Sunday 8 August 2010

بيت من لحم 2009



أحمد الهوارى
وعودة إلى عالم يوسف إدريس


" ضجيج الحياة دب، الزوج زوجها وحلالها وعلى سُنة الله ورسوله، فماذا يعيب؟ وكل ما تفعله جائز، حتى وهي لم تعد تحفل بالمواربة أو بكتمان الأسرار، حتى والليل يجيء وهم جميعًا معًا، فيطلق العقال للأرواح والأجساد، حتى والبنات مبعثرات والأجساد، حتى والبنات مبعثرات متباعدات يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات، مسمرات في مراقدهن يحبسن الحركة والسعال، تظهر الآهات فجأة فتكتمها الآهات، كان نهارها "غسيل" في بيوت الأغنياء، ونهاره قراءة في بيوت الفقراء، ولم يكن من عادته أول الأمر أن يئوب إلى الحجرة ظهرًا، ولكن لما الليل عليه طال والسهر أصبح يمتد، بدأ يئوب ساعة الظهر يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى، واستعداد لليل قادم، وذات مرة بعد ما شبعا من الليل وشبع الليل منهما، سألها فجأة عما كان بها ساعة الظهر، ولماذا هي منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها؟ ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن؟ إذ هو كل ما كلفه الزوا جمن دبلة ومهر وشبكة وهدايا"

هذا المقطع من قصة "بيت من لحم" العبقرية يفسر سبب تحويلها لعدد كبير من الأفلام القصيرة، فالجمل قصيرة ونافذة، دون جناس ولا سجع لغوى، لغة وصفية محملة بالدلالات وكأن كل جملة لقطة، وكل فقرة مشهدا سينمائيا يحفل بكل فنون السينما من رسم شخصيات، ووصف المكان والتفاصيل الصغيرة، تفصيلة الخاتم التى استخدمها كل من حول القصة لفيلم سينمائى فيما عدا أحمد الهوارى الذى تجاهلها تماما لتصبح قراءته لبيت من لحم قراءة تناسب العصر، الذى تجاوز الصمت بحجة الخاتم إلى التواطؤ الصريح غير المحتاج لأى حجة كالخاتم.
إذا سُئل شخص لا يعرف القصة فسيخبره من قرأها أنها عن أرملة تزوجت مقرئ القرآن على روح زوجها المتوفى بموافقة بناتها الثلاث، كانت تضع خاتم الزواج فى إصبعها فيتعرف عليها الرجل من بين كوم اللحم الذى تمتلئ به الحجرة الواحدة التى يسكنها الجميع، وأصبحت من تضع الخاتم هى الزوجة فى نظر الضرير فيواقعها إذ ليس على الأعمى حرج. الخاتم إذن هو حجر الزاوية فى الموضوع، كل الأفلام التى تعاملت مع القصة كان الخاتم أحد أبطال العمل وحجة هذه اللخبطة الشنيعة. أحمد الهوارى لم يلتفت للخاتم نهائيا، ونفى أن يكون الأعمى غير مدرك لما يحدث، إنه على الأقل غير متأكد فقط فى المرة الأولى حين تتسلل الوسطى ريم حجاب وترقد بجواره وهو فى قيلولة النهار. فى المساء يقول للأم "عايزك تظبطينى زى الصبح" لتصعق الأم وتظل تفكر أيهن التى أقدمت على فعلها. وبعدها يصبح التناوب شبه علنى ولعبة متفق عليها بين جميع الأطراف.

القصة تبدأ بالصمت ، والخاتم ولكن الفيلم يبدأ بصخب الواقع، ويحتفى بالمكان، مقابر 6 أكتوبر بعض الأحواش يتخذه الناس مسكنا وهو مختلف عن حجرة القصة التى تتكدس فيها النساء الأربع ومنها استمدت القصة اسمها بيت من لحم. لم يلتزم الهوارى حرفيا بكل هذه التفاصيل ولكنه حافظ على جوهر العلاقات:" ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة" العيون المتلصصة للبنات الجائعات تنظرن من فتحات الحائط  تعبرعن الجملة الأدبية وبصورة جديدة تناسب المكان ومنازله من الحجارة المتراصة وبينها شقوق .  أدت ريم حجاب دور الابنة الوسطى الجريئة ، وكانت بصمتها ونظراتها ترجمة للكلمات والجمل القصيرة التى أطلقها يوسف إدريس والتقطها المخرج الموهوب لتصبح فيلما ناريا تمكن فى زمنه الذى لم يتجاوز 17 ق أن يعبر عن كل الأطراف مضيفا إلى القصة الصارمة روحا فكهة مرحه زادها أداء الممثل محمود حافظ لدور الكفيف، وما منحه له من تجلى بالغناء بعد الشبع والرضا من الحياة، هنادى الابنة الممتلئة البارعة فى المطبخ وعمل المحشى تُكافأ بعد وجبة طعام أعدتها"يللا يا تعالى اغسلى لى ايدى" تنهض وسط صمت الأخريات. بدون الخاتم قرر الهوارى والشيخ الكفيف منحهن قسمته العادلة، الصغرى أيضا لها نصيب والأم سوسن بدر استسلمت.

قرأت الفيلم كقسمة للحق فى الحياة، يأتى من  تبادل العطاء فكل له دوره وكل له نصيب.
مخرج قادم يقود فريق عمله ،مدير التصويركريم أشرف، والمونتير حسام المصرى، ومصممة الملابس فاطمة عبد السلام،وواضع الموسيقى عمر شاكر، ومهندس الصوت إبراهيم عبد العزيز، وقبلهم جميعا كاتب السيناريو والحوار تامر أنور الذى قدم إبداعا موازيا للقصة الأصلية محاقظا على جوهرها غير ملتزم حرفيا بتفاصيلها وطوعها ليصبح الفيلم بيت من لحم 2009.

قصة فنان القصة القصيرة يوسف إدريس، التى كتبها قبل أربعين عاما ظلت منهلا يشد صانعى الأفلام القصيرة وخاصة مشروعات التخرج لطلبة معهد السينما.  قدمها رامى عبد الجبار السينمائى المستقل فى فيلم غلبت عليه الشكلانية دون أن يعكس أهمية الموضوع ، وحتى طالب موسكوأشرف سمير عبد الباقى قدم مشروع تخرجه بموسكو عنها بممثلين روس . وأخيرا فى  مشروع تخرج أحمد الهوارى صاحب التجارب التسجيلية والقصيرة وقبلها تجارب مع المسرح
حيث أخرج 6 مسرحيات وحصل على جائزة أحسن عرض لمسرحية عفريت لكل مواطن من المعهد العالى للفنون المسرحيه فى مهرجان المسرح العربى 2004، وجائزة لجنة التحكيم الخاصه عن مسرحية العار فى مسابقة الجامعات والمعاهد العليا 2005. قد يفسر هذا قيادته للممثلين وتفوقهم جميعا قى الأدوار المركبة لشخصيات بيت من لحم.
فى مهرجان بورسعيد، حصل "بيت من لحم"على الجائزة الذهبية من لجنة تحكيم مكونة من داوود عبد السيد وكاملة أبو ذكرى ويرأسها محمد كامل القليوبى، ورأس دورة المهرجان لهذا العام المخرج البورسعيدى سيد سعيد، تعدد المهرجانات أمر صحى ويسمح لتعدد الرؤى والأفكار حول الأفلام وتلقيها، تعدد يشبه القراءات العديدة لعمل فنى يحول إلى فيلم. اختلفت جوائز المهرجان القومى عن جوائز مهرجان الساقية، عن جوائز مهرجان بورسعيد وغيرها فكل مهرجان له توجهه وله لجنة تحكيم مختلفة، كل لجنة يكون لديها تصور عن الفن وعن ماهية السينما، بعض اللجان تضع الشروط الفنية كأولوية لها، والبعض الآخر له اعتبارات أخلاقية، والبعض الثالث يقيم توازنات مؤثرا السلامة مع كل الأطراف. تعدد المهرجانات والمسابقات فى صالح الإبداع والمبدعين وسنجد من بين الأفلام المنتجة لعام 2009 رؤى مختلفة وشديدة التباين سواء لمشروعات التخرج من معهد السينما المصورة بخام السينما 35 مللى، أو مشروعات لجهات تعليم جديدة فى مصر يصورون بالديجيتال بجودة عالية، أو أفلام مستقلة تستخدم ديجيتال بتقنيات أقل وكلها عند التنافس تحصل على فرص للمشاهدة وتختلف حولها الآراء بما يؤكد أن ساحة الإبداع تتسع أكثر لتسمح بالتنافس العادل دون احتكار أو نفى لنوعية على حساب أخرى. ستحاول العربى الكشف عن هذه التنويعات الإبداعية التى تزخر بها مصر إبداعا ونقدا من مختلف الأجيال.