الاثنين، 11 مايو 2020

سر الحلقة العاشرة في ب 100 وش والنهاية والفتوة


سر الحلقة العاشرة في أنجح مسلسلات رمضان 2020
للدراما التلفزيونية قوالب ثابتة تبدأ صياغتها بمعرفة من سيقوم ببطولتها أي أن الكتابة تصاغ وفي ذهن المؤلف قالب فني يصلح لنجم ما أو نجمة أو مجموعة أبطال سيشاركون في العمل.. هناك كوميديا التشويق " السسبنس كوميدي" في ذهني دائما أغنية التتر لعمل قديم بصوت صفاء أبو السعود " سسبنس كوميدي هيعجبكم واتفضلوا شاي، اتفضلوا شاي وهأقول باي باي .." محمد رضا وصفاء أبو السعود، فؤاد المهندس وشويكار .. هذا العام فاجأتنا المخرجة كاملة أبوذكري صاحبة ذات وسجن النساء وواحة الغروب ، وكلها مع الكاتبة مريم نعوم، فاجأتنا بعمل في قالب كوميديا التشويق بعيدا عن الأكشن والتراجيديا والميلودراما. المؤلفان عمرو الدالي وأحمد وائل لأول مرة معها هي البارعة في تسكين الممثلين كل في دور يناسبه تماما ويتألق فيه، هذه المرة لن تكون نيللي كريم " النكدية" الجادة التي تثير الدموع بل الذكية المرحة، بنت البلد القائدة التي تحرك ولاد حتتها وسيكونون مع آسر يس ابن الذوات عصابة لطيفة، سكر وعمر مصريان برع الكاتبان في رسم شخصيتهما، في الحلقة الأولى من المسلسل قدموا لنا سكر بكل تفاصيل نشأتها وما فعلته أمها بعد سجن أبوها لنكون على نور كمشاهدين ولا نتساءل ، لماذا هي هكذا، أو كيف تفعل هذا، ولقاء صدفة مع عمر الذي سيقدمانه في الحلقة الثانية ليكون بطلها وتعرفينا بكل جوانب تاريخ شخصيته ليصبح هذا النصاب الذي كان عضوا مع شلة من الأثرياء أعضاء نادي الجزيرة. لن يكتفي المؤلفان بالرسم الموفق للشخصيتين الرئيستين بل سينجحا مع كل الشخصيات إسلام ابراهيم مساعد سكر، وعلا رشدي مساعدة عمر، وعلى مدى الحلقات تظهر شخصيات وتأخذ نفس العناية تأليفا وإخراجا، يتوقف السرد ليتم استعراض سريع لكل شخصية، كفيلم وثائقي قصير يدعم توحدنا مع شخصيات العمل ونتفهم دوافعهم في اللجوء إلى النصب. ومع ظهور شريف دسوقي تتسع ابتسامتنا مع توقعات باشتعال المنافسة على لقب أفضل ممثل دور ثاني. لخصت الكتابة بتوفيق كبير مع مونتير أستاذ في الإيقاع بلقطات أوجزت فيها المخرجة ونصبح في انتظار النتائج من تفاعل هذا العدد من الشخصيات من الطبقتين . بعد أن التقطنا أنفاسنا من تلاحق الأحداث وظهور شخصيات حدث هدوء فاجأ المشاهدين ولكنه كان الهدوء ما قبل عاصفة الحلقة العاشرة التي نجحت فيها العصابة وقد أصبحت مكونة من عشرة أفراد في الاستيلاء على ملايين الثري الوحيد، اشتعل التايم لاين لمواقع التواصل الاجتماعي بفرحة وصفها البعض بفرحة جون لمحمد صلاح، نصر مبين لعصابة لطيفة على أقارب تم رسمهم بإيجاز لنكرههم بشدة، وأيضا سكنت كاملة لشخصياتهم من أجاد ونجح في جعلنا نتمنى أن تخيب مساعيهم، المخرج أسامة أبو العطا الذي يمثل أحيانا ، قريب بعيد للثري لم يعرفه إلا فقط ليرث عنه أمواله ويستولي مع عصابة أخرى على ممتلكاته.  
رغم مشكلة الثلاثين حلقة وما يعانيه إي مؤلف في ملئ هذه الساعات إلا أن فريق مسلسل " ب100 وش " بكامل طاقمه نجح في الوصول إلى نقطة فاصلة في الحلقة العشرة أي عند ثلث الحلقات تماما. 
تنوع القوالب وانتظار المفاجآت
أحد عناصر النجاح كانت إشراك المشاهدين في توقع الأحداث ليس من خلال التسريبات التي تسبق العمل أو من المقدمات ولكن من خلال زرع بعض علامات يلتقطها المشاهد ، يفرح إذا تحقق استنتاجه، ويزداد إعجابا بمخالفة توقعه كنوع من التشويق وبين هذا وذاك توقيت خدم صناع العمل مع أزمة فيروس الكورونا ورغبة الجموع في التسلية ومتابعة ما يخفف عنهم قلقهم على أحبائهم ومستقبلهم. حين تذكر كلمة قطيع يكون المعنى محملا بانتقاد أو صفات سيئة ولكن حين نقول جموع فيكون المعنى محملا بروح مرحة وإيجابية، جموع المشاهدين لمسلسل كاملة أبو ذكري توحد مع لصوص ظرفاء بذلوا الجهد ليحققوا حلم الثراء السريع وفي الذهن آخرين يثرون بالمؤامرات والإضرار بالآخرين وهو ما سنجده في مسلسل " الفتوة" وهو ثالث عمل أهتم به وصل أيضا في الحلقة العاشرة إلى نقطة تحول بمواجهة بين بطل العمل المثالي حسن فنان النحاس وبين الأشداء تزعمهم عزمي ابن الفتوة الذي يحصل بالعنف ضرائب من الفقراء ولا يقترب من الأغنياء،
 برز الصراع بمقتل من تصوروا أنه الملثم ظلما وعجزا عن مواجهة الملثم الحقيقي نصير الغلابة وأتوقع أن نشهد تحولا كبيرا في الصراع بعد أن طال انتظار احتدامه بين عناصر الخير والشر في " الفتوة" والمسلسل الثاني " النهاية" الذي وصل أيضا في حلقته العاشرة للكشف عن زين الإنسان الآلي المحمل بأسطوانة الوعي لزين المهندس المثالي ، والعملان" الفتوة" و" النهاية" في قالب فني مشوق يعتمد على قاعدة "الأيروني"، الجمهور يعلم والأبطال لا يعرفون، بينما مسلسل " ب 100 وش " في قالب أفلام الحركة التي يتوحد فيها الجمهور مع الأبطال في الكشف التدريجي عن حقائق وأحداث، ونظل معلقين في انتظار المفاجأة القادمة . مسلسل أبوذكري وفريقها يبقى محملا بفكرة وشخصيات جديدة ، في مد وجزر، جزر من التشويق ومد من المفاجآت برع في ابتكارها المؤلفان عمرو الدالي وأحمد وائل . لننتظر وسنرى.
صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 12 مايو 2020 رئيس التحرير عماد الغزالي




السبت، 9 مايو 2020

«المايسترو» لسعد القرش عدة أفلام في رواية واحدة


«المايسترو» لسعد القرش عدة أفلام في رواية واحدة
قارب وحيد في الخليج
    بعد قراءة أولى للرواية والتفكير في تحويلها إلى فيلم سينمائي أو دراما تلفزيونية.
 المدخل يبدو كمقدمة لفيلم سينمائي من كلاسيكيات «آلهة السينما» بازوليني أو فيلليني، ثم واقع لقارب وحيد في الخليج العربي يحمل أربعة من الغرباء، ثلاثة من أهل بلاد مختلفة ورابعهم من الخليج ولكن من البدون. كل يعبر عن ثقافة مختلفة، يبزّهم المصري وهو صاحب الحكاية الأطول مع حبيبته وزوجته لورا الأمريكية، المايسترو الذي تحمل الرواية لقبه.
    أتصور فيلما لا يغادر مخرجه مياه الخليج والقارب إلا ليروي في عودة للخلف حكاية الهندي أنيل مع صديقه، ورجل التبت تسو وحكاية أسطورية تخص أباه، ونواف بدون جنسية ورحلته الفنية وتجربته الجنسية الأولى، ويبقى المصري مصطفى أقربهم إلى الكاتب وقصة حب أقرب أن تكون حلم يقظة لكل مصري، أن يتنقل حرا تاركا وراءه ماضيا مخجلا، ويلتقي بحب عمره لتكتمل حياته مع الأمريكية التي نجحت في أن تظهر أجمل ما فيه، وأن تكتشف معدنه ورقي تركيبته، قدر من الشوفينية، التعصب لعرقه المصري وتاريخه القديم، الفرعوني الذي كشفته له المرأة الأجنبية.
 كما يمكن أيضا أن أتصور عملا دراميا عموده الفقري مشهد القارب وعلاقة من فيه بالخليج وبلادهم الأصلية، يتقاطع معه بالعودة إلى الخلف مع حكاية كل منهم. ولن يكون هناك توازن في الحكايات، ولهذا تحتاج الرواية مخرجا صاحب رؤية لينفض عن الرواية الحكايات التي ستكون عادية ومكررة لو التزم بنصها في الرواية، ويبقي في الأساس على موقف هذا القارب الخشبي الصغير بحمولته التي تمثل أطرافا من العالم متنوعي الثقافة والمعتقدات الدينية. هنا سيكون فيلما حداثيا جديدا وليس عملا مسليا عن العلاقة بالآخر وتعانق الثقافات. فيلم بطله القارب، يحتفي بالحياة ويقدس حكمة شعوب اختار كل منها إلها، كحقيقة واحدة لكل منها حكيم يعبر عنها.
    تبتلع حكاية مصطفى ولورا الرواية بتفاصيل غير مبهرة لي في الحقيقة، وحين تطول أجدني أفتقد القارب وساكنيه، وأتساءل ما الذي يفعلونه الآن؟ هل من حكايات جديدة لهم، أنيل وتسو ونواف أين هم من حكاية المايسترو المسيطرة زمنيا على الأقل، حكاية جماع خبرة تعلم وثقافة للكاتب شخصيا، وصدقا لا أجد فيها ما يبهر.
    قفلة الرواية ومشهد المرأة التي سقطت من اليخت نهاية جيدة، وحكايتها تدعم رسم مناخ الخليج وأهله، تدعم فيلما لا يغادر المياه إلا لماما مع تقديم وتأخير ليتوازى الحكي بين ساكني اليخت وساكني القارب في صراع يدعم أزمة أبطالنا الأربعة.
    هناك روايتان في الرواية، ما يخص الغرباء في الخليج، وما يخص مصطفى ولورا، وفصلهما ضروري لو تصورت هذا فيلما أحب أن أتابعه.
صفاء الليثي مايو 2020
( وقد نظمت وقتي مع الحجز المنزلي زمن الكورونا في رمضان الصباح للفنون المعتادة  لي والمساء مع الدراما التلفزيونية)
 

الأربعاء، 29 أبريل 2020

حنة ورد ومزج التسجيلي بالروائي


مصر والسودان في فيلم قصير
حنة ورد ومزج التسجيلي بالروائي
المشهد الأول يظهر سيدة سمراء وابنتها الطفلة في ميكروباس يصل حيث ميدان وتظهر أهرامات مصر ومنه إلى منطقة نزلة السمان في لقطة تظهر جصان والهرم والسيدة تبحث عن منزل ما. نحن إذن في مصر ومع أهم معالمها وسنعرف أن السيدة السمراء حليمة فنانة رسم نقش الحنة لديها مهمة لحنة عروس. الحنة هي ليلة تسبق الدخلة، زفاف العروس على عريسها . وفي إيقاع يقترب من الزمن الفعلي يندر وجوده في فيلم قصير تدق جرس البيت ونسمع صوت طبل وغناء ويفتح الباب على بنات ترقصن وزغاريد ، أم العروس تقدم السيدة ست حليمة، الست بتاعت الحنة. بكاميرا حرة متحركة ينقل المخرج إيقاع اليوم من استعداد العروس للزفاف متحركا في شقة وسط عشوائية مكان لم يتم تجهيزه كسكن لعروس. يستخدم مرآة في الحجرة وينوع لقطاته ويترك حرية الحديث ليبدو الحوار تلقائيا غير مكتوب بشكل مسبق في احترام لواقعية تقدم الشخصيات ببراعة كبراعة استهلال الفيلم . كل شخصيات الفيلم من النساء ، الكبيرات في المطبخ، الشابات ترقصن وطفلة وحيدة هي ورد ابنه حليمة . العروس تسألها كيف تعرفت عليها أمها فتجيب في فرح فلانة، يتأكد احتراف ست حليمة واندماجها في المجتمع المصري وتقبله بل إعجابه بفنها في نقش الحنة. الذكر الوحيد في الفيلم حسن، يقدمه المخرج كشاب شعبي يتصرف بإحساس تفوق ذكوري ويجاهر بجهله، ايه الست الإفريقية دي جاية تعمل سر!، توبخه العروس، اسكت دي سودانية وبتفهم عربي ثم تعتذر لست حليمة. 

لازدحام التفاصيل الواقعية يحق للمشاهد غير المتخصص أن يصف فيلما كهذا بالتسجيلي ، وستتضح الدراما المؤلفة في النصف الثاني من الفيلم، مع عشبة تتلهف عليها العروس أحضرتها ست حليمة، تستحم بها لتسحر عريسها وتفتنه فلا يشتهي الأجنبيات اللاتي يعمل معهن في السياحة.. يتوازى معه مشهد لأمها في جدال مع حسن الذي يريد أن يأخذ نصف النقطة، هذه التفاصيل تستوقف المشاهد وخاصة من الأجانب فهي عادات مختصة بالشعب المصري، النقطة، هدية مالية يقدمها الضيوف وترد بشكل طوعي عندما تحل مناسبة لدى مقدم الهدية. النقطة والجمعية واستعدادات العروس بإزالة الشعر وما زاد عليه بعد وصول كثير من أهل السودان والنوبة إلى القاهرة وضواحيها من تقليد نقش الحنة برسومات في كتيب مطبوع. تفاصيل واقعية كثفها المخرج في فيلم زمن عرضه 23 ق تدور أغلب مشاهده في مكان واحد مع زحام شخصيات أغلبها لم يسبق لها التمثيل باستثناء الشاب حسن الذي قام بدوره عماد غنيم ، أما حليمة فهي حنانة سودانية تعمل فعليا بهذه الحرفة والطفلة ورد هي ابنتها، اهتم المخرج بإضفاء ملامح للتعاطف معها فهي تعالج بالكيماوي  من ورم خبيث . وهي من دافعت عن أمها حين عنفها حسن واتهمها بأذية العروس.
يرصد الفيلم التعايش بين المصريين وسودانيين من خلال دراما تسجيلية  تظهر حقيقة القبول للوافد من غالبية شخصيات الفيلم والرفض من خلال شخصية وحيدة أظهرها المخرج كشخص جاهل ومستغل.
شيء إيجابي أن يجد مخرج شاب من يتحمس مشاركته إنتاج فيلمه الذي يتطرق إلى موضوع معاصر وحساس في علاقتنا مع الوافدين بحثا عن رزق وأمان، فيشاركه الإنتاج صفي الدين محمود و شريف فتحي و معتز عبد الوهاب . شارك " حنة ورد" في " المسابقة الرسمية " لمهرجان كليرمون فيران الدولى  ومهرجان اكبنك بتركيا وحصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم ، كما شارك  في " المسابقة الدولية " لمهرجان الفيلم الافريقيى بتكساس فى أمريكا.
مراد مصطفى مخرج مصري ، ولد عام 1988 في القاهرة، درس الإخراج السينمائي في "قصر السينما" عام 2008 وفي ورش عمل أخرى مستقلة في صناعة الأفلام. يعمل في صناعة السينما منذ عشر سنوات كمساعد مخرج مع هالة خليل" في "نوارة" و شريف البنداري في "علي معزة وإبراهيم" وآخرين. وفي عام 2019 كتب وأخرج أول فيلم قصير له " حنة ورد " والذى مثل مصر بالمسابقة الرسمية بمهرجان كليرمون فيران الدولى للافلام القصيرة.
صفاء الليثي
نشر المقال بجريدة القاهرة الثلاثاء 28 أبريل 2020 رئيس التحرير عماد الغزالي




علاقة عابرة One Night Stand وفيلم تجريبي عابر للنوعية


مشاركة مصرية وفلسطينية بدأت في بيروت واكتملت بالقاهرة 
علاقة عابرة وفيلم تجريبي عابر للنوعية
يبدأ العمل بكتابة بالإنجليزية ترجمتها :" ها الفيلم مستند إلى تسجيل صوتي بموبيل، لمحادثة فعلية جرت في بار بين صانعي الفيلم وأوربي غي طريقه للحرب ضد داعش. الفيلم صور في البار وقت الحدث.
اختار مارك لطفي ونور عبد أن نسمع التسجيل على مشاهد خلقت بالرسوم المتحركة تبدو كتماثيل تحاكي شكلهما الأصلي وباقي الشخصيات، لتعبر الرسوم المخلقة عما تم فعليا، ويتقاطع معه مشاهد تمثيلية تعيد ما حدث بشكل يبدو معه وكأن هناك كاميرا خفية سجلت الواقع وقت حدوثه. هناك طرفة في الحوار المسجل وضحكات صادرة ممن شهدوا الحدث، بالإضافة إلى طرافة مشاهد التحريك وما يبدو كتمثال لمارك بضفيرته ونور بشعرها الحليق على طريقة الرجال (ألا جارسون) . هناك ما يشبه بروفة أداء لممثلين، مارك المخرج ونور المخرجة معه وعدد كبير من الشباب عربي وأجنبي يقام معهم لقاء لأداء دور جيري الشاب المتطوع لمحاربة داعش. 
سنتأكد من عددهم مع تتر في نهاية الفيلم مكتوب في لوجة واحدة أسماء من قاموا بدور جيري. إذن هناك من يحضرون لعمل فيلم يقاطعهم جيري الذي يريد محاربة داعش من خلال محادثة فعلية تمت وسجلت على موبيل نور وتخيل ما جرى على شكل مشاهد بالرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد. شريط الصوت استحضر العالم الخارجي داخل هذا المقهى الذي يجري فيه فريق عمل الفيلم داخل الفيلم بإجراء مقابلات تسكين ممثلين في أدوارهم وتدريبهم على الأداء. لا يكتفي مارك ونور من إسماعنا الحوار المسجل بل يكتبانه على الشريط ليتأكدا من وصول تفاصيله إلينا وبهذا نجحا في جعلنا نتعايش مع الموقف الذي حدث لهما صدفة بمقاطعة جيري لهما وإدهاشنا مثلما أدهشهمها مصارحة أشخاص تلتقيهم للمرة الأولى بأمر خطير مثل محاربة داعش مما يجعل الأمر وكأنها لعبة تنطوي على قدر من المخاطرة دون حساب النتائج. 
 
القيمة التشكيلية عالية في العمل ، طرافة توظيف التحريك للتعبير عن الواقع مع التصوير اللايف الفعلي في كادرات بتكوينات تبدو كلوحة مرسومة أحدها وضع في إطار صورة وكأن ما يصلنا من انفعال بصورة الفيلم سبقنا إليه صناعه في الموقع ( مدير التصوير مازن هاشم، والمصور بلال موسوي ، فني الإضاءة عباس الطيب، والإخراج الفني داليا يس ومهندس صوت المكان رمزي ماضي) بالإضافة إإلى صناع ما بعد التصوير، في المونتاج مايكل أبو زخم، وتحريك محمد السعدني وتصميم شريط الصوت والمكساج مايكل فوزي، وتلوين مينا نبيل . شريك الإنتاج حيدر شاهين والمخرجة ندى عبد والمخرج مارك لطفي.
من الأسماء يمكن استنتاج أن التصوير تم في لبنان بيروت، وأن ما بعده تم في الاسكندرية بمصر.
فيلم تجريبي يشجع على برمجة قسم بالمهرجانات لهذا النوع المختلف مع غيره من أفلام تمزج اللايف بالتسجيلي بفنون التحريك، الصوت المسجل قبل التصوير يمثل وثيقة حقيقية لحوار المخرج مع أجنبي يريد التطوع لمحاربة داعش، مع الفكرة الإبداعية للتصوير اللاحق لإعادة الحدث مع التعبير بالتحريك.
فيلم علاقة عابرة ( one night stand ) عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان جيلافا بالتشييك وهو أفضل مهرجان للوثائقي بأوروبا الوسطي والشرقية، و يتميز هذا المهرجان برفضه التصنيف الطولي للأفلام لذا عرض الفيلم  في مسابقة واحدة مع ثمانية أفلام طويلة أوروبية كما عرض الفيلم بالمسابقة الرسمية في مهرجان قابس قسم سينما فن.  
الفيلم في 24 ق من اخراج مارك لطفي و نور عبد ، تم بدعم من مؤسسة أشكال ألوان للفنون. وهي المؤسسة التي درس فيها المخرجين مارك لطفي ونور عبد الفنون في برنامج homeworks في بيروت. كما تم دعمه من مؤسسة مفردات و جاليري ميما للفنون في لندن MIMA London.
المخرج السكندري المصري  مارك لطفى أسس مع رفاقه عام 2005 شركة الإنتاج " ستوديوهات فيج ليف "، وأنتج وأخرج أفلاماً عرضت وفازت في مسابقات رسمية بالمهرجانات المصريّة و العالميّة.
وتكشف أعمال مارك الفنية عن الحدود بين السرد الخيالي والفيلم التسجيلي، وفن وسائل الميديا الجديدة، وتتساءل عن اليومي والعابر والافتراضي.
وككاتب، شارك في تأليف كتاب "الثورة في عَصر وسائل التواصل الاجتماعي" إلى جانب أوراق بحثية ومقالات منشورة.
نور عبد الفنانة الفلسطينية و المخرجة المشاركة في العمل، نور عبد (مواليد القدس، ١٩٨٨) تركز في أعمالها على التقاطع بين فن الأداء و السينما. شاركت نور في برنامج الدراسة المستقل لمتحف ويتني في نيويورك ٢٠١٦، وهي حاصلة على شهادة الماجستير من معهد كاليفورنيا للفنون، وعلى درجة البكالوريوس من الأكاديمية الدولية للفنون - فلسطين .  
أنتج الفيلم عام 2019 بدعم من أشكال علوان، المؤسسة اللبنانية لفنون البلاستيك، ومعهد الفن الحديث بلندن، ومفردات.
صفاء الليثي
نشر بموقع سيماتيك تحرير الناقد البحريني حسن حداد في باب خاص لسيماتيك











الأربعاء، 22 أبريل 2020

الشعور بالكمال Perfect Sense وفقدان الحواس

الشعور بالكمال وفقدان الحواس
علينا أن نسعد بالحياة ونستعد لما هو أسوأ 
في ساعة ونصف قدم المخرج الانجليزي ديفيد ماكنزي دراما رومانسية ممتزجة بخيال عملي عن ظهور وباء يسرق حواسهم تدريجيا، بداية من فقدان حاسة الشم ومن ثم التذوق، ثم حاسة السمع، ثم حاسة الكلام.
مايكل رئيس طهاة شاب وعالمة أوبئة معا في علاقة معقدة بين الحب والكره أحيانا، بين القبول والرفض وسط بدايات ظهور الوباء وتأثيره على الناس في كل الكرة الأرضية، يروى المخرج فيلمه بالتركيز على الحبيبين، في سيناريو بني بشكل متواز كتبه كيم فوبز أكيسون من الدنمرك.
 إيوان ماكجريجور في دور مايكل وهو من اسكتلندا كما المخرج، إيفا جرين فرنسية من أصل جزائري ، هكذا السينما وطنا مشتركا للمبدعين تجمع فريقا متجانسا لعمل واحد مهما كان وطن مولده. .
طبيب مستشفى البلدة تأتيه نوبة تشبه الصرع، يشتم ويردد كلمات الكره ، ايفا تنتابها حالة فزع ومايكل أيضا، شعور بالوحدة ونهم شديد لالتهام أي شيء، هلع ثم جوع حتى أنها تلتهم الورد ، وفي مشهد متتابع نشاهد حالة جماعية من الفجعة تنتاب الجميع، مشهد مخيف، جنون البقاء حتى التهام طعام نيء ، نوبة ثم يفيقون ، وينتبهون إلى فظاعة ما فعلوا، ويأتينا تعليق من خارج المشاهد كما الأفلام الوثائقية، وهكذا اختفت حاسة الشم من عالمنا، ولم يكن لديهم الوقت لإعطاء المرض اسمه. وباء منتشر غير معدي، متلازمة فقدان حاسة الشم القوية، ومع عجز البحوث الطبية والتحاليل تظهر متلازمة أخرى فقدان حالة السمع الشديدة ، تبدأ من تايلاند واستغاثة عالم من بانكوك لزملائه في أوربا أغيثونا، وصوت التعليق يخبرنا عن انتشار المرض في الهند والصين وروسيا. يزداد جنون الرعب من المرض هذه المرة، عنف وشجار وحرائق ، كراهية، وفقدان حاسة ثالثة، وغير المصابين ينتظرون دورهم. الفيلم أنتج عام 2011 قبل جائحة وباء كورونا، ليس غريبا أن تقدم السينما رؤية للمستقبل اعتمادا على معلومات علمية غير مؤكده وسنجد قدرا من الاختلاف وكثير من المشابهات مع الوباء الواقعي الحادث في عامنا 2020 ، في "الشعور بالكمال"  ورغم ذكر أن المرض غير معدي إلا أنه واسع الانتشار لأسباب غير مفهومة .الغالبية يوقنون بأنها نهاية العالم ولكن ( المزارعون يحلبون أبقارهم، والجنود يقومون بواجبهم) يخبرنا التعليق بينما نتابع حالات بطلينا من الغضب العارم إلى التماسك فتصفهم المعلقة بأنهم من يعتقدون بأن الحياة ستستمر. مظاهر مفزعة نشعر بأنها في طريق ما يحدث الآن عام 2020 من فقدان الوظائف، وإغلاق المطاعم، ونقص المؤن... ولكن صناع الفيلم اختاروا الحل السعيد ويظهرون في مشاهد متلاحقة عودة فعلية لكل شيء. وتدريجيا تستمر الحياة. ونكون قد وصلنا الى خمسين دقيقة من الفيلم، يعود فيها مايكل وايفا إلى تبادل الذكريات، يعترف كل منهما ويصف أحاسيس الحب والكراهية ورعب فقدان الحواس. ولكنهم يعودون لممارسة مهامهم وكأنهم لا يعرفون شيئا آخر يفعلونه ، وتأتي وحدة مشهدية مريحة عن عودة الحياة في مطعم مايكل، وموائد الزبائن وهم يتبادلون الحديث بلغة الإشارة التي تعلموها، الناس تستعد للأسوأ ولكنهم يتقبلون بعضهم بعضا  وهكذا تستمر الحياة.
مزج الرومانسية مع الخيال العلمي كسر نمط أفلام الكوارث الذي يسبب إزعاجا للمتلقي ويزيد خوفه من المستقبل المجهول، ولكن فيلم " الشعور بالكمال " يمنح أملا بضرورة المقاومة وعدم الاستسلام لما نفقده بل يمكننا أن نعوض ما ينقصنا ونسعد بالحياة ونكون مستعدين لما هو أسوأ.  
التصوير وكل العناصر الفنية جيدة في فيلم لا أتصور أنه عالي التكاليف، فلا مشاهد بالجرافيك ولا زحام في خطوط السرد، غالبا المشاهد تصور في مطعم مايكل وبيته، بيت إيفا ومعملها، وبعض الشوارع الهادئة في بلدة  لم يحدد المخرج موقعها وكأنه يقصد أن الأمر يمكن أن يحدث في أي مكان.
تحقق نوعية أفلام الكوارث دورا للفن يعرف بالتطهر حيث يضعنا أمام شرور أنفسنا ويظهر ما يمكن أن نبدو عليه عند شعورنا بالخطر أو عندما نفقد مزايا نمتلكها ولا نشعر عادة بقيمتها.
ملحوظة: Perfect Sense”"  فيلم من أفلام الخيال العلمي الممتزج بالرومانسية أنتج عام 2011
صفاء الليثي في العزل المنزلي احتراما لقوانين البلد ومساهمة في التقليل من مخاطر انتشار الوباء.
صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 21 ابريل 2020 رئيس التحرير عماد الغزالي






الأربعاء، 15 أبريل 2020

It Must Be Heave فيلم ينافس على جائزة النقاد العرب لأفلام 2019


فيلم ينافس على جائزة النقاد العرب لأفلام 2019  It Must Be Heaven
المتفرج الوحيد في لعبة من تأليفه
يجلس ES في منتصف الكادر تماما كمن يجلس في قاعة عرض وحيدا وقد اختار المكان الأمثل ليحكي مسرحيته ، لعبته لو اعتمدنا الترجمة الحرفية التي تناسب المعنى. مسرحية من ثلاثة فصول الأول في فلسطين والثاني في باريس والثالث في أمريكا وخاتمة عندما يعود إلى إقليمه الساكن عقله وقلبه مع أغنية جماهيرية يرقص عليها الشباب وهو المتفرج مع كأسه،  وعلى وجهه شبح ابتسامة.
لا يتكلم  طوال الفيلم إلا بجملة واحدة ردا على سائق أسود يأخذه من باريس إإلى المطار ليصل أمريكا ، من أي بلد فينطق ايليا، "من الناصرة، الناصرة في أي بلد ؟ "في فلسطين أنا فلسطيني" ، فرملة قوية وينظر السائق باندهاش أبله، فلسطيني لأول مرة أقابل شخص فلسطيني، يواصل الضحك وكأن الراكب تحدث عن هندي أحمر أو كائن من المريخ. 
لم أحضر العرض الأول للفيلم بمهرجان كان، وفاتني مشاهدته بمهرجان القاهرة، وحين وصلتني أفلام جائزة النقاد العرب وجدته واحدا منها، أغلب الأفلام الأخرى شاهدتها ، أخيرا سأشاهد فيلم مخرجي الذي أحترمه كثيرا وأضحك على الكوميديا الساخرة التي يقدمها في أفلامه، أحترم المخرج المتمسك بأن يكتب في كتالوج مهرجان كان أمام  بلده " إقليم فلسطين" وخضوع إدارة كان له وقد كان.

وصلة النت كانت بطيئة، هي بطيئة منذ وباء الكورونا فشاهدت الفيلم على مدى خمس ساعات ونصف، لم أتملل ووجدتها فرصة لتأمل الكادرات، ثباتها وتكوينها حيث يقع في المنتصف تماما، في لقطة متوسطة أو لقطة عامة ليست بعيدة جدا، ايليا سليمان في منتصف الكادر يحكي من وسط الحكاية، جحيم موطنه حيث يسميه السارق وأبيه الصياد بالجار، جحيم من بالمقهي وابتزازهم الرخيص لصاحبها. حزن الفقد ( قد تكون أمه أو أبيه) ومشهد فيه يجمع ما تبقى والكرسي المدولب يحكي الحكاية بلا ثرثرة. كان هنا مريض مسن ، ومات.
لابد أنها الجنة ، أو ليست هي الجنة؟
عدت للمشاهدة بنسخة في زمنها الحقيقي 137 ق ، نفس إحساس الإيقاع لم يختلف، ونفس الدلالات . حين يأتي الفصل الثاني ويكون اليا سليمان بمفرده أيضا على مقهى باريسي يرينا وجهة نظره في تأمل النساء الباريسيات بملابس قصيرة، جميلات نحيفات كعارضات أزياء مع التصوير بحركة بطيئة، ليست بطيئة تماما بل بتؤدة، تتمخطرن، عندها صاح عقلي (لا ابد أنها الجنة) لماذا إذن هذه الترجمة العجيبة " إن شئت كما في السماء" 
سأعرف من الصديق الناقد محمد هاشم عبد السلام أن هذه ترجمة أصر عليها المخرج  بنفسه ، إذن لنرى. في الفصل الأول نقد ذاتي للشخصية العربية الفلسطينية ، لأهل إقليمه، لص شاب، ووالده صياد عجوز خرف يجيد الحكايات الوهمية عن تحديه للأفعي وبطولاته الزائفة، يتبادل الشتائم مع ابنه السارق، سراق باللهجة الفلسطينية، صعلوك بذئ ، بوليس لاهي ، فقط متباهين بزيهم ونظارات الشمس رغم الحمام، رمز السلام في الساحة، يتبول الصعلوك، ويلقي زجاجة مياه غازية يكسرها بعنف وايليا يراقب المشهد. تتكرر أيامه على وتيرة واحدة ، تبجح من اللص، صمت منه، يتزايد تطفله ويتمادى.
مقهى به شابين عربيين يمارسان البلطجة على صاحب المقهى، يبتزانه لأنه جعل أختهما تأكل طعاما به نبيذ. جحيم حقيقي ( لا يمكن أن تكون هذه هي الجنة) رغم مشهد حقل التين الشوكي ، والمرأة بثوبها الفلسطيني المطرز وخلخالها، كنداهة تغويه وهو يلاحقها، تضع جرتها، تتركها ثم تعود وتحملها وتسير، مشهد ساحر بعيدا عن النقد الاجتماعي للمشاهد السابقة وبعيد عن الكوميديا. 

يقود سيارته في الطريق ونسمع معه " بأحلم معك" لنجاة الصغيرة" انتقاء يقدمه لأجمل الأغنيات العربية بلا تحديد عن بلد ما، غناء عراقي مصري شامي وغناء حزين لصوت إفريقية لا أميزه.
المخرج المؤلف متفرج وحيد لمشاهد ألفها، أخرجها واجترها كجمل صابر يسأل عن وطنه فلسطين، وحين ينتهي لقاؤه في التلفزيون الأمريكي ، وكان الأعلى في السخرية على مدار الفيلم ، يذهب إلى عراف يخبره نعم ستكون هناك فلسطين، يمكن أن يحدث هذا ولكن ليس في حياتي أو حياتك. يشرب مع لبناني في مقهى عرب وصوت وديع الصافي خمرة الحب اسقنيها... جدول لا ماء فيه، وجملة كما أفلامنا المصرية بواقعيتها المباشرة  وما بها خطابة عربية، "نحن في كل البلاد العربية نشرب لكي ننسى أما أنتم الفلسطينيون، تشربون لكي تتذكروا". نعم الذاكرة الفسطينية همه وشغله الشاغل في كل أفلامه، هذا المبدع الفلسطيني الذي ولد بإسرائيل. في مشهد العودة، يقدم عرضا طريفا حيث يلاعب ضابط التفتيش في المطار بعصا التفتيش وكأن لديه مجالا مغناطيسيا يجذب العصا. ويجذب المتشككين.
لا يمكن أن تكون الجنة في أي من هذه المحطات، فرنسا أو أمريكا، وها هو في ملهى ليلي  بوطنه السليب حيث يرقص شباب وفتيات على أغنية شهيرة " عربي أنا .." يعلو حماسهم وهو يراقب. اختفاء نحو السواد وكتابة على الشاشة إلى فلسطين، واسمين لصديقين وأبيه وأمه.
يمكن اعتبار أن هناك فيلم داخل فيلم، المخرج جعلنا نشاهده على الأقل في الفصل الأول ، أو في الجزء الذي صور بفلسطين، مشروع العمل ، السيناريو مقدم إلى شركة الإنتاج الفرنسية، المنتج رطن كثيرا باللغة الفرنسية وعلى وجه ايليا تعبير عدم الفهم، يتصور أن السبب اللغة فيخبره بالإنجيزية " هل فهمت ما قلت؟" نحن وهو غير محتاجان للفهم، ليس هذا فيلما عن  فلسطين كما يرغب أن يراه الآخر.
أنهيت مشاهدتي الثانية وقد عقدت العزم على منح فيلم " إن شئت كما في السماء It Must Be Heaven " أفضل فيلم عربي أنتج عام 2019 ويليه فيلم " ستموت في العشرين " العمل الأول لأمجد أبو العلاء. وتمنيت أن تكون هناك جائزتين، إحداهما للعمل الأول يحصل عليها السوداني عن جدارة.
كان من المقرر أن تعلن الجائزة في مهرجان كان مايو 2020 الذي ألغي بسبب الجائحة، ولا ضرر من الترشيح حتى لا يضيع حق المبدعين في الالتفات إلى إنجازاتهم رغم تسيد الأخبار على كل ما عاداها.
صفاء الليثي
نشر بموقع سينماتيك تحرير الناقد البحريني حسن حداد في باب خاص لسينماتيك  



الثلاثاء، 14 أبريل 2020

مطبوعات وأفلام عبر الشبكة الدولية زمن الكورونا


خليك في البيت .. اعمل وتواصل
لم تؤثر الكورونا على نشاط أمثالي ممن يمكنهم العمل من المنزل، نشاهد الفيلم على جهاز شخصي ، نتوقف للضرورة، سواء لبطء الشبكة الدولية أو لأمر شخصي ، وغالبا لاصطياد صورة لقطة أبهرتني تصويرا وتعبيرا ودلالة .
التغير الحاصل الآن لم يأتي فجأة، عدم اللقاءات والسلامات، الوصول لقاعة عرض سينما أو لمكتب عمل ، هذه الحركة الفعلية في زحام عاصمة مصر المتزايد كان قد خف تدريجيا، نتواصل يوميا عبر الاتصال الأرضي، أو بالمحمول أو عبر برامج التواصل، فيسبوك وتويتر. يمكنني أن أطمئن على نشاط صديقتي وأصدقائى عند ظهورهم العشوائي على الصفحة العامة، وعندما تختفي صديقة أتصل بها، لم يعد التواصل عن بعد ومعرفة أخبار بعضنا البعض مهمة استخباراتية، حسابك على الفيسبوك وحسابي يسجل ، أنني كنت هنا منذ ساعة أو منذ  يومين، ووسائل الحماية متوفرة، هناك اختيارات يخبرني التطبيق عنها ، (يمكنك أن تتجاهل رسائل فلان ، صديق ما ، ولن نخبره أنك فعلت ذلك)، هكذا يدرك مسئولي الفيسبوك أهمية مراعاة مشاعر بعضنا البعض، حين يضايقني أحدهم أو أجده غير متفاعل وأقرر حذفه بإجراء البلوك المتين، تظهر الرسالة (تمهل هل أنت واثق من رغبتك في إجراء هذه الخطوة). أحيانا أتمهل وأحيانا أضغط الزر فيتأسف التطبيق (نشعر بالأسف لمرورك بهذه التجربة). نعم أجدها تجربة أليمة أن أضطر لإلغاء صداقة قد أندم على البلوك بعدها، صديق نصحتى "أنفلو" أفضل نعم أن تجري تعديل لدرجات الصداقة ، عدم متابعة إجراء يمكن التراجع عنه دون أن يعلم الطرف الآخر. أما الخاص، فالتعامل معه يكون ممكنا دون اتهامات متبادلة بالتحرش أو الإزعاج عبر الاختيارات المتاحة وهي متعددة. لا يتحدث أحد عن عدم حساسية التواصل الاجتماعي الجديدة فكل الاحتمالات ممكنة من أيقونات، الموافقة المحبة الضحكة والغضب. 
تطوير متواصل من القائمين على وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك ليمكن أن يكون تعويضا كافيا عن صعوبة اللقاء الفعلي لأسباب كثيرة منها المحتمل والضروري والملزم كما يجب علينا الآن .
بعض المهرجانات لجأت إلى عدم إلغائها وإقامتها في موعدها عبر الانترنت، أتاح كثير من أصحاب الأفلام مشاهدة أفلامهم كاملة وحدثت فائدة بإعادة القراءة، مطبوعات وزارة الثقافة مجلة الفنون وجريدة القاهرة وجدت وسيلة لتصويل مطبوعاتها إلينا، آخرها هذه الصورة عالية الجودة لجريدة القاهرة ، إجراء أرجو أن يستمر حتى بعد تراجع الفيروس ، ويكون الاختيار متاحا  للمتمسكين بالمطبوعات الورقية ورغبتهم في لمسها ، وبين المتعاملين على الأجهزة ، دون مغادرة مكانك ومهما كانت درجة بعدك عن عاصمتك أو بلدك تكون الحياة مستمرة لاستمرار القدرة على التكيف مع متغيرات طبيعية أو مصنوعة ، إلهية أو بشرية .
خليك في البيت. واستمتع بالحياة.  
صفاء الليثي
14 ابريل 2020 من بيتي الذي لم أغادره منذ 10 مارس 2020.
الصورتين من فيلم الشعور بالكمال" Perfect Sense " 

الثلاثاء، 7 أبريل 2020

توثيق نضال الفلسطينيات في " إحكى يا عصفورة"

                  حين يكون الوطن هو شرف الفتاة
ليلى خالد  
بعد هزيمة 67 قام الفسطينيون بعمليات تندرج تحت حق الشعوب في مقاومة المحتل ، عمليات كفاح مسلح شاركت به مجموعة فتيات نجحن في الهدف الذي تحدثت عنه إحداهن بأنه تعريف العالم بالقضية الفلسطينية . المخرجة عرب لطفي صورت معهن في عمان عام 1993 بادئة مع ليلى خالد ( من مواليد مدينة حيفا، شاركت في عمليتي خطف طائرة أمريكية عام 1969 وطائرة العال عام 1970)  عقدت لقاء معها وهي في بيتها بعمان مع زوج وأطفال، بدت كامرأة عربية خمسينية تعنى ببيتها بذوقه الرفيع ، ربة بيت عادية تحكي والمخرجة توجه أسئلتها نسمع صوتها دون أن تظهر بالصورة . بالمثل ستجرى لقاءات مع الأخريات، يحكين أثناء التصوير بعد مرور خمسة وعشرين عاما تقريبا، وهن سبع نساء فدائيات فلسطينيات من جيل السبعينات تحكين الحكاية الفلسطينية من الاحتلال إلى المقاومة من خلال تجربة حياته. الثورية كمناضلات فلسطينيات   وهن ليلى خالد ووداد قمري ورسمية عودة وتيريز هلسا ورشيدة عبيدة وأمينة دحبور وعائشة عودة ،  بعضهن نفذن عمليات ثورية مسلحة ضد أهداف اسرائيلية وتم اعتقالهن والبعض الآخر قام بخطف طائرات اسرائيلية وغربية.
بعد تقديم قصير لكل منهن ومعلومات مكتوبة على صورهن القديمة، مع تيمة موسيقية متكررة. في مدخل تعريفي يكشف عن منهج يوثق لمجموعة المناضلات التي تمكنت المخرجة من لقائهن. وفي المشهد الأخير من الفيلم تتجمعن في منزل ليلى خالد مع شاي وكعك كصديقات قدامى في لقاء اجتماعي.
تيريز هلسا
في مثل هذا النوع من الأفلام المعتمد على بوح الشخصيات يتأثر المشاهد ببعض النماذج دون الأخرى، حيث تختلف كل شخصية عن الأخرى في القدرة على الحديث ، فيكون خافتا مع ليلى خالد وكأنها تحادث نفسها ، أو حماسيا كحديث أمينة دحبور أو حميميا عندما تحكي تيريز هلسا التي رحلت عن الحياة هذا الأسبوع.
تبرز أهمية الفيلم التسجيلي ويتأكد دوره التاريخي عندما نسمع ونشاهد المعلومة من المصدر الأصلي وهن هنا صانعات الحدث كما تعبر بجلاء أمينة دحبور صاحبة العينين اللتان تشعان فخرا وذكاء.
اعتمدت المخرجة في عملها على الحكي المباشر لهن كما وفرت بعض الوثائق ، بعضها معبر عن الحالة بغير ارتباط مباشر بالعمليات التي قمن بها وأشهرها خطف طائرة العال عام 1969.
أمينة دحبور 
عبد الناصر كان حاضرا بخطاب النكسة الحزين وصوته منكسرا، سيرته بينهن ومشهد وضع الزهور على قبره بعد وفاته من مناضلتين تظهران في العمل كنجمتين سينمائييتين ، ليلى خالد بنظارة سوداء وشعر قصير ترتدي جاكيت وبنطلون، وأمينة بتايير أنيق على طريقة الستينيات وبينهما اكليل زهور ضخم. نهاية لفيلم يربط النضال الفلسطيني بزعيم قومي يقدره من آمن بحق شعبه في تقرير مصيره ونيل حريته.
المناضلة تيريز هلسا من مواليد عكا شاركت في خطف طائرة سابينا البلجيكية عام 1972 ، بدأت حديثها مع المخرجة برواية المحاكمة ورفضها وصمها بالمذنبة ، مؤكدة للقاضي أنها متهمة وليست مذنبة. تفاصيل الاختطاف وتبادل النار وما تعتبره فشلا للعملية نتيجة تمديد المهلة كقرار سياسي راح بسببه مناضلين وأصيبت هي وزميل وحكم عليها بالسجن 210 سنة، تضحك تريز ، حكم مضحك، وتؤكد أنها عاشت في السجن بالأمل الذي لا يمكن الحياة بدونه. تريز تحكي بثقة عن تجربة لا شك كانت استثنائية لفتاة عمرها وقتها كان فقط سبعة عشر عاما، غضبها المشروع من تفضيل اليهودي عنها حتى في اللعب بمرجيحة الحي.دافعا قويا للمشاركة وتحمل السجن والتعذيب.
المناضلة رشيدة عبيدة من مواليد القدس شاركت في عملية تفجير السوبر سول في القدس الغربية عام 1968 تحكي عن يارة أمها وأختها الكبيرة لها في السجن التي بادرتها بسؤال، صحيح أخدوا شرفك؟ وردت على الفور شرفي هو وطني ، وأنا لا يمكن أتنازل عنه، تفهمت الأخت ولم تعد لسؤال كهذا مرة أخرى.
المناضلة وداد قمري من مواليد القدس شاركت في تنظيم العمل الفدائي السري ولم تعتقل في السجون الإسرائيلية، نجحت في الهرب وأخذوا أخيها بدلا منها .
المناضلة أمينة دحبور من مواليد كفر عانا بغزة، أمها مصرية، شاركت مع ليلى خالد عملية خطف طائرة العال تحكي عن تلقيها خبر هزيمة 67 وكيف حرقت دموعها خديها ومن يومها حرمت أن تبكي ، وقررت مع رفيق الحياة والعمل النضالي بألا يتفرجوا على الأحداث بل أن يشاركوا في صنع الحدث. سبق حديث أمينة جزء من خطاب عبد الناصر وقبله كانت ليلى خالد تحكي، هكذا يبنى الفيلم على تسليم طرف حكاية إلى حكاية من وجهة نظر أخرى ليظهر الجميع وقد توحدتهم الرغبة في التحرر بالكفاح والتضحية من أجل الوطن.
أهمية أن نشاهد الفيلم الوثيقة لتتعرف أجيال على نضال قمات به نساء، وهن في عمر الزهور لتتغير صورة مجاهدي الأمس القريب من ذكور يريقون دماء الأبرياء في مقابل هاته الفتيات وهن يقمن بعملياتهن دون إراقة دماء، فقط للتعريف بقضية فلسطين الوطنية وتنبيه العالم لما يحدث لشعبها المحتل.
عرب لطفي وبحث الملفات
اتبعت المخرجة المنهج البحثي بالاستماع لقصص المناضلات السبع كل في موقع حياتها منفردة، اطلعت معهن على وثائق ظهرت مجلدة بشكل جيد صورت عرب جانبا منها وظهر في الفيلم . عملية خطف ليلى خالد مع شباب المقاومة كما تابعتها الصحف وقتها، وصور تدريبات الفتيات وقد وضعن غطاء أسود فوق العينين لإخفاء شخصياتهن الحقيقية، بالإضافة إلى مشاهد لمخيمات الفلسطينيين قي الشتات الأول، مشاهد من الأرشيف وتركيز المخرجة على أطفال لاهون يلعبون ببراءة دون وجود ألعاب تناسب أطفال العالم .
وكما كان عبد الناصر ووجوده رمزا للتحرر والكرامة الوطنية ، ورغم الهزيمة فإنه كان حاضرا في حكي المناضلات واختارت المخرجة النهاية مع ليلى خالد تحكي عن تواجدها بمصر هي وأمينة دحبور ووضع الزهور على ضريح عبد الناصر ، وقد وصلنا الإحساس عن معنى النضال الحقيقي النابع من إيمان الشخص بمعنى الوطن له ، لم تركز المخرجة على أي مسؤول حكومي أو سلطوي، ولم تدخل في تفاصيل تشرح أسماء التنظيمات واختلافاتها السياسية بل ركزت فكرتها على نضال النساء من أجل التحرر. نضال مختلف عما يسمونه جهادا يستخدم القتل ويكون له ضحايا من المدنيين.
فيلم " احكي يا عصفورة" غني بالتفاصيل بلغت مادة التصوير فيه خمس وثلاثين ساعة 35 ساعة صورت مع عدد من نساء كانوا بالمعنى التاريخي لا الأدبي طلائع الكفاح المسلح الفلسطيني وهن قد  أسسن بفعلهن بداية المشاركة النسائية في كفاح الشعب الفلسطيني المسلح.   
الفيلم  في 90 ق ، إنتاج خاص قامت بعمل المونتاج له أمل رمسيس ، وهي حاليا مخرجة تسجيلية تركز في أفلامها على كفاح النساء وكفاح المواطنين عامة في نماذج اختارتها بإحساس ذاتي بأهميتها.
شاب عملها وكانت مازالت متدربة  في " احكي يا عصفورة"  بعض القصور في بناء الفيلم بمشاركة من المخرجة بالطبع،  وخاصة فيما يتعلق بوحدة مشهدية بعنوان " برقوق نيسان" لغسان كنفاني كمشهد أجده خارج السياق فنيا وموضوعيا، اعتمد على تعليق من خارج الصورة على مناظر عامة، كان المشهد يقطع تدفق حكي المناضلات وحكاياتهن الشيقة وخاصة عندما انتقلنا إلى ليلى خالد وهي تشرح بتعليقها المباشر على وثيقة مصورة عن عملية خطف الطائرة وكيف سألها ابنها الطفل " صحيح انت حرامية يا ماما" قبل أن تشرح له كيف كان خطف الطائرات لمقاومة العدو الاسرائيلي. تقدم عرب لطفي وثائق من صحف تشرح العملية وتدعم ما تخبرنا عنه المناضلة بجلاء.
المخرجة عرب لطفي لبنانية من صيدا، درست السينما بمصر وتخرجت عام 1976 ، شاركت الحركة السينمائية في مصر صناعة وثقافة ، ارتبطت بالنضال الفلسطيني وعبرت عنه في أغلب أعمالها بالإضافة لعدد من أفلام تسجيلية وثقت لمظاهر الحياة المصرية ومنها عملها التسجيلي الهام الفرح مصري.
                                                                                                                      صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 7 أبريل 2020 رئيس التحرير عماد الغزالي