Wednesday 26 April 2017

نظرة على الفيلم القصير بمهرجان الإسماعيلية 19

اخترت الكتابة عن ثلاثة أفلام عرضت بمهرجان الإسماعيلية 19من بين 18 فيلما   بمسابقة الفيلم القصير، لم تحصل على جوائز ولكنها أفلام جيدة ومهمة.
 نماذج ناجحة في التكثيف 
والتعبير الموجز
من كردستان إيران فيلم يخلو من كلمة واحدة " الرجل الذي ينسى أن يتنفس"، يعبر فيه مخرجه عن حالة من عدم التكيف تصيب رجلا فينسى أن يتنفس في مدينة يتنفس فيها الجميع من وراء كمامة، نراه نائما يعاني من أزمة تنفس، تحضر زوجته وتجمع بعض أشياء تخص طفلتهما المنتظرة بالسيارة، تنسى لعبتها يهرع الأب ليعطيها اللعبة، يجرى دون كمامة، يسير بين الجموع دون كمامة وحين تنتابه أزمات التنفس يعود طبيبا ثم نجده سائرا بكمامة مثل الجميع، زوجته والطفلة نائمتان فى المنزل كمامات ثلاث مخلوعة، والسمكة التى تكسر الحوض الزجاجي وتوشك على الموت فينقذها وينقلها فى  كوب صغير. السمكة الذهبية تسبح، الأسرة نائمة والكمامات في منظر قريب. قرأت الفيلم المحمل بالدلالات كتعبير رمزي عن القمع وضرورة الانصياع لعادات الجميع من السير خارجا بأقنعة الأكسجين. المخرج الإيراني سامان حسينبور وهو نفسه المؤلف نجح في إيصال فكرته دون كلمة واحدة.
بالطبع لن تتم دعوته إلى المهرجان فالأمن القومي المصري لا يدعو الإيرانيين لمصر ولا يتم منحهم تأشيرة دخول، على الأقل يمكننا متابعة إبداعاتهم المتواصلة في فروع الفيلم المختلفة في انتظار تغير الظروف السياسية ليكتمل التفاعل.
" فالباريزو " الإيطالي يبدأ من السجن ومسئولة تستجوب نزيلة عن تقرير مستشفى السجن بكونها حامل في الشهر الرابع، السيدة ترفض أن تدلي بأي معلومة ويتم إطلاق سراحها، تعيش في غرفة وحيدة ثم تضع مولودها دون مساعدة، تأخذ الطفل وتتركه في نافذة مركز إيواء يشاهدها ممرض، هي أمام كومبيوتر تتواصل مع أمها وأخيها نشاهدها فقط ونعرف أنها حصلت على عمل، تعو لمركز الإيواء تطلب أن ترى طفلها القوانين لا تسمح لمرور شهر، بمساعدة الممرض يسمح لها برؤيته تحمله، تخطفه وتجري، يلاحقها الأمن
تعبير موجز وموجع، بلاغة سينمائية تحكي الكثير بتركيز شديد، معاناة حمل غير مرغوب فيه، بطالة ثم كفاح وعمل، غريزة الأمومة واحتياج أم في مجتمع تحكمه قوانين صارمة، مجتمع لا يرحم. الممثلة تؤدي دورها جيدا والسرد لا يدخل بنا في قضايا فرعية، نموذج جيد جدا لكيفية صنع فيلم قصير ممتاز شكلا وموضوعا. ويمكن التعامل مع كفيلم مثالي للتعبير عن أزمات تخص المرأة وحدها.
الفيلم الثالث المصري " خليل " مشروع تخرج إسلام شامل من معهد السينما يتناول فيه قضية التقاعد ومأساة المعاش لرجل يعيش مع زوجته وحيدان، يبدو الرجل في حالة تسيطر عليه الوساوس والشكوك بينما الزوجة نشطة وفي حالة تكيف رائعة ،الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب ابراهيم أصلان، المحظوظ بين الكتاب بالمستوى الذي تبدو عليها الأفلام المأخوذ عن قصصه وأهمها كيت كات داوود عبد السيد. وأتوقع حصوله على جائزة من لجنة التحكيم التي يكون لديها عمل شاق لتنوع الأفلام بين التسجيلي والروائي القصير وأفلام التحريك التي تحتاج خبرة خاصة للحكم على هذا النوع النادر الفريد في فنيته.   
تناولت ثلاثة نماذج مختلفة لفيلم قصير يستخدم فيه الحوار بإيجاز شديد، يعتمد على النجاح في رسم الشخصيات وبيان دوافع تصرفاتها، الاقتراب منها وكشف مكنونها نفسيا، رجلا ينسى أن يتنفس، امرأة لا تريد التخلي عن طفل أنجبته في ظروف غير ملائمة، ورجل غير قادر على التكيف مع حياته بعد المعاش.
من بين ثمانية عشر فيلما في المسابقة الرسمية للفيلم القصير وعشرة غيرها في البانوراما تتنوع الأساليب الفنية، تتنوع جهات إنتاجها وتختلف فيما بينها، بين الكوميدي الساخر كالفيلم التونسي علوش، وفيلم النقد الاجتماعي المغربي خلف الجدار، نموذجان رائعان للمشاركة العربية بالمهرجان، إنتاجات مشتركة بين كثير من الدول يجمعها فقط النجاح في التعبير المكثف عن فكرة، وعن أزمة يمر بها إنسان ما.  
يواصل الإسماعيلية انتقاء أفضل الأفلام عاما بعد عام،مع الوقت نجح في تربية كوادره من بين العاملين بالمركز القومي للسينما، فتيات وشباب وقد خلعوا قناع الوظيفة الخامل، وأخرجوا طاقات تكتسب خبرة تتراكم ليواصل دوره كمهرجان فريد في نوعية أفلام فنية جدا تغطى اهتمامات البشر من كل أنحاء الدنيا. 
صفاء الليثي
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 25 ابريل 2017 رئيس التحرير عماد الغزالي  




Tuesday 25 April 2017

مهرجانات السينما في مصر ... شرم الشيخ نموذجا



عن المهرجانات والشللية في ربوع مصر برا وبحرا
حين أطلق د. عماد الدين أبو غازي صيحته بأن تتولى الجمعيات الأهلية تنظيم المهرجانات السينمائية والابتعاد بها عن إشراف وزارة الثقافة بكل ما تحمله الوزارة من مهمات وأن تكتفي بالدعم، الجزئي غالبا، أسس عدد من مثقفينا ونشطائنا جمعيات ظاهرها خدمة الثقافة ونتاجاتهم وباطنها الحرية فى تنظيم مهرجان، المنتقدين للتزاحم على الحصول على موافقة من اللجنة العليا للمهرجانات أسموها سبوبة  المهرجانات، كل مجموعة أسست كيانا لتتولى مسئوليئة إقامة مهرجان، وحين تعاركت جمعية مهرجان القاهرة التي أسسها الناقد يوسف شريف رزق الله ومعه ماجدة واصف وآخرين، مع جمعية كتاب ونقاد السينما على مهرجان القاهرة، عاد المهرجان إلى الوزارة لتتولى تنظيمه بتعيين رئيس له، ومدير فنى، يقومان بدورهما بتعيين باقى فريق عمل المهرجان ولابد من الحصول على موافقة الوزارة – عبر كبار موظفيها – على كل التفاصيل. واكتفت الجمعية المنافسة بتنظيم مهرجان الإسكندرية الذى يطلق عليه مهرجان الفضائح ومع ذلك يستمر بنفس منظيمه وضيوفهم الثابتين، والمهرجانان الكبيران – لأنهما الأقدم - القاهرة والإسكندرية مدعومان بالكامل من وزارة الثقافة، ولهما ميزانية ثابتة مخصصة لهما كل عام ، مهما كانت الدورة ناجحة أم فاشلة.
تحكم الشللية المناخ الثقافي في مصر، وتسود قاعدة أهل الثقة على أهل الخبرة، ليس فقط في الكيانات الرسمية التابعة للحكومة، ولكن أيضا فى الكيانات الخاصة التي يديرها أفراد. هنا يكون مجموعة " مؤسسة نون للثقافة والفنون" لها محاسيبها-  وأحسبني منهم - ، ومجموعة " مؤسسة شباب الفنانين المستقلين" لها محاسيب آخرون. لا معايير موضوعية تحكم الكيانات التي تنظم مهرجان الأقصر للسينما الأوربية مع المصرية ثم العربية، ولا معايير تحكم الكيان الذي ينظم مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، كل مع شلته لضمان عدم انتقاد الأداء والاستمرار في توهم ( نجاح الدورة كذا ..) فمن سيخرج عن القطيع سيحرم من الدعوة والفسحة والانضمام إلى الشلة. ظل السيناريست سيد فؤاد منزعجا من إقامة مهرجان يحمل اسم الأقصر خلافا لمهرجانه الذي يرأسه، فهل ارتاح حين نقلت مؤسسة نون مهرجانها إلى شرم الشيخ تلبية لطلب وزير الثقافة ومحافظة شرم الشيخ لتنشيط السياحة بالمدينة التي تقع بجنوب سيناء ؟ هل خلا له المجال فقدم دورة ناجحة أقبل عليها جمهور مدينة الأقصر، أم بقي الحال كما هو، متابعوا الأفلام هم ضيوف المهرجان المدعوين من القاهرة ومن البلدان المشاركة بالفعاليات!. تم انتقاد نقل مهرجان الأقصر للسينما العربية والأوربية إلى شرم الشيخ لعدم وجود سكان يمكنهم المتابعة، فهل يتابع سكان الأقصر المهرجان؟ فلم إذن تقام مهرجانات وتنفق نقود أولى أن تذهب إلى الإنتاج، هذا ما يتم ترديده ولكن بمتابعتي لمهرجانات في بلدان مختلفة سواء في إيطاليا أو في المغرب لا يحضر أهل البلدات الصغيرة العروض وكأنه حدث خاص بمنظميه، وخاصة فى حال الاهتمام بالفيلم التسجيلي والقصير الخاليان من النجوم الجاذبة للسكان. حضرت بإيطاليا في بلدة صغيرة اسمها ( ماتيرا) مهرجان اتحاد الجمعيات السينمائية ينظمه اتحاد اتحادات نوادي السينما في كل بلد، لا يحضره أهل المدينة المليئة بالكنائس حتى أن أجراس الكنائس لا تتوقف بها، بها صور بازوليني أغلب أفلامه، يباع بها صورة له بالمدينة ،  كما صور ميل جيبسون مشاهد كثيرة لفيلمه " آلام المسيح" بها ، علمت أن المدينة تلقت دعما من الاتحاد الأوربي لتجديدها وتنشيط السياحة بها، طبيعتها توحى بعصور قديمة وكان مكان إقامة المشاركين بالمهرجان في كنيسة تحولت إلى دار ضيافة وبها حجرات صغيرة جدا ومطعم لا تعمل به سوى فتاتين ورجل واحد وجدته يقوم بكل شيء حتى إصلاح السباكة ببيت الضيافة الكنسي هذا، مهرجان اتحاد نوادي السينما مهرجان صغير، تونس نشطة جدا بهذا الاتحاد نظرا لعراقة اتحاد نوادي السينما بها الذي أسسه الرائد الطاهر الشريعة، يركز اللقاء على تبادل الخبرات بين ممثلي الجمعيات وتعقد حلقات بحث حول قضايا التثقيف السينمائي فى البلدان المختلفة. كما حضرت بإيطاليا أيضا مهرجانا صغيرا بمدينة باري يستضيف مديره الجمعية العمومية لاتحاد الصحافة السينمائة الدولية (الفيبريسي) في اجتماعهم السنوي نظرا لصداقته الشخصية مع السكرتير العام للفيبريسي الناقد الألماني كلاوس إدر، خلافا لجلسات اجتماعات الفيبريسي حضرت العروض التي وجدت عليها ترجمة إنجليزية وعددها نادر بين أغلب أفلام بدبلجة إيطالية، نعم دوبلاج وليس ترجمة مكتوبة، ولهذا يحضر أهل البلدة وتمتليء بهم القاعات. بديهية أن غير المتخصصين يرغبون في الاستمتاع بفيلم معروض بلغتهم دون مشقة لا ندركها بمصر ونصرخ لماذا ينصرف الجمهور عن عروض الأفلام، بدون ترجمة عربية لا يمكن للجمهور غير المتخصص أن يقبل على الأفلام وإذا كانت الترجمة غير ممكنة فلننسى إذن محاولات جذب الجمهور ولنفكر في صيغة أخرى للتظاهرات السينمائية في مصرنا الفقيرة كما يدعون.
الحل أن تتحول المهرجانات إلى صيغة المؤتمرات العلمية التي تهدف إلى تنشيط الحوار بين صناع الأفلام وبين النقاد، مؤتمرات تقدم فيها حلقات بحث وموائد مستديرة لمناقشة قضايا الصناعة وإمكانية تضييق المسافة بين ما هو فني للخاصة وما هو شعبي يقبل عليه الجمهور العريض، إن صيغة المؤتمر السينمائي الذي أعرضه يتضمن بجانب حلقات البحث ورشا لتطوير سيناريوهات طويلة وقصيرة، وأخرى تدريبية في مختلف فروع الفيلم السينمائي، وحلقات بحث لقضايا تخص النقد السينمائي وقضايا الصحافة السينمائية، مؤتمر سينمائي جاد لا يقل في تخصصه عن مؤتمر طبي أو مؤتمر للعلوم الزراعية.
والما فائدة؟ يحتاج الصحفيون المتابعون للأفلام إلى تثقيف ليتمكنوا من الكتابة عنها بشكل متخصص، ويحتاج ممارسوا المهنة إلى تطوير أدواتهم وإلى تبادل الخبرات حول ما وصلت إليه التقنيات الحديثة والنظريات الفنية في فن السينما. نحتاج مؤتمرا سينمائيا يدعم تجارب الشباب الجدد ويساهم فى توحيد صفوفهم لتكوين تيار يحدث تراكما في وعي المشاهدين فيقبلون على أفلام فنية ويذوب الحاجز بين ما يمتع الجمهور العريض وبين ما تقبل عليه النخبة المثقفة.  
الصيغة التي أقترحها موجودة بشكل جزئي في كل مهرجان مصري، المختلف عما أطرحه أن تكون هي الأساس والمتن، بجانب عروض الأفلام التي لا ترتبط بالضرورة بمسابقات وجوائز ولا بحضور نجوم يسيرون على سجادة حمراء ويعتبر عدم حضورهم فشلا للمهرجان، بل يكون الفشل أن الحدث أقيم ولم ينتهي إلى أي نتائج ملموسة، كتبا جديرة بالمناقشة، حلقة بحث لها مخرجات باقية وتصب في دعم الفن السينمائي و توحيد جهود صناع الأفلام ومنتقديها ومتلقيها في رفعة الفن السينمائي ودعم أصالته.

أنحاز إلى مهرجان الإسماعيلية للسينما التسجيلية والقصيرة، بداية من أسلوب اختيار الأفلام بما يسمى لجان المشاهدة، المكونة من أعضاء ممن شاركوا في صنع سينما تسجيلية ونقاد مهتمين بالنوع، فهذا المزيج يكون قادرا على الحكم بشكل معبر عن جماليات الفيلم وعلى رسالته الموضوعية ، منذ الدورة التي بدأها المخرج محمد كامل القليوبي رئيسا والناقد أمير العمري مديرا فنيا ثم أكملها الناقد علي أبو شادي رئيسا، باعتبار أن رئيس المركز القومي للسينما يرأس مهرجان الإسماعيلية الذي ينظمه المركز تم تأسيس بنية عامة لمهرجان يؤدى دوره في التنبيه بروائع السينما التسجيلية والقصيرة على مستوى العالم . في هذه الدورة عام 2001 كان المكرم المخرج الأرجنتيني الكبير ميجيل ليتين ورأس لجنة التحكيم أيضا، أقيمت ندوة دولية كبرى، شارك بها نقاد ومخرجون من العرب والعالم. كانت بقصر ثقافة الإسماعية القاعة الكبرى لعروض المسابقات وقاعة الندوات للندوات والعروض الموازية، زخم من العروض التي يقام بعدها مناقشة مع صناع الأفلام التي عرضت ، غالبا ليس كل ماعرض يكون صانعه موجودا، ولكن الحضور ممن شاهدوا العروض مجبرين على النتظار لأن الأتوبيس لن يغادر إلا بعد انتهاء المناقشة حاملا الجميع حيث مقر واحد يجمعهم فى مكان واحد يقام بحديقته عروض مفتوحة بعد العشاء. هذا المناخ الديمقراطي والمتقشف كان مفيدا لجدية المهرجان حتى أن المخرج الفلسطينى ميشيل خليفي أسماه جوانتاناموا سينمائي يعتقل فيه الضيوف القادمين مع أفلامهم مع النقاد العرب والمصريين في صحبة كبيرة يؤطرها ما كان يضفيه الفنان الكبير صلاع مرعي بحفلاته المسائية مع الفرق المحلية بمزمارها البلدي وغنائها الشعبي ورقصات التنورة، يحضر صلاح مرعي مشروبا على نفقته يقدمه للضيوف الأجانب في أكواب بلاستيكية ليخفيها عن أعين الموظفين ممن يحكمون على الآخرين ولا يراعون اختلاف الثقافات. دورات الإسماعيلية  تراوحت بين الامتياز والجودة ، أعلاها عندما كنا ندخل فيه حجراتنا فنجد مطبوعات المهرجان في شكل جميل على سرائرنا، ونجد برنامجا يوميا معلقا بكل التفاصيل، تصلنا مكالمات على غرفنا بموعد انطلاق الأتوبيس لننتقل حيث العروض التي تقام في موعدها تماما. نعاني أحيانا من منغصات يسببها موظفي الهيئة العامة القصور الثقافة حيث تتم العروض، أو من تعطل آلة العرض السينمائي وعدم جودة العرض مما يزعج أصحاب الأفلام، بعض المنغصات كنا نعترض عليها فيتم تجاوزها، مهرجان حضوره مشقة للمهووسين بفنون السينما ولكنها مشقة المتعة بجمال الفن والصحبة السنوية، مع توفيق صالح وأحمد الحضري، يعقوب وهبي وفوزي سليمان، هاشم النحاس وعلي الغزولي، نبيهة لطفي وفريال كامل ومنى الصبان، الناقدة سهام عبد السلام وكاتبة هذه السطور، هالة جلال ومساهمتها بما تقدمه سمات للمهرجان، المخرجين سمير عوف وفؤاد التهامي وسعيد شيمي، كبار النقاد من مصر والعالم العربي، سمير فريد كمال رمزي، ابراهيم العريس ، ومع السنوات تنضم أجيال من صناع السينما التسجيلية والقصيرة ونقادها المتخصصون، مؤتمر سنوي جامع للسينمائيين نقادا ومبدعين، وصل إلى أعلى دوراته منذ فترة، أصدر فيها نشرة يومية تعاون على إصدارها المهرجان مع المحافظة، وحررها أدباء وسينمائيون، أحمد رشوان وحمدي أبو جليل كل هذا بقيادة الناقد علي أبو شادي، ولأن العبرة بالبدايات بقي مهرجان الإسماعيلية برغم تحولات السياسة وتنوع القيادات المهرجان الراسخ الأكثر جدية وتنظيما والمرشح المثالي لكي يكون مؤتمرا سينمائيا جامعا مناسبا لما تحتاجه مصر. 
عن مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوربية 
وجدت هذه المقدمة ضرورية لعرض فعاليات مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوربية الذي نظمته جمعية نون للثقافة والفنون وسمي (الأول) لأن المدينة المقام بها  تغيرت من الأقصر إلى شرم الشيخ ، عمليا هي الدورة الخامسة لمهرجان تقيمه جمعية أسسها ورأسها المخرج والباحث الكبير محمد كامل القليوبي ومعه أعضاء الجمعية المخرج داوود عبد السيد، د. ماجدة واصف، الناقدة ماجدة موريس ، مدير التصوير وديد شكري والصحفي جمال زايدة الذي رأس دورة مهرجان شرم الشيخ وبذل مجهودات كبرى ليقام في موعده رغم الارتباك الحادث لرحيل د. القليوبي،  ونظرا لتراجع وزارة السياحة عن دعم المهرجان ورفض استضافة الصحفيين بحجة أنهم يهاجمون الوزارة. باتصالات زايدة وجهوده حصل على دعم من رجال أعمال قدموا الدعم المطلوب لاستكمال دعم وزارة الثقافة الراغبة  بشدة في إقامة فعاليات ثقافية متنوعة بالمدينة الواقعة جنوب سيناء لأهداف سياسية لا تخفى على أحد. بعد نجاح الناقد أحمد حسونة  في إدارة أسبوع النقاد الدولي أحد البرامج الموازية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي لثلاث سنوات متتالية، أسندت إليه الإدارة الفنية لمهرجان شرم الشيخ ، فقدم برنامجا ناجحا بأفلام جيدة، أقيمت في موعدها دون أي خلل سواء في مسابقة الأفلام الطويلة أو القصيرة ، يتخلل العروض عروض لأفلام المكرمين، أقيمت بين الفترتين الصباحية والمسائية مما استحال معه متابعتها وإلا فاتتنا أفلام المسابقة، عن نفسي كنت شاهدتها وقت عرضها بالقاهرة في الستينيات حيث كانت الحركة السينمائية نشطة جدا فى تنظيم أسابيع أفلام فنية رفيعة المستوى، منها أفلام " ربيع براغ " التي تم عرضها الاستعادي بشرم الشيخ، وكان طلاب المعهد العالي للسينما ودارسي الفنون هم من يجب تواجدهم في هذه العروض تحديدا وهو ما لم يحدث، لماذا؟ لأسباب غير واضحة لم تنجح إدارة المهرجان في التنسيق بين المعاهد الفنية لطلاب السينما ليحضروا ويلتزموا بالعروض والمناقشات، وأتصور أنها مسئولية مشتركة بين عميد المعهد وبين المهرجان، كل يتحمل جانبا من إخفاق عدم استفادة الطلاب من البرنامج الطموح جدا الذي أعده المدير الفني الناقد أحمد حسونة.
مسابقة الأفلام الطويلة 
افتتحت دورة المهرجان بفيلم " فرانتز" تأليف وإخراج فرنسوا أوزون، الفيلم إنتاج فرنسي ألماني في إطار من الميلودراما حول ضرورة التسامح والتعايش بين الشعوب بعد الحروب، دراما محببة بها جوانب إنسانية جعلت عنوان دراسة لد. وليد الخشاب " في مديح الميلودراما " حاضرة في ذهني أثناء المشاهدة ، لم أستطع أن أمنع نفسي من قراءته بإسقاط سياسي على العلاقة الحالية بين ألمانيا وفرنسا في ظل الاتحاد الأوربي المهدد بالانهيار بعد انسحاب انجلترا منه، العودة إلى ما بعد الحرب العالمية وتناول قصة الجندي الفرنسي الذي يحضر إلى ألمانيا، ويضع زهورا على قبر جندي ألماني سيتبين أنه اضطر إلى قتله لحظة تلاقي الجيشان( يا قاتل يا مقتول) ، وفي صياغة ميلودرامية يتقرب الفرنسي من أسرة الجندي الألماني ويتحول رفض الأب للفرنسي إلى محبة ، بل ويتمنى هو والأم أن يرتبط بخطيبة ابنهم ويسعون إلى تمهيد الطريق لحدوث ذلك. الميلودراما كما يعرفها د. وليد الخشاب : " يشمل المصطلح أي عمل فني يثير مشاعر الحزن أو الفجيعة عن طريق المبالغة في رسم وصف مسببات الحزن وعن طريق وضع " الخير" في مواجهى مع " الشر".  (يلخص المنظر الأدبي بيتر بروكس مفهوم الميلودراما في كونها " صيغة المبالغة "... والمفهوم ضمنا أننا بصدد المبالغة في العواطف وخاصة ما يثير منها الشجن أو الحزن) د. وليد الخشاب . إذن هي نوع سينمائي وليست نقيصة يرفضها النقاد حيث ارتبطت في مصر بالمخرج حسن الإمام الشهير بأفلامه الحافلة بالمآسي والتي يقبل عليها الجمهور العريض . لم أجد فيلم فرانتز مناسبا لافتتاح المهرجان، فقضيته لا تمسنا بشكل مباشر حتى لو تجاوزنا التفاصيل وقرأناه على أنه دعوة إلى التسامح، وإن كنت أجد الفيلم الجزائري " ما زلت أختبيء لأدخن" الأقرب للافتتاح نظرا لأننا في عام المرأة ولتزامن المهرجان مع يوم المرأة العالمي. الفيلم أخرجته ريحانة الجزائرية العائشة في فرنسا يطرح أفكارا تم تناولها في أفلام نسوية عربية ومصرية خاصة حين تكون مدعومة من الغرب. امتلأ الفيلم بالمبالغات والكليشيهات حول قضايا المرأة ، وإن كان إرجاعها لسنوات التسعينيات في الجزائر لها ما يبررها. بطلة الفيلم قامت بدورها الممثلة الفلسطينية العالمية هيام عباس، اتسم أداؤها بالمبالغة والعصبية على وتيرة واحدة دون أن يتنوع مزاجها بل كانت تجري وتصرخ طوال الوقت وبالطبع تتحمل المخرجة مسئولية هذا الأداء. حظيت ريحانة باهتمام المهرجان إدارة وحضورا نظرا لتواجد مخرجته ولموضوع الفيلم، وقد وجدته لجنة التحكيم جديرا باقتسام الجائزة البرونزية مع الفيلم التونسي "غدوة حي " وعن نفسي فقد وجدته فيلما مدعيا كادعاءات المثقفين، به من التنميط الكثير، وسينما مباشرة تجمع بين متطلبات السوق ببطلاته الجميلات والتركيز على دورهن في الثورة، وبين محاولة طرح أفكار تبدو نقدية أو ثورية . في الندوة التي تلت عرض الفيلم مع المخرج  لطفي عاشور انشغل الجميع بمحاولة فهم التعبير التونسي " غدوة حي" الذى يعنى " إذا عشنا لبكرة " أو " انشاء الله " حين تقال بشكل يائس.

أما الفيلم الفنلندي " أسعد يوم في حياة أوللي ماكي" الذى حصل على عمود الجد الفضي جدير بالجائزة نظرا لطرحه مفهوما إنسانيا شديد الرقة، منحازا لاختيار بطله الملاكم الرياضي في تفضيل حياته مع خطيبته وانشغاله بها أكثر من التركيز على الحصول على البطولة التي كانت تعني الكثير لراعيه وللشعب الفنلندي في فترة اختارها المخرج عائدا بنا إلى زمن صنع البطولات القومية حيث يتبنى فنلندي وطني بطل الملاكمة الشعبي ويعمل على أن يجعله يحصل على البطولة أمام الأمريكي الأسود الذى حاز البطولة في النهاية. حافظ المخرج على روح الفترة واستخدم الأبيض والأسود مما جعلنا نتلقى الفيلم وكأنه صور فعلا في الأربعينيات. الانحياز للقضايا الإنسانية كان واضحا في اختيارات لجنة التحكيم المتوجة بجائزة عمود الجد الذهبي للفيلم المجرى " ليس الوقت مناسبا" الذي مثل تحديا لمخرجة بحبس أبطاله في مكان واحد حيث منزل أسرة مزدحم بالتفاصيل، تحمل عراقة الأصل في تضاد مع الفاقة التي يعاني منها البطلان العائدان من إخفاق بالعمل في الخارج ومعهما ابنة مراهقة، يحلان ضيوفا على أخت الزوجة وزوجها وطفلهما المشاكس. كون المخرج ثنائيات حوارية بين العائدة وزوجها، ثم بين الرجلين، ثم بين الأختين، ومشاكسات بين المراهقة والطفل، نجح في حبس أنفاس المشاهدين مع اختفاء الطفل وهو يداعب والده فنتوتر معه، هل سقط من النافذة ؟ صاغ المخرج مواقف تجمع ثنائيات تسمح بمعرفة مكنون الشخصيات والتركيز على صراعها الداخلي مع تنوع الأجواء داخل الفيلم بتفاصيل الحياة اليومية ، كتناول طعام، أو حضور عرض مسرحي يشارك به الطفل الذي ارتبكت حياته بظهور الضيوف. فيلم صعب ومجهد يمتلأ بالحوار وبالتالي يحتاج منا تركيزا عاليا لمتابعة الترجمة وقراءة دلالات الصورة، ويبدو أن لجنة التحكيم التي رأسها المخرج التشيكي الكبير ييري منزل وضمت في عضويتها  مؤلف الموسيقى الفيلمية المصري تامر كروان قد انحازت لعمق السينما الجديدة في تناولها الإنساني للشخصيات بعيدا عن القضايا الكبرى المباشرة . بينما اختارت لجنة تحكيم جمعية نقاد السينما المصريين عضو الفيبريسي فيلم " جلوري " من رومانيا عن الفساد السياسي من خلال شخصية عامل في السكة الحديد يجد أموالا مبعثرة فيسلمها للسلطات التي تستغله من خلال شخصية مديرة مكتب الوزير الفاسد،  الفيلم ممتع ويعيد إلى الأذهان مجموعة أفلام التحقيق السياسي التي استمتعنا بها قديما. تكونت لجنة تحكيم النقاد من أسامة عبد الفتاح رئيساوعضوية كل من رانيا يوسف وخالد محمود، لجنة تحكيم النقاد أصبحت تقليدا بدأ بمهرجان الإسماعيلية ومستمر الآن مع مهرجانات أخرى محلية قابلة للاتساع في ربوع القطر المصري.
عشرة أفلام روائية طويلة تميزت في مجموعها ومنها المصري " علي معزة وابراهيم" الذى عرض كآخر فيلم بالمسابقة وأرجح أن اللجنة كانت اتخذت قرارها بالجوائز قبل عرضه وحسنا عدم المجاملة . كما عرض عشرون فيلما قصيرا تنوعت بين الروائي والتسجيلي بعضها تميز جدا وخاصة فيلم لمخرجته السويدية لعائلة روسية وصياغتها الجديدة لفيلم عن الذاكرة بشكل فني بديع. ، خلافا لأفلام تكريم المخرج ييري منزل وخاصة فيلم " قطارات تحت الحراسة المشددة" خلافا لندوة كتاب سينما الشعر للناقد الجزائري عبد الكريم قادري ناقشه المخرج سيد سعيد وكان قدم قراءة للمخرج كامل القليوبي ومشروعه السينمائي بندة أخرى، وكانت الدوة الأمتع والأكثر حميمية ندوة المكرم ييري منزل الذى أضفى عليها من روحه المرحة وثراء تجربته متعة تساوت مع متعة مشاهدة أفلامه ومجايليه ميلوش فورمان وفيرا كيتيلوفا صاحبة ماركيتا لازاروفا البديع.
لا تنجح المهرجانات بمنظميها فقط ، بل تنجح بالمشاركين فيها، صناع أفلام، نقاد وصحفيين وعلى قدر اهتمامهم بالسينما فنا وتاريخا، عمليا ونظريا، على قدر تفاعلنا ينجح الحدث الذي أتمنى أن يأخذ صيغة المؤتمر السينمائي لفائدة صناع السينما ونقادها على السواء . 

صفاء الليثي 

نشر بالعدد العاشر من مجلة الفيلم رئيس التحرير سامح سامي رئيس تحرير تنفيذي حسن شعراوي

Tuesday 4 April 2017

سمير فريد والمخرجات العربيات



سمير فريد محامى المبدعات
وكبير قضاة فن السينما

" إلى اسم صديقتى المخرجة والكاتبة نبيهة لطفى (1937-2015) هكذا يهدى سمير فريد كتابه، أفلام المخرجات فى السينما العربية ، كنت شاهدة على العلاقة الجدلية التي ربطت بينهما، نبيهة المقدرة والمعجبة تنتقده دائما وجها لوجه وهو يقابل نقدها بابتسامة ودعابة، مخرجة وناقدة أيضا مع ناقد تفرغ كلية للنقد السينمائي ، منحه كل وقته ومنحه النقد التقدير الذى يستحقه وآخرها تكريم مهرجان برلين بمنحه جائزة كاميرا البرلينالي عن دوره فى النقد السينمائي كأول ناقد عربى يحصل على هذا التكريم.
يبدأ فريد كتابه بمقدمة عن نوعي النقد، الأول المباشر فور عرض العمل الفني والثاني نقده بعد فترة وإعادة اكتشافه، يؤكد أنه لا تراتبية بينهما ولا بديل لأحدهما عن الآخر. يميل فريد دوما إلى تحديد المفاهيم والدقة فى ذكر تاريخ ما كتب لأهميته لتحديد الفوارق بين نقد المراجعات السريعة وبين نقد الدراسات . وينتهى إلى أن الكتاب يضم ملامح نقدية مع أفلام المخرجات فى السينما العربية طوال 30 سنة من 1985 إلى 2015. بادئا بالبحث المعنون صورة المرأة فى السينما العربية مستعرضا فيه مراحل تطور السينما وتطور الحركة النسائية فى مصر، مستشهدا بما كتبته الدكتورة سامية الساعاتى من أنه مادامت الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعاصرة باقية كما هى عليه، فإن المكانة الجتماعية للمرأة المصرية المعاصرة ستبقى كما هى عليه أيضا، ثم يؤرخ سريعا لدور المرأة فى التمثيل والإخراج والإنتاج وكيف أنهن انتزعن فرصة الإخراج بالإقدام على الإنتاج لأنفسهن. يمضى الناقد فى دراسته مستعينا بالعديد من المراجع بلغت 19 مرجعا مركزا على المرأة فى السينما المصرية مع المرور عليها فى أفلام عربية.

وباستعراض عناوين مقالات الكتاب المجمعة ومنها ، من عزيزة أمير إلى إيناس الدغيدى، الذى ينتهى بأن عنوان فيلمها " الباحثات عن الحرية " عنوان يدل على موضوعه، فلا توجد فى مصر والعالم العربى اليوم مشكلة أكبر من مشكلة البحث عن الحرية للنساء والرجال معا. آراء سمير فريد قاطعة ودائما هناك ربط بين العمل الفنى أو الموضوع الذى يتناوله بالسياق السياسى والجتماعى المعبر عن وقت صدوره بحيث تصلح مقالاته لدراسة عن علاقة المنتج الفنى بقضايا الوطن فى مرحلة ما. وليس أدل على ذلك إلا من تكرار كلمة صورة المرأة العربية فى عناوين أكثر من مقال . يقدم فريد المخرجة جوسلين صعب ويصغها بأنها لبنان الحقيقية عبر عرضه لفيلمها " غزل البنات" مقال مكثف عن لبنان والسينما وجيل الحرب الذى أدهش المخرجة وحاولت التعبير عنه. بالطبع يذكر تاريخ نشر المقال فيقدم للقاريء المتخصص خدمة تفيد فهم الرأى فى سياقه التاريخى. تمضى العناوين وأتوقف عند مقاله عن فيلم أسماء البكرى "شحاذون ونبلاء " الذى يصفه بمحاولة لتجسيد الأفكار المجردة، كتبه عام 1991 بعد عرض الفيلم ولكنه عدله بعد رحيلها مباشرة ويبدأه بالتعريف بها، تخرجها من الآداب وعملها مع يوسف شاهين، وينتهى فيه إلى عرض فكرة مدى صلاحية النص الأدبى للتعبير عنه فى السينما، فى رأيه أن رواية ألبير قصيرى لا تصلح للسينما لأنها لم تصل بعد للتعبير عن الأفكار الفلسلفية المجردة إلا فى عدد محدود من الأفلام ومخرج واحد هو اندريه تاركوفسكى. سمير فريد لايكتب فقط من أجل ممارسة النقد بل يقوم مع كل مقال بمساندة العمل وخاصة إذا صادف تعنتا من سياسة التوزيع وما أسماه مهازل دور السينما فى مصر فعن فيلم هالة خليل قص ولصق كتب أنه محاولة للخروج من النفق المظلم الذى تعيش فيه السينما المصرية منذ عقد من الزمان. وينتهى إلى القول ، هذا فيلم حقيقى ومصرى حقيقى وسينما حقيقية ، جريدة الجمهورية 2007 . ساند سمير فريد طالبة معهد السينما هبة يسرى  وفيلمها المهنة امرأة حين منعته عميدة المعهد من العرض وكانت مقالته القوية فى جرية المصرى اليوم أكتوبر 2005 عاملا للانتباه إلى فيلم وصفه بأنه عمل فنى وإبداع يأتى بالحرية وليس بالمنع. ويستمر فريد فى تناول أفلام قصيرة علامات فى هذا النوع الذى برزت فيه مخرجات عديدات منهن مخرجة أسانسير المستقل هديل نظمى، حتى أنه كتب مقالا تعريفيا بالفيلم وبحركة السينما المستقلة ثم مقال مساندة ضد منع الفيلم الذى حصد جائزة بالخارج بينما منعته عقليات أمنية فى الداخل فكان مقاله القوى الأسانسير بين ذهب روتردام وسيف الأمن . وهكذا يمكنك من قراءة عنوان المقال أن تستنتج ما يهدف إليه وتتحمس لقراءة المرافعة التى يقدمها محامى المبدعين القدير الناقد السينمائى سمير فريد .  تجده يصف فيلم المخرجة تهانى راشد " البنات دول " بأنه حدث فى السينما التسجيلية المصرية ، ويتابع بالدفاع عما أسماه شرف السينما التسجيلية. ينتهى إلى الربط بين تهانى راشد وهبة يسرى رغم الختلاف العمرى ، فهما ليستا من الجيل نفسه ولكنهما من الاتجاه نفسه الذى يجعل للكاميرا عينا ثاقبة تكشف المستور وتنبه وتحذر . الكتاب بقطعه الصغير شديد الدسامة يربطه نسيج واحد من النتصار للفن الجيد والتنبيه إلى صناعه، فيلم واحد صفر الذى يصفه بأنه حدث يعلن مولد كاتبة جديدة  ومخرجة كبيرة، مريم نعوم وكاملة أبو ذكرى. و"هرج ومرج " علامة جديدة للسينما المصرية المستقلة ومخرجته نادين خان . ينتهى الكتاب بمقال عن فيلم المخرجة هالة لطفى " الخروج للنهار" وصورته على الغلاف تعنى مقدار تحمس فريد لفيلم وصفه بأنه تحفة من روائع السينما تتاح لجمهورها فى مصر . ويذكر أنه شاهد الفيلم أثناء المونتاج ، وفى عرضه العالمى الأول قبل عرضه العام بالقاهرة فى سينما زاوية ويصفها بأنها أروع زوايا السينما فى مصر . مقالات سمير فريد درس فى المراجعات ، كيف يورد المعلومات والرأى ، وكيف يصرح بانحيازه، سواء للعمل أو لصاحبة أو حتى لسياسة التوزيع التى تحمست لعرضه فى لغة مكثفة تعكس خبرة الكتابة فى الحافة التى يقدرها والتى تفخر بانتمائه لها صحفيا متخصصا فى النقد السينمائى، يعرف الفارق بين مقال يكتبه بحماس وفى عجاله وقيمة دراسة متأنية أو مقالات تالية بعد مشاهدات عدة كما مقالاته المتتالية عن " الخروج للنهار" كل بزاوية مختلفة تعكس فهما لفن السينما وانحيازا للراقى منها.
انهض فلن تفنى ، لقد نوديت باسمك، لقد بعثت، شادى عبد السلام فى المومياء الذى عرض بفينيسيا عام 1970 ومنذ اللحظة تصادق المبدع والناقد فى علاقة ندية يحتاج فيها كل منهما الآخر، تاريخ طويل قطعه سمير فريد متابعا لأفلام السينما مصرية وعربية وعالمية، محاميا عن روائعها وعن قضايا صناعها. 

بقلم: صفاء الليثى
نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 4 ابريل 2017 رئيس التحرير سيد محمود