعي كياروستامي لتحقيق فيلم باليابان، فالفيلم إنتاج ياباني وأبطاله يابانيون، وجغرافيته ولغته وكل ما فيه ياباني، ومع هذا هو أولًا وأخيرًا فيلم لعباس كياروستامي، يحمل ثيماته الأثيرة، وكذلك إيقاعه المعهود، ويخلو كالعادة لديه من أحداث. ظلت عناصر سينماه في إيران وخارجها كما هي مع الحوارات الطويلة واللقطات الثابتة، والجولة بالسيارة. كما  الطفل في " البحث عن صديقي "، وكما المرأة في فيلم " عشرة" وكما الفتاة والمسن في " مثل شخص مغرم " تنويعات على لحن واحد يرسم ملامح البشر ويصور معاناتهم، سواء كانوا مواطنيه أو من جنسيات أخرى ولهذا يستقبله الجميع وتصلهم رسائله.

عباس كياروستامي الذي يرسم الواقع عوضا عن تصويره ولد في طهران في 22 يونيو 1940، أظهر موهبة مبكرة في الرسم ، وحصل على منحة دراسية وهو في الثامنة عشر من عمره , ترك منزله منذ عام 1960 لمدة ثماني سنوات ، وبينما كان يعمل موظفا في قسم البوليس كان يدرس الفنون الجميلة وقام بتصميم عناوين الأفلام الروائية . في عام 1969 التحق بمؤسسة التنمية الذهنية للطفولة والشباب ، وأسس فيها قسما للسينما ، وهي المؤسسة التي أصبحت الأكثر أهمية وزامله فيها عدد كبير من السينمائيين ومنهم جعفر بناهي وآخرين . وفي عام 1970 بدأ أول أفلامه القصيرة ، ومادته المفضلة الأطفال حتى عام 1991 . تبلغ أعماله ثلاثين عملا ثلاثة منها كتابة سيناريوهات لمخرجين زملاء وعدد 27 فيلما ما بين قصير وطويل وغالبيتها من تأليفه . يقدم كياروستامي دراسة دقيقة عن تحولات المجتمع الإيراني وهو لا يصور الواقع ولكنه يرسمه . بوجهة نظر تجعلنا نكتشف الحيوات الكامنة تحت سطح الواقع . وهو في مزجه بين المتخيل والواقعي لا يهدف فقط لتصويره كما هو بل يتجاوز السطح ليكشف عن حقيقة الشخصية الإيرانية الخجولة والحالمة دائما بتجاوز الواقع بما فيه من سيطرة الأموات على حياة الأحياء . تجاوز الواقع من نافذة الحلم التي يفتحها بتؤدة كياروستامي في أفلامه التي تحمل نكهة الأعمال الكبيرة التي يتفق كثير من النقاد على التقاط مغزاها . وهو كفنان مجدد وخلاق سيجعلنا نتذكر دائما أنه ليس المهم أن نرى ولكن كيف نرى. كياروستامي يفضل العمل في المواقع الطبيعية ومع ممثلين غير محترفين .اشتهرت أعماله بنزعتها التشيكوفية والشعرية . أصبح عضوا في لجان تحكيم عدد من المهرجانات الدولية لوكارنو1990 ، كان 1993 ، فينيسيا وسان سباستيان 1996. كما رأس لجنة تحكيم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 25 عام 2001. عام 1997 حصل على السعفة الذهبية من مهرجان كان عن فيلمه " طعم الكرز " وفي فينسيا حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلمه " الريح ستحملنا ، 1997 وفي ديسمبر من نفس العام تسلم ميدالية فيلليني من اليونسكو. نال أرفع وسام باليابان وكرم في مهرجان كان بعد وفاته 2016.
شكر خاص للناقدالكبير ابراهيم العريس لاستفادتي من دراسته عن كياروستامي بعد وفاته. 

السبت، 8 يوليو، 2017

ملف صناعة السينما في مصر بعدد 11 من الفيلم



ملف صناعة السينما في مصر
افتتاحية ملف العدد 11 من الفيلم
ارتبطت السينما المصرية في الوعي الجمعي لشبابنا بوصف الأزمة، وعلى مدى سنوات طرحت ونوقشت وظهر الخلاف ليس حول وجود الأزمة بل عن أسبابها وصيرورتها، وهنا في ملف العدد الحادي عشر "صناعة السينما المصرية" ، يتساءل ضياء حسني " أزمة صناعة أم أزمة مجتمع؟" مستعرضا البدايات وصولا إلى ما انتهت إليه هنا والآن، بأسلوب آخر تقف أماني صالح عند محطات على طريق الريادة  وترصد تعثرات مطبات الشيخوخة، قراءة أخرى للتاريخ ومن زاوية مختلفة يصحبنا فيها حسام حافظ مع الفيلم الغنائي ورحلته من أنشودة الفؤاد إلى مولد يا دنيا، بينما فضل مصطفى بيومي التركيز على رائدة من الرواد آسيا ووصفها بأنها صانعة البهجة، تعدد زوايا تناول الماضي لم ينسينا الحاضر عبر المؤسسات التي تشكل أعمدة السينما المصرية فيجري إسلام أنور حوارا مشاكسا مع مسئول بغرفة صناعة السينما، وتكتب أمنية عادل عن المركز القومي للسينما وأنه لم يعد كيانا يصنع السينما بل أصبح عمالة زائدة وإنتاج قليل . وماذا عن حال مصنع الأجيال القادمة المعهد العالي للسينما، في بحثه يستعرض د. نادر الرفاعي جانبا من أحواله بين البحث العلمي والدراسة الأكاديمية، فيما يمثل مقدمة فقط للدخول إلى حقل تعليم السينما في مصر والذي يستحق عددا خاصا للوقوف على ملامحه وبين إيجابياته وسلبياته. بالطبع لا يمكن أن ينتهي ملف صناعة السينما دون تناول الصرح الكبير ستديو مصر ليس كما أنشأه طلعت حرب ولكن بمعرفة جانبا مما عليه الآن وذلك من حوار عزة ابراهيم مع المنتجة منى أسعد عضو مجلس الإدارة وحديثها الصادق عن الوضع الحالي. ناصيبان الاستديو المنسي أيضا يشير محمد حافظ  إلى أهميته التي سقطت من الذاكرة.
من التاريخ ننطلق فورا إلى تجربة شاب من أحدث أجيال صناع السينما المستقلة المخرج محمد رشاد الذي اختار أن يكون فيلمه صوتا للمهمشين تحاوره وفاء السعيد ونتعرف على أحلامه وطموحات جيله. في مصر حيث مازال حديث الوصاية ساريا لابد من التوقف عند الرقابة ترصد بسنت الخطيب مطاردتها للإبداع وكيف كانت أحد أسباب تدهور السينما المصرية، صرخة أخرى عن تناقص دور العرض فيتساءل مينا عادل" فين السيما اللي كانت هنا" وصرخة أخرى عن التراث وكونه في خطر كبير حيث يكتشف محمد حافظ كثيرا من الحقائق عن كارثة ضياع تراث السينما المصرية الذي يتكالب عليه الطامعون. تتساءل عزة خليل عن أسباب شحوبها في دائرة السينما العالمية مقارنة ببلدان تشبهنا؟ ، وأسئلة تتعلق بالمرأة المصرية وكيف احتلت عجلة القيادة رغم صورة نمطية لها مع أمنية عادل ، فهل غطينا جوانب السينما المصرية عبر هذه المقالات؟ بالطبع ليس ما ستجدونه هنا إلا قطرة من بحر السينما المصرية، الصناعة الوحيدة في المنطقة العربية مهما حدث لها من تدهور وعثرات. السينما اللبنانية، كصناعة وليدة تتوقف عندها ناهد نصر فتكشف عن بقعة ضوء تنير لرودها، وتنقلنا أمل ممدوح مع فيلليني وكيف تصنع فيلما على طريقته في باب عرض الكتب الذي نسعى لتثبيته بالفيلم،إلى جانب باب نادي السينما والمهرجانات فيه تقدم سارة محمد قراءة في الدورة الأولى لأيام القاهرة السينمائية، ونقدا لفيلم فرانتز. كبير السينما المصرية يوسف شاهين يكتب عنه مالك خوري من زاوية التجربة الشاهينية فى الاشتباك الحي مع هوليوود فى الناصر صلاح الدين، كملحمة تاريخية  معادية للاستعمار.  وهكذا لم نتمكن من الاكتفاء بملفات السينما المصرية، تاريخها ومؤسساتها ومشاكلها بل توقفنا عند رموز ساهموا في بناء قواعدها، في شهادتها عن المونتاج ونجومه تكشف صفاء عن جانب من خصوصية صناعة السينما،  ويتضح التطور مع دراسة هامة عن الانتقال من خام الفيلم إلى التصوير الرقمى وحوار بين مدير التصوير الكبير فيتوريو ستورارو والمخرج المؤلف وودى آلان، ترجمة محمد طارق. الفوتوغرافيا لها نصيب في العدد مع الرسام مان راي وفلسفته يقربها لنا أحمد السروجي، بينما يقربنا خالد عبد العزيز من جماليات الصورة في عدد من أفلامنا المصرية .
 حسن شعراوي بلقائه مع بهنا يصحح تاريخ البدايات فيما يبدو أنه جهد لا ينتهي من اجتهادات كتابة تاريخ السينما المصرية متواصل دوما. صناعة السينما المصرية تستحق كشفا متواصلا وإضاءة مستمرة على رموزها، وعد نقطعه على أنفسنا لنواصل التنقيب عن ثروتنا دون الاكتفاء بالندب على ضياعها.   

صفاء الليثي
مستشار التحرير 

      

السبت، 1 يوليو، 2017

مخرج ومونتير



هل نقول مخرج ومولف؟
                              سيرجي ايزنشتين والتوليف الخلاق  
منذ تأسست السينما في مصر ومنذ إرسال البعثات لتعلم صناعة السينما وخاصة فنون المونتاج السينمائي ارتبط كل مخرج بمونتير عمل معه كل أفلامه، مونتير يرتاح معه ويتفاهمان ويتحمل جنونه ، توأما روحيا يمتص غضبه وينفذ بلمساته مشاهد الفيلم في إيقاعها النهائي، مصححا لأخطاء العمل ومبرزا أجمل ما يمكن الوصول إليه من المادة المصورة. يوسف شاهين معه شوشو، شادي عبد السلام وتلاميذه مع كمال أبو العلا ورحمة منتصر،عاطف الطيب ومحمد خان معهما نادية شكري، محمد راضي معه أحمد متولي،  مخرجين ثابتين مع عادل منير أهمهم سعد عرفة ومن بعده شريف عرفة، سمير سيف مع سلوى بكير، ومعها إيناس الدغيدي أيضا ، حيث فضل أصحاب مدرسة حسن الإمام الفنية بتنويعاتها سمير سيف وإيناس الدغيدي الدغيدي فضلوا المونتيرة سلوى بكير خريجة دفعة 1970 تلميذة ومساعدة سعيد الشيخ .
في الأغلب الأعم يكون المخرج مع المونتير ثنائيا فنيا يشبه البعض العلاقة بعلاقة رفق، ويشبهها آخرون بأنها علاقة بين مريض مهووس بمادته المصورة وبين الطبيب النفسي الذي يعالج علاقة الهوس هذه فيستبقي ما يكون في صالح العمل ويحذف كل ما يعيق سرده أو يشوش على رسالته.
ستديو الأهرام من الاستديوهات المتكاملة لصناعة السينما المصرية حيث يضم بلاتوه التصوير، وورش نجارة ومخازن ديكورات وبوفيه يخدم على العاملين، معمل تحميض، قسم مونتاج بوزيتيف ونيجاتيف، مركزا للصوت ومعمل للتحميض والطبع. وبالطبع إدارة تنظم العمل في كل هذه الأقسام ، كما ضم أيضا مركز الأفلام التسجيلية الذى تغير إلى المركز القومي للسينما ومازالت الإدارة العامة للإنتاج تشغل هذا المكان حتى الآن. 
                         المونتير الكبير أحمد متولي على منضدة التقطيع
قبل تخرجي من المعهد العالي للسينما وبمجرد علم أصدقاء أخي – من الفنانين والمثقفين – أنني أدرس المونتاج كانوا ينصحونني بالتدرب مع المونتير أحمد متولي. مثقفا ثوريا يتمتع بسمعة طيبة بالتميز في مجاله. حجرات المونتاج باستديو الأهرام كانت تشغل صفا بين حجرة للمعدات في مواجهة مركز الصوت. لكل مونتير حجرة للتقطيع بها منضدة التزامن ودواليب وأرفف لحفظ الأفلام، فهذه حجرة أحمد متولي ومساعدته نفيسة نصر، تجاور حجرة رشيدة عبد السلام – شوشو- ومساعدها محمد الزرقا، ثم المونتير عبد العزيز فخري ومساعده محمد الطباخ، ثم فكري رستم ومساعده طلعت فيظي. حجرة رشيدة تفتح على حجرة أصغر موضوع بها الموفيولا، جهاز المونتاج التقليدي للفيلم 35 مللي، وحجرات أخرى منفصلة موضوع بها موفيولات يعمل عليها الآخرون. هناك قسم لمونتاج النيجاتيف به ثلاث حجرات كبيرات لمونتيرة النيجاتيف القديرة – والأشهر في الستينيات والسبعينيات – مارسيل صالح، وحجرة أخرى لمونتيرة النيجاتيف ليلى فهمي وزوجها عادل شكري ، والثالثة كانت للسيدة زوجة حسين عفيفي مونتير البوزيتيف الذي كان يعمل في استديو نحاس.

استديو متكامل حيث يتم التصوير وتحمض العلب فورا في المعمل ليتسلمها مساعد المونتير فيعمل على ترتيبها طبقا لتقرير التصوير وجمعها في لفات وإجراء عملية التزامن مع شريط  الصوت الذى تم نقله من شريط التصوير ربع بوصة إلى شريط مغناطيسي 35 مللي، في فصول ليعمل عليها المونتير على موفيولا منفردا أو بوجود المخرج حسب أسلوب العمل الذي يفضله المخرج. مخرجي الثمانينيات لا يغادرن مقعدهن بجوار المونتير يكاد الواحد منهم يتمنى لو استطاع أن يمسك بذراع التشغيل مع المونتير ويحدد معه لحظة القطع المناسبة. أما جيل الكبار كمال الشيخ حسن الإمام، صلاح أبوسيف، وتوفيق صالح فيتركان الفيلم مع المونتير ويحضرون فقط للمشاهدة بعد إنجاز العمل قبل إجراء المونتاج النهائي وقبل المكساج.
محمد راضى مع نفيسة نصر أولا ثم مع أحمد متولي، متفرغ تماما للمونتاج، يكاد فيلمه يعاد إخراجه ثانية على الموفيولا، حسين كمال مع شوشو يلازمها أيضا خلافا لعملها مع الإمام أو كمال الشيخ، تحضر شوشو الى الاستديو في الصباح الباكر، تمر عليها مارسيل صالح يتجاذبان أطراف الحديث على الرصيف المواجه للحجرات قبل أن تعمل الورشة التي لا تتوقف،  يجهز المساعد الفصل الذي سيمنتج، بالقلم الشمع تضع علاماتها، يقوم بتنفيذ العلامات والقطع بآلته، سريعا يلف الديشيه، ويضعه في علب خاصة بذلك. كما الفرن البلدي يمكن لأرغفة الفيلم أن تصور يحمض النيجاتيف، تطبع نسخة بوزيتيف، ثم تجري جملية تزامن مع الصوت، يتم المونتاج وتمنتج ثم يحفظ حتى العلبة الأخرى، الفيلم يقسم إلى لفات تصل حوالي عشر دقائق قبل أن يتطمئن المونتير ومخرجه على الإيقاع النهائي بعد قياس الموسيقى وتركيبها وتركيب الأصوات الأخرى من مؤثرات حية  فتبدأ مونتير النيجاتيف عملها بعد أن تتم عملية مزج شرائط الصوت في قسم الصوت.
(عندما تذكر كلمة مونتير لاتعني فقط الشخص الذي يعمل في حجرة المونتاج، فقد يكون المؤلف أو المخرج أو المونتير هو صاحب القرار النهائي للقطع والتوليف) كارل رايس كتاب فن المونتاج السينمائي.

يتم تصوير الفيلم في حوالي أربعة أسابيع، ولكن المونتاج وعمليات ما بعد التصوير الأخرى حتى طبع النسخة النهائية الصالحة للعرض يستغرق في المتوسط أربعة أشهر، البعض يكتفي بشهرين وأعمال أخرى تصل إلى ستة أشهر. حسب تردد المخرج، وحسب توفير الإنتاج لما يحتاجه الفيلم ليكتمل، البعض يعمل بأسلوب الطابونة (يلا الفيلم نازل على العيد ولازم نخلص) والبعض الآخر يأخذ وقته فيدقق ويراجع ويعرض نسخة عمل على مهتمين، ويراجع مرات ومرات، لا يدفع بالفيلم إلى الطبع إلا بعد الاطمئنان الكامل والرضا على المستوى العام للفيلم، المخرج محمد راضي له كلمة شهيرة ( الفيلم بيفلت من إيدي) يقولها وهو في حالة من الخوف أن يتعجل فيندم على أمر كان يمكنه تداركه.
ليلى فهمي على تربيزة النيجاتيف 

استديو نحاس كان أصغر والمعمل بجواره وليس جزءا منه، في مبناه القديم على طراز الفيلات القديمة كانت حجرات المونتاج في الدور الأول للمونتير الكبير سعيد الشيخ، بجواره المونتير صلاح عبد الرازق، سلوى بكير مساعدة للشيخ وعنايات السايس مساعدة لعبد الرازق. كل له منتجون يرتاحون إليه، ومخرجون لا يعملون إلا معهم. اتجاهان كبيران في السينما يحددها أسلوب الإنتاج والإخراج وسطوة النجمات اللاتي تحضر بعضهن عملية المونتاج وتكون لها رأي في عمل المونتير. سعيد الشيخ الأخ الأصغر للمخرج كمال الشيخ الذى كان مونتيرا، لا يقبل الشيخ تدخل النجوم في عمله، وهو وإن كان من أصحاب الخبرة إلا أن أستاذيته خرجت ودرست لأجيال من مونتيري مصر الأكاديميين وأولهم أحمد متولي وعادل منير الذي كانت حجرته في الطابق الثاني من ستديو نحاس وبجواره المونتيرة نادية شكري. تدربت في حجرة سعيد الشيخ أستاذي بالمعهد العالي للسينما في فترة شهدت إنتاجا كبيرا، كان سعيد الشيخ يعمل في ستة أفلام في وقت واحد، دواليب الأفلام كانت تشغل ممرا طويلا يربط حجرات المونتاج معا، فيلم لأشرف فهمي، وآخر لسعيد مرزوق، وثالث لعلي بدرخان، كانت النجمة سعاد حسني تثق بلمسته وحين أصرت أن يقوم بمونتاج فيلمها "أميرة حبي أنا" رغم أن الإمام لم يكن يعمل مع الشيخ، عملا معا واكتشف سعيد الشيخ خللا في تسجيل الأغاني فرفض أن يقوم بمونتاجها فقام به صلاح عبد الرازق ومساعدته عنايات، شهدت هذه التجربة الفريدة أثناء تدربي قبل التخرج.  وكنت أحضر – كما من تربوا بالريف – باكرا عن موعدي فالتقيت بمحمد راضي وتعارفنا لأنه كان يحضر باكرا أيضا. حين مرض عادل منير وكان يقوم بعمل مونتاج أبناء الصمت حضر أحمد متولي لاستكمال الفيلم، ناداني محمد راضي ( اطلعي يا صفاء) وانضممت لفريق مونتاج الفصل الأخير من أبناء الصمت مع نفيسة مصر مركبة الفيلم القديرة وواصلنا الليل بالنهار، كان العمل يجري على قدم وساق لأن موعد العرض محجوز في عيد تزامن مع السادس من أكتوبر ذكرى الانتصار. الفصل الأخير من الفيلم كان فيلما تسجيليا يكاد يكون متكاملا ومنفصلا عن الفصول الدرامية للفيلم كله الذي قام عادل منير بعمل المونتاج لها دون أن يتمكن من تركيب الموسيقى، حضر بليغ حمدي، قصيرا بالبالطو وضع يده على كتف أحمد متولي مطمئنا لوجوده لإنهاء العمل. البحث في الديشيهات كان مهمتي وكنت أقوم بها بشغف شديد، طالبة تدرس المونتاج شهدت كيف يتم بناء فيلم في المونتاج بروح ثورية وبفريق عمل يستميت ليخرج العمل في موعده بأرفع مستوى ممكن.
محمد راضي خريج الدفعة الثانية من معهد السينما، قدم أول أفلامه الحاجز 1964، وآخرها حائط البطولات 2005 مع المونتير طلعت فيظي، جل أفلامه مع المونتير أحمد متولي خريج دفعته، وحين اختلفا وأسند فيلمه " أبناء الصمت " لعادل منير- زميل الدفعة أيضا-  شاءت الظروف أن يكمله أحمد متولي. شرفت بمونتاج فيلم واحد معه " الحجر الداير " حين انشغل أحمد متولي مع عاطف الطيب الذي أسند إليه " ناجي العلي" واستمر معه حتى آخر أفلامه.  الخلاصة أنه مع استثناءات قليلة يكون المخرج مع مونتير تؤأما فنيا يبدعان معا فيلما متكاملا.
لم أعمل مع نادية شكري، فقط تدربت مع الثلاثة الشيخ ومتولي ومنير، ولكن شكري كانت تشدني بشخصيتها المرحة، كنت أسمع دعابات متبادلة بينها وبين حسن الإمام، تكون خارجة أحيانا فأخجل منهما. شاءت الظروف أن أقترب منها حين تم التفكير في تجميع المونتاج في بداية الثمانينيات فيما سمي مجمع المونتاج الذي أسس على طابقين، كل مونتير له حجرة تقطيع مفتوحة على حجرة موفيولا. بمجمع المونتاج كانت حجرات حسين عفيفي، أحمد متولي، صلاح عبد الرازق، صلاح خليل في الطابق الأرضي بجوار حجرة مخصصة لجريدة مصر السينمائية، وفي الأعلى عادل منير، نادية شكري، سعيد الشيخ، سلوى بكير. شهد المجمع صحوة أفلام الثمانينيات كل مخرج مع مونتيره المفضل وظل الحال منتعشا حتى منتصف التسعينيات مع وصول السينما المصرية لما سمي " أزمة السينما المصرية" بتراجع الإنتاج كما وكيفا وانتشار أفلام المقاولات، كان العالم يتغير والموفيولا أصبحت معدة قديمة وفكرت شركة الاستديوهات في التحول إلى مونتاج الأفيد ومن بعده الديجتال، رفض قدامى المونتيرين ومعهم مهندسي الصوت ، هاجوا وماجوا، فانفردت بالتحديث شركة خاصة سميت بالإكسير، بدأ الخريجين الجدد والخريجات في العمل على أجهزة المونتاج الحديثة، وكان من أوائل الأفلام فيلم هيستريا للمخرج عادل أديب مع المونتيرة منى ربيع، وحين لم ينجح الفيلم تجاريا انتشرت آراء أن المونتاج الحديث هو السبب، كتبت مقالا عن هذا الأمر، مقالا دفاعيا عن فن المونتاج وعن أساليبه الجديدة، عنونته " المونتير ليس حاويا والمونتاج يبدأ من السيناريو" وهي القاعدة الأولى التي نتعلمها في معهد السينما، على يد سعيد الشيخ وكمال أبو العلا، وأيدها من بعدهما عادل منير وأحمد متولي. (يقول نجيب محفوظ عندما أكتب الروايات فإنني أؤلف، وعندما أكتب السيناريو فإنني أولف) مؤكدا القاعدة بأن المونتاج يبدأ من السيناريو
 المونتيرة الكبيرة نادية شكري سيدة الصحبة 
تم تكهين الموفيولا ومعها كل المعدات المصاحبة والتي تعمل على نسخة عمل 35 مللي على شرائط مثقوبة وتغيرت مهمات كان يقوم بها المونتير ومساعده ، بعضها تم ترحيله إلى مهندس الصوت ، والبعض الآخر إلى مخرج دعاية، وظل فن المونتاج على أسسه الفنية، إعادة إخراج للفيلم كما قال سعيد الشيخ" المونتير مخرج تاني للفيلم، المخرج يعمل على ممثلين وديكورات وسلاحه الكاميرا، والمونتير يعمل على مادة مصور وسلاحة آلة المونتاج" انتقلت مسئولية عمل المقدمات الدعائية " التريلر " من مساعد المونتير إلى مخرج دعاية ، وأسندت الشرائط المساعدة من مؤثرات إلى ما سموه مصمم الصوت، وهما مهمتان " المقدمة والمؤثرات "  كانت تمثلان تدريبا عمليا يمارس فيه المساعد خبرته قبل أن يسند إليه مسئولية مونتاج فيلم كامل مع مخرج يجد فيه صدرا حانيا متفهما لشطحاته وجنونه الفني.  
صفاء الليثي
من واقع خبرة العمل في المونتاج


نشر بالعدد 11 من مجلة الفيلم إصدار الجيزويت