الخميس، 14 مارس 2019

الفيلم الفائز بجائزة النقاد وأفضل مخرج بمهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية


الفيلم الفيتنامي سونج لانج إنتاج 2018 للمخرج ليون لي

تفكك أسري يذهب بأحلام الشباب
من فيتنام التي شاهدنا لها في دورة مهرجان القاهرة 40" الزوجة الثالثة" الذي حاز جائزة الإبداع الفني يأتينا هذا الفيلم العصري لمخرجه الشاب متعدد المواهب ليون لي.
 ولد الكاتب / المخرج / الممثل ليون لي في فيتنام ونشأ هناك حتى سن 13 عامًا عندما انتقل مع عائلته إلى جنوب كاليفورنيا. بعد الجامعة تابع حلمه بأن يكون على خشبة المسرح بالانتقال إلى مدينة نيويورك لبدء مسيرته المهنية في المسرح الموسيقي. بعد أن أسس نفسه كممثل / راقص / سينغر بارع ، بما في ذلك برودواي ، فيلم وتلفزيون ، بالإضافة إلى أدوار التمثيل في المسلسلات التلفزيونية والأفلام الروائية في فيتنام ، بدأ في تحقيق حلم آخر طويل المدى ، الكتابة والإخراج.
تدور أحداث الفيلم في سايجون في التسعينيات في 100 دقيقة حيث تتكوّن رابطة غير محتملة بين مُجمَّع ديون تحت الأرض سنسميه الشقي وأحد ممثلي الأوبرا "الفيتنامية" سنسميه المغني على خلفية سايغون في التسعينات.
بين الشقي دونج ومغني الأوبرا
الشاب دونج يعمل محصل لأقساط الديون التي تثقل كاهل مختلف أنواع البشر، ويسلم ما يحصله للسيدة صاحبة مكتب التسليف، يمارس عمله بكثير من العنف بينما هو في داخله طفل مرهف الحس وسنعرف أن والده كان فنانا تركته زوجته وأثر ذلك على دونج الذي تحول إلى رجل عصابات. يقابل مغني أوبرا وهو يحصل الدين من صاحبة المسرح وبالصدفة يدافع عنه بعد تحرش أشقياء به ويحمله معه إلى بيته ويدور بينهما حديث نعرف منه خلفيات طفولتهما، وفي عرض الأوبرا يكون المغني منتظرا الانتهاء ليعطي دونج هدية، ولكن دونج يقتل من قبل أحد ضحاياه وهو الزوج المسيحي الذي انتحرت زوجته ضيقا من حالة العوز وتهديد دونج المستمر للأسرة هي والزوج وبنتين. الفيلم يلقي اللوم على خيانة الزوجة والتفكك الأسري في تحول دونج من فتى يمكنه أن يرث العزف عن والده إلى شقي يهدد الناس ويعيش على إخافتهم. نتعرف في الفيلم على نوع من الأوبرا الفيتنامية، الأوبرا الآسيوية بموضوعاتها التراجيدية التي تحاكي حياة دونج وأسرته. حياة تراجيدية تنتهي بمقتل دونج بينما يحمل آلة أبيه الموسيقية وقد أوشك على التحول الى مهنة الفن. على مدار الفيلم هناك تواز بين العالمين، الدائنون ودونج يحصل منهم الضرائب، وأهل الفن في بروفاتهم وعروضهم التي يحضر أحدها دونج قبل أن يوشك على حرق ملابس العرض انتقاما من عدم سداد الدين، الشقي دونج والمغني من سن متقارب ، تعمد المخرج هذا ليوضح الفارق في التنشئة الذي يدفع بشخص إلى مهنة سيئة، وتنشئة أخرى تخلق من الشاب فنانا. لا يتعمق المخرج في أسباب الأزمة الاقتصادية لأهل البلاد وان كان يمكن استنتاج أنها ظروف حدثت في فترة سابقة وانتهت.
ما لاحظته على أفلام تأتينا من فيتنام حنينا لماضي به تراث وحضارة عريقة، ونقد لوضع معاصر يعاني فيه السكان. يمتلك بطل سونج لانج كل ملامح البطل التراجيدي من عراقة الأصل ولعنات القدر في مقابل طفولة المغني اللطيفة وتذكره لكتاب وجد نسخة منه لدى دونج، قصة فيل مما تروى للأطفال مما يدفع المغني لشراء فيل هدية يدخرها لدونج سيمنحها له بعد العرض ليشكره على انقاذه من الأشقياء ورعايته في بيته المتواضع حتى الصباح. مبرر بقاء المغني سنعرف سببه حين نكتشف ضياع مفاتيح بيته وسيدة في المقهي تعطيها لدونج وهو يدفع مقابل الخسائر التي أحدثها أثناء المشاجرة. هذا الملمح في شخصية دونج المعتز بنفسه والذي يدفع ما عليه متكرر في أكثر من مشهد ويؤكد المخرج أنه على الرغم من عمل دونج كفتوة لتحصيل الديون إلا أنه صاحب أخلاقيات ومعتز بكرامته. هذا الكسر لنمطية الشرير أحد أسرار نجاح الفيلم لمخرج نجح سابقا في فيلم قصير اعتبر أفضل فيلم قصير على مستوى العالم.
المخرج يقوم بالمونتاج أيضا وهذا سر اعتماده على المونتاج المتوازي بين العالمين وإن كان ما حدث ليلة لقاء دونج والمغني شهدت تكثيفا سينمائيا وبدت أطول من مجرد ليلة واحدة. التصوير يتم ببساطة وعند الرغبة في التعبير عن دخول النور الى حياة الشقي يستخدم المخرج شعاع الشمس النافذ من نافذة بيته الذي على الرغم من تواضعه إلا أنه يحمل جماليات تعكس رهافة مشاعره وخاصة في النافذة التي يطلان منها، الشقي والمغني وقد جمعت بينهما صداقة جعلنا نصدقها.
المخرج كتب وأخرج فيلمه القصير الفضولي  عام 2012 وحاز على جوائز متعددة Dawn (2012) وعرض في أكثر من 30 مهرجانا سينمائيا في جميع أنحاء العالم حاصدا جوائز مثل جائزة التميز في صناعة الأفلام القصيرة (AAIFF) ، وأفضل فيلم قصير (VIFFl) ، وأفضل LGBT قصير فيلم (YXINEFF) وأفضل فيلم قصير عالمي (YXINEFF) وأفضل مخرج (YXINEFF) وأفضل مونتاج (AOFF) وأفضل فريق تصوير (AOFF) وترشح لجائزة مهرجان جوائز إيريس في ويلز. من خلال إثبات موهبته الاستثنائية والرؤية ككاتب ومخرج ، بدأ فيلمه القصير Talking to My Mother عام 2014. ولمعت مسيرته في عام 2015 ، وقد فاز بالفعل بجوائز من بينها أفضل دراما وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل نتيجة أصلية للآسيويين في الأفلام مهرجان، وأفضل فيلم قصير في مهرجان Viet Film Festالفيلم القومي ، وحاز أيضا جائزة الجمهور .
السينما في آسيا بحر من الإبداع كلما غصنا فيه اكتشفنا كنوزا تجمع بين ثقافة عريقة وبين قراءة للواقع المعاصر دون أن يفقد الفيلم تميزه كعمل معبر عن بلده البعيد في آسيا.
صفاء الليثي
نشر بالعدد الخامس من نشرة مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية من 2-8 مارس 2019
رئيس المهرجان المخرج مجدي أحمد علي ، رئيس تحرير النشرة محمود سيد سلام، المدير الفني محمد سيد عبد الرحيم. قام بالترجمة الناقد محمد طارق.
حصل الفيلم على جائزة سمير فريد المقدمة من لجنة تحكيم جمعية نقاد السينما المصريين ورأسها الناقد مجدي الطيب وعضوية رامي عبد الرازق ونرمين يسر ، كما حصل المخرج على جائزة أفضل إخراج من لجنة التحكيم الرسمية برئاسة المخرج الصيني الكبير شيا في .


  


 


الجمعة، 1 مارس 2019

مونتير النيجاتيف ليلى فهمي بمناسبة تكريمها بمهرجان أسوان 3


ليلى فهمي العازفة على السليولويد
 
تعرفت على ليلى فهمي أثناء تدربي في استديو الأهرام مع ورشة أحمد متولي ومساعدته القديرة نفيسة نصر، كنا نصعد من حجرة مونتاج البوزيتيف إلى الممر بالدور العلوي حيث حجرات مونتاج النيجاتيف، نمر على حجرة مارسيل صالح شديدة الاتساع التي تشبه صالونا للجمال، قبل أن نصل إلى حجرة ليلى فهمي. مقارنة بحجرات مونتاج البوزيتف حيث سلال شرائط الأفلام وعلب نسخ العمل والصوت الماجنتيك كانت حجرة مونتاج النيجاتيف شديدة النظافة لا يمكن أن تلمح ذرة تراب بها ولا شرائط ملقاة على الجانب.
ليلى فهمي في تسريحة شعر أنيقة ، وطلاء أظافر لامع في يديها الصغيرتين، تنهض وتفتح لنا زجاجتي مياه غازية من ثلاجة بحجرة داخلية، بغشومية وقلة خبرة أضع الزجاجة على منضدة التقطيع فتنبهني منزعجة لهذا الخطأ الشنيع. إلا النيجاتيف. المادة المصورة وقد خرجت من المعمل تقوم بتقطيعها وترتيبها في دواليب مرقمة، أتعلم وأنا مازلت أدرس المونتاج بمعهد السينما، هنا الدرس عملي وأستوعبه بالملاحظة. أرقام الحافة تبدو في شريط البوزيتيف يقابله شريط النيجاتيف تحت عدسة مكبرة في يد لولا، تقول لازم أدقق أحيانا ممكن رقم 6 يتقري 8 ويحدث ديسنكرون – عدم تزامن- أشعر بسعادة من اقترب من حقيقة خبرها بعينيه ولم يحفظها دون فهم أو معرفة. الدقة وليدة التجربة، والخطأ وارد وقد حدث مع ليلى فهمي كما تعترف هي لنادر عدلي مؤلف كتاب تكريمها بالمهرجان القومي للسينما المصرية 2017 بشجاعة واحترام للنفس تعترف بالخطأ وتحرص على عدم حدوثه أبدا مرة ثانية. يدور حديث بين نفيسة وليلى بينما أنا كالقط المتنمر مفتوحة العينين لأراقب ما تفعله ليلى، أبتسم إعجابا بتعاملها الرقيق مع لفات الفيلم ، يدها اليمنى بدون جوانتي تدير جهاز التزامن، واليسرى التي تمسك بالفيلم بالجوانتي القطني الأبيض. لا نتعامل في البوزيتيف مع الجوانتي، ولا نحرص على عدم اتساخ الشريط الا بشكل عابر ، هنا قدس أقداس السينما حيث تصب العملية السينمائية كلها بين يدي مونتير النيجاتيف الماهرة ليلى فهمي.
لم تتعلم ليلى أكاديميا بل اكتسبت الخبرة من الوالد كمال فهمي من الرعيل الثاني لمونتيري النيجاتيف بعد انجا وميلا, شربت ليلى فهمي المهنة حتى أصبحت أستاذة في مهنتها قامت بمونتاج مشروعات التخرج لطلاب سيتخرجون ويعملون في السوق ويأتون إليها فرحين، ها قد كبرنا واندمجنا في صناعة السينما ، تبتسم فرحة لمرآهم وتشعر بالرضا فلم تضيع سنين العمر هباء. تقول عنها رحمة منتصر أستاذة المونتاج بالمعهد العالي للسينما :" كان عند هذا الجيل احترام وتمسك بتقاليد المهنة، وكثيرا ما كانت ليلى تسهر على الفيلم لعمل مونتاج النيجاتيف بعد المكساج حتى يتم طبع نسخة العرض في الوقت المناسب، لسنوات عديدة قامت ليلى بعمل مونتاج النيجاتيف لأفلام طلبة المعهد العالي للسينما، وخصوصا الأفلام 16 مللي التي كانت تحتاج دقة ، وهي الوحيدة التي كانت تقوم بهذا العمل لسنوات دون أي مقابل مادي، مع تحمل أخطاء الطلبة وكانت تتبناهم كأنهم أبناء لها"

تتعامل مونتير النيجاتيف مع الخام المصور مرتين، الأولى فور خروجه من المعمل حيث تقوم بمراجعة النيجاتيف وتنبه المصور على الفور في حال حدوث خطأ لكي يعاد التصوير قبل هدم الديكور. الخطأ وارد في صناعة كبرى كصناعة الفيلم السينمائي، وتجاوز الخطأ وتصحيحه يبدأ بها العين اليقظة التي تنبه فيتم التصحيح على الفور. يقول عنها مدير التصوير الفنان سعيد شيمي :" ليلى فهمي من المونتيرين القلائل في بلادنا الذي كان لهم اليد الحريرية الحانية في هذا المضمار، .. ليلى فهمي كانت بالنسبة لي واغيري من الزملاء مديروا التصوير ترمومتر الطمأنينة .. كنت في أحيان كثيرة أذهب إليها في حجرتها البيضاء النظيفة في الدور الثاني باستديو الأهرام، وتكون منهمكة ومشغوله بعملها، وحين تراني تبادرني بجملتها المشهورة ( الشغل فل) هنا أجد ابتسامتها تملأ قلبي بالثقة في عملي" .
 تعد فصولا للطبع الى نسخة موجبة يتعامل معها مونتير البوزيتيف، كانت تعد في لفات حوالي 300 متر، وهي نسخة العمل التي سيعمل عليها مونتير البوزيتيف بالحذف والترتيب. يدخل الفيلم مراحل مونتاج أولية ثم مرحلة لتدقيق الإيقاع ومراجعة نهائية، تعاد فصول الى ليلى فهمي وتبدأ مرحلة العمل الثانية التي تتعامل فيها مع المونتير، تطابق رقم اللقطة، أرقام الحافة، تحزم أمرها وتقوم بالقطع. نادرا ما يحدث خطأ من ليلى فقد استوعبت الدرس الأول وحرصت على عدم تكراره.
تقول عنها المونتيرة مها رشدي: " كانت ليلى فهمي تقلق على عملها ، فتبقى بالاستديو حتى وقت متأخر لتطمئن على المراجعة النهائية للفيلم، وتحرص مع بداية تصوير أي فيلم أن تطمئن مدير التصوير على تحميض الفيلم من خلال متابعة يومية للنيجاتيف.. لن أنسى موقف ليلى فهمي عندما رحلت مونتيرة النيجاتيف الأقدم مارسيل صالح فقامت باستكمال عملها في الأفلام، ورفضت تقاضي أي مبالغ مالية ، وأصرت أن تذهب هذه المبالغ إلى ورثتها ، ووضع اسم مارسيل صالح منفردة على هذه الأفلام."   
تصادف أن أغلب الأفلام التي قام المونتير أحمد متولي بعمل المونتاج لها أن تكون معه مونتير النيجاتيف ليلى فهمي، فقد كان المخرج الكبير محمد راضي لا يرتاح إلا إليها، وكانت أفلامه دائما مع أحمد متولي، وأفلام أخرى لعلي عبد الخالق وأفلام تسجيلية كانت في أيدي أمينة مع ليلى فهمي. صاحبة اليد الساحرة، الدقة والمهارة وحساسية التعامل مع ثروة الفيلم السينمائي المتمثلة في شريط النيجاتيف.
ستعمل سنوات طوال وتستوعب تطورات المهنة فتقوم بمونتاج النيجاتيف مع الكومبيوتر دون أن يكون أمامها نسخة بوزيتيف موجبة تطابقها مع السالب، بذكاء وموهبة فطرية تنجح فيما فشل فيه آخرون رفضوا التعامل مع مونتاج الكومبيوتر بشقية السالب والموجب ، تعمل مع أجيال جديدة مونتيرات صغيرات تخرجن من المعهد العالي للسينما ، تضاهينهن ليلى وتتفوق عليهن. يشعر المنتج بأن فيلمه ، رأس ماله في أمان معها يقول عنها المخرج محمد عبد العزيز:" ظلت ليلى فهمي تجمع بين الإتقان المتفاني الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمهنة مونتاج النيجاتيف وبين علاقات الود والصداقة والمحبة بكل من عمل معها ، كتعبير صادق حقيقي للزمن الجميل الذي عشناه في أحضان السينما المصرية وصناعها الذين جمعت بينهم كل مشاعر الحب والتعاون والاحترام ".
 ليلى فهمي التي بدأت طفلة بالعمل مع والدها مونتير النيجاتيف كمال فهمي،  وتعاونت مع زوجها المونتير والمنتج عادل شكري  استمرت حتى توقف التصوير بخام السينما ، السليولويد 35 مللي، اعتزلت مرغمة عام 2011 مع آخر فيلم صور بخام السينما، اعتزلت مرغمة منحازة إلى الطريقة التقليدية في تصوير الفيلم على خام سينما . تكرم في المهرجان القومي للسينما المصرية عام 2017، ينتبه عشاق السينما فنها ومبدعيها فيعاد تكريمها في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، تكريما مستحقا لفنانة، امرأة مبدعة ومخلصة لفن السينما الذي عشقته ، محبوبة من كل من تعامل معها من زملاء صناعة السينما المصرية.  
هامش: الشهادات الواردة في المقال منقولة من كتاب تكريمها بالمهرجان القومي للسينما المصرية عام 2017 تأليف الناقد الكبير نادر عدلي. 

                   كتبته صفاء الليثي ونشر بكتالوج الدورة الثالثة لمهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة 

     مع بناتها شيرين وحنان عادل شكري وصديق من العاملين بالمهرجان على السجادة الحمراء في الختام
 

الأربعاء، 6 فبراير 2019

عن فيلم الضيف ومحاكمة ابراهيم عيسى


"الضيف" ومحاكمة ابراهيم عيسى
 أعترف بتقصيري في متابعة الأفلام المصرية التي يتم عرضها تجاريا، أكتفي فقط بمتابعة مشاركات المهرجانات أو العروض الخاصة، لسبب ما ذهبت لحضور فيلم الضيف بعد أن قرأت عناوين لكتابات تهاجم الفيلم وتطلب من كاتب السيناريو أن يتعلم أولا حرفية الكتابة، هذا الأسلوب المتعالي من البعض بدا لي بعيدا عنأدبيات النقد وكأنهم نصبوا محاكمة لابرهيم عيسى شخصيا وليس للعمل الذي كتبه.  دار العرض كانت تنتظر زبونا آخر لأنه لا يوجد غيري ليحجز التذكرة، أتي مراهق سألته عن عمره، أجاب 16 عاما، لماذا أنت بمفردك، قال ما ليش أصحاب. غالبا هو مثقف ولا يجد من يتوافق معه فكريا، حضر شاب وفتاة، حبيبين أرادا الاختلاء في القاعة، عرض الفيلم الأجنبي خطأ، فطلبنا ايقاف العرض، اعرضوا " الضيف" بدأ العرض وكانت المشهد الأول قد شاهدناه بالكامل في المقدمة الإعلانية، خالد الصاوي بصوت أجش يردد رسالة انتحار قبل أن ينطلق المسدس، لم أسمع صوت رصاصة، ومضى الفيلم،  ومع ظهور أحمد مالك في الفيلم وجدت تمثيلا جيدا ففكرت حتى في أسوأ الأعمال تجد عنصرا جيدا أو مشهدا مهما، لماذا أتحدث عن السوء،؟ كانت البداية وخاصة مشهد جرى مع حارسين للأستاذ الجامعي شديد المباشرة ورديئا ولكن مهلا ها هي تطل علينا الابنة التي لا يرد لها والدها الأستاذ طلبا فتاة بطلة محببة ، ويأتي الضيف الذي سيفجر الدراما ويبدأ الفيلم فعليا. إعجابي بأداء أحمد مالك يزداد ، كيف له أن يمسك بالشخصية هكذا ، سارقا الكاميرا من خالد الصاوي الذي اعتمد طريقة أداء الكاركتر بالدكتور المثير للجدل لابد أنه شخص له تصرفات غريبة منها هوسه المجنون بمباريات كرة القدم. شرين رضا الزوجة الناعمة مناسبة في دورها. هدية الضيف آية قرآنية ، هل هو من شباب التدين الجديد؟

 يتم الدفع في وجوهنا بقضية الحجاب التي جعلت الأب يستشيط غضبا فابنته التي لم تقرأ حرفا من كتبه ستستجيب ببساطة لطلب الضيف بل بشرطه كرجل سيتزوجها بأن تتحجب. مشهد يطول يصاغ فيه حجج أنه ليس فريضة وأنه ليس من أركان الإسلام الخمسة، انفعال الأب يضعف موقفه كمدعي حرية فيعود ليجلس الضيف وتتحول الزيارة إلى محاكمة يجريها هذا الضيف الأرعن للأستاذ الجامعي. أثناء المشاهدة تذكرت سهرة تلفزيونية شاهدتها في السبعينيات وأعجبتنا، فبعد انتهاء العناوين قرأنا أن السهرة عن مسرحية لدورنمات، فصرخنا أخي وأختي وأنا في نفس واحد دورنمات فقال رابعنا مين اللي مات؟ نعم ازداد اهتمامنا بالعمل حين قرأنا أنه عن مسرحية للكاتب الطليعى دورنمات " استعنت بصديق فتذكر أنها قدمت في مصر بعنوان " ليلة القتل الأبيض " مصرها الكاتب يسري الجندي. كانت مجموعة تتجمع عند المفكر الكبير عماد حمدي ويأتي يوسف شعبان ضيفا لم يجد مكانا يمضي فيه ليلته فيتم استضافته وكنوع من التسلية يقررون محاكمته فيتبين أنه مذنب في أشياء كثيرة ، يتركهم ويشنق نفسه فيتحولون جميعا الى مذنبين تسببوا في انتحار الزائر أو الضيف. قد لا تكون هناك علاقة مباشرة أو تفصيلية بين موقف ضيف ابراهيم عيسى وزائر دورنمات، نعم تحول الضيف الى قاضي يحاكم الأستاذ صاحب المؤلفات ثم الى ارهابي يهددهم جميعا بالقتل ما لم يسجل الاستاذ اعترافا بأنه تخلى عن كل أفكاره واعترف بخطأ كل ما ذهب اليه، وهي الجملة التي سبقت عناوين الفيلم في مشهد ما قبل العناوين بالفيلم. تقريبا يدور الفيلم في مكان واحد هو شقة الأسرة، ويدور الصراع بين الأطراف الأربعة مكان واحد وأربع ممثلين مع مشاهد عرضية لا تمثل أهمية في متن الفيلم الذي وجدته – باستثناء بعض جمل الحوار المباشرة- عملا مهما ولابد أولا  من مشاهدته، ثم تفنيده ثانيا ثم الحكم عليه ثالثا. وأغلب الظن أنني مستعدة للخروج من زمرة النقاد الذي يشار إليهم بالبنان لأنني أجد أن السيناريو محكم والعمل مؤثر وأننا نحتاج إلى مثل هذه الأعمال التي تطرح بقوة وبشكل مباشر معارضة لكثير من أفكار مغلوطة عن الدين الحق.  
أحيانا يمثل المكان الواحد للمخرج تحديا كبيرا حتى لا يظهر الفيلم كمسرحية مصورة، ثلاث حوائط يشاهدها الجمهور الذي يمثل الحائط الرابع. هنا المكان مغلق والأحداث تدور في الليل مع الإضاءة الصناعية، جو قاتم لم يخفف منه ماتش الكرة ولا صياح الأستاذ . حبسنا المخرج مع أبطاله نتابع الجدل الدائر فهل سينحاز كل منا الى الطرف الذي يردد أفكارا مثل أفكاره الثابتة عن الحياة والدين؟

سألت الشاب صاحب 16 عاما عن رأيه فقال (فيلم حلو عجبني) لم أسال الحبيبن فأغلب الظن أن انتباههما كان بعيدا عن متابعة الفيلم . كنت أعصر تفكيري لأتذكر محاكمة كافكا أم محاكمة دورنمات وان كنت أجدها قريبة من محاكمة دورنمات، إنها محاكمة مشروعة للكاتب ابراهيم عيسى لأفكار أستاذ كان متشددا ثم تراجع عن أفكاره، أستاذ يمارس ما يعتقده فيتزوج من مسيحية، ويترك الحرية لابنته المراهقة فيكون تصرفها صدمة له ، هل يطرح عيسى فكرة الحرية المسئولة ؟ هل يدعو الى عدم ترك الحبل على الغارب لأولادنا وأن نمارس عليهم قدرا من القيد والتوجيه؟ ينسب الفيلم القوي سينمائيا إلى مخرجه، ولكن العمل الدرامي الذي تسيطر عليه الأفكار ينسب إلى كاتبه، وخاصة عندما يكون في شهرة وانتشار ابراهيم عيسى المنتشر ككاتب ومقدم برامج تتنوع بين " الفرجة" كبرنامج متخصص في السينما وبين برامج تعرض للتاريخ الإسلامي وتناقش أفكار السلف، توارى المخرج هادي الباجوري الذي وجدت عمله السابق " هيبتا " مميزا ويلفت الانتباه لموهبته، توارى هنا في الضيف فلم يعمل مع الكاتب على السيناريو، ولم يتدخل بحذف المباشرة من الحوار، قام جزئيا بعمل هام في الكاستنج بتسكين الممثلين كل في دور يلائمه ويلمع فيه، أحمد مالك ، جميلة عوض، شيرين رضا، وضيوف الفيلم ماجد الكدواني ومحمد ممدوح. وخرج عن سيطرته خالد الصاوي الذي تقمص الكاتب ابراهيم عيسى وقلد طريقة حديثه وبقي فقط أن يلبس حمالات في البنطلون لتكتمل الصورة التي كانت ستؤكد كاريكاتورية الأداء الذي انتقص كثيرا من أهمية طرح جدل بين أستاذ دارس لما يكتبه ويفهمه جيدا، وبين شاب جرى له عملية غسيل مخ، وفتاة منقادة تريد فقط أن تحقق حريتها من خلال الاختلاف الفج مع أفكار والدها.

خرجت من العرض راضية عن خطوتي بمشاهدة الفيلم قبل رفعه من دور العرض، عازمة على الكتابة للأصدقاء عما وجدته ناقصا في الفيلم، وعما وجدته لامعا في فيلم كان يحتاج عملا أدق على السيناريو ودورا أكبر للمخرج ليتدخل لصالح العمل بالحذف والتوجيه، أي أن يقوم بدوره كمخرج فنان دون الاكتفاء بتنفيذ السيناريو الذي وصله حتى لو كان من تأليف كاتب يشار له بالبنان.
صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 5 فبراير 2019 رئيس التحرير عماد الغزالي