الاثنين، 31 ديسمبر 2012

مقال عن كتاب تكريم زانج ييمو بمهرجان القاهرة 35

                         زانج ييمو: فتى الصين العظيم
                   كتاب تكريمه من إعداد وترجمة
                        د: سهام عبد السلام
 

واحد من أهم كتب التكريم لشخصية سينمائية قديرة صدر عن مهرجان القاهرة فى دورته الخيرة، حالت الظروف السياسية لمصر فى ذاك الوقت من أن تحظى ندوة تكريمه بالاهتمام الذى يستحقة فنان كبير مثله، فى ندوته وجدناه يتحدث فقط لغته الأم، وتقوم مترجمة بالترجمة إلى الإنجليزية، ليعود إلى أذهاننا الفكرة الصحيحة عن العالمية التى  تبدأ من المحلية، هذا ما ترصده سهام عبد السلام الناقدة والمترجمة وهى تستعرض نشأته الفقيرة بجمهورية الصين الشعبية و تستعرض كونه ابنا لعائلة مضطهدة يشق طريقه بالدم.

يقول زانج ييمو: "اهتمت أفلامي الأولى بجمال الشكل، لكني انتقلت بعد ذلك إلى التركيز على المضمون، وبالذات على العواطف الإنسانية، الدافئة منها على وجه الخصوص.  كثيرا ما أتناول الفلاحين الصينيين في أفلامي، وذلك لأن الصين بلد زراعية أساسا، والقرى الريفية هي قلبها النابض.  كما أني أحب في الفلاحين عواطفهم البسيطة.  أحب أيضا موضوع البحث عن شيء، والكثير من بطلاتي بالذات يسعين بحثا عن شيء ما في محيطهن الاجتماعي أو فيما يتجاوزه.  والبطولة من موضوعاتي المفضلة أيضا، وفيلمي البطل يتميز بالإنتاج الكبير والمزج ما بين العواطف والبطولة، وقد حقق لي مرادي في إفساح مجال للسينما الصينية في عالم الأفلام المسلية ذات الميزانية الكبيرة، وهو الاتجاه السائد حاليا في صناعة السينما" .

 
ولد زانج ييمو في 14 نوفمبر عام 1950 بمدينة خيان في مقاطعة شانكسي بجمهورية الصين الشعبية، كان والده ضابطا في جيش الكومنتانج التابع لشيانج كاي شيك، لذلك صنفت السلطات الشيوعية أسرته في الفئة الخامسة، التي تقع في قاع الفئات ويتعرض أفرادها للاضطهاد.  ولما كان تصنيف أسرة زانج ييمو يعني أنه ابن لعائلة مشبوهة، فقد عانى الكثير في ظل هذا النظام. وأثناء الاضطرابات المتشنجة للثورة الثقافية في ستينيات القرن العشرين. ووصل الاضطهاد إلى درجة اتهام أخ له بالتجسس، وهروب أخ آخر إلى تايوان.  هكذا نشأ زانج ييمو في الصين الاشتراكية، حيث ساد الصراع الطبقي الحياة والأدب. عاين زانج ييمو في هذه السنوات الكثير من المآسي التي رآها تحدث حوله، والفوضى التي كانت تضرب أطنابها في حياة الناس. عاين زانج ييمو في هذه السنوات الكثير من المآسي التي رآها تحدث حوله، والفوضى التي كانت تضرب أطنابها في حياة الناس، لكن عمله بالمصنع أفاده في التعرف على حياة الطبقات الكادحة في الصين، إذ اكتسب ثروة من المعرفة بالناس، والحياة الإنسانية،
 وقلب الإنسان وروحه، أفادته في حياته الشخصية، وطريقة تفكيره وفي أعماله.  يقول زانج ييمو إن الثورة الثقافية فترة خاصة وفريدة في تاريخ الصين والعالم، وإنه ظل يحلم لسنوات بصنع أفلام عن هذه الفترة، لمناقشة معاناة الناس ومصائرهم وعلاقاتهم في عالم كاره للإنسان، ومانع له من التحكم في مقاليد حياته.  لكنه يعترف أن الأحوال السياسية الراهنة في بلده لا تجعل هذا الحلم ممكن التحقيق وعليه أن ينتظر، يشهد على هذا منع السلطات لعرض فيلمه أن تحيا (1994).  وعلى الرغم من كل ذلك، يقول زانج ييمو: "أعرف نفسي، وأعرف أني يستحيل أن أنفصل عن أرض الوطن الذي نشأت فيه .. وسأدين بالولاء للأبد لوطني وشعبي.  أنا فخور بأني صيني، وأهدى أعمالي وكل ما أفوز به عنها من جوائز إلى الصين وشعبها، فهم وطني وأهلي"، فعلاقته بوطنه الأم وحبه لها لا تتأثر بعلاقته بالسلطات الصينية وما تضعه أمامه من عراقيل.
وأثناء دراسته فى قسم التصوير السينمائى فى الأكاديمية التى التحق بها بعد أن باع دمه شاهد زانج ييمو الكثير من كلاسيكيات السينما العالمية، فتنامى حبه للسينما وتحول من مجرد مصور فوتوغرافي محترف إلى عاشق لفن السينما.  كان من بين زملاء دراسة زانج ييمو شين كياج، وتيان زوانج زوانج، وزانج يونزاو، وكلهم صاروا مخرجين بارزين عرفوا باسم الجيل الخامس لمخرجي السينما الصينيين.  شهدت السينما الصينية تجديدا هائلا على أيدي هذه النخبة من المخرجين، فقد صنعوا سينما صينية جديدة شهدت نجاحا ساحقا في جميع أنحاء العالم منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين.  لقد امتلكوا الجرأة على إخراج أفلام مختلفة لينقدوا الصين التي عرفوها، فرفضوا الصبغة السياسية التي سادت الأفلام الصينية في النصف الأول من القرن العشرين، والبطولات الطبقية التي صورتها السينما الاشتراكية الواقعية تحت راية حكم ماو تسي تونج منذ عام 1949.  وما أن مر عقدان على تخرج زانج ييمو حتى صار أحد أهم مخرجي الجيل الخامس، وأشهرهم، وأغزرهم إنتاجا.  ومما يحسب لزانج ييمو أنه دائم التعلم، فهو يتعلم من الحياة ومن ملاحظة الناس، مما يخدمه في بناء شخصياته وصياغة حبكات أفلامه، وهو يتعلم أيضا من أفلام المخرجين الآخرين.  فما أن يشاهد فيلما جميلا حتى يفكر: لماذا لا أصنع فيلما في مثل جودته؟  فيتمعن في تحليل ما يشاهده من أفلام ليعرف كيف توصل المخرج إلى المعالجة التي قدمها على الشاشة، فهو في حالة تعلم دائمة ما دام فن السينما موجودا.  ومن الجدير بالذكر أن زانج ييمو قد منح درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بوسطن (14 نوفمبر 2008) ومن جامعة ييل الأمريكية (24 مايو 2010) ومن جامعة دانكوك بكوريا الجنوبية (31 أكتوبر 2012).
لايمكن تناول أعمال زانج ييمو دون تأمل الصورة والألوان التى تعكس ثقافة الصين وترسم صورة عن الملبس والطبيعة .


لقطة من فيلم لعنة الزهرة الذهبية (2006). الأرضية ذات اللون الأصفر تسود الشاشة مع ظهور الناس عليها كنقاط سوداء وحمراء.  أسلوب استمر مع زانج ييمو في كثير من أفلامه بدءا من بداياته مديرا للتصوير في فيلم الأرض الصفراء.  هذا الأسلوب يستلهم أسلوب التصوير الزيتي الصيني المعروف  باسم أسلوب مدرسة شانج آن. 


لقطة من فيلم أن تحيا (1994). عرائس خيال الظل فن صيني تقليدي لجأ إليه بطل الفيلم ليكسب عيشه بعد إفلاسه.  العرائس تخدم الجماليات البصرية وتؤكد على التواصل مع التراث الثقافي للصين

لقطة نفس عرائس خيال الظل الصينية التقليدية استخدمها زانج ييمو في احتفالات افتتاح الألعاب الأوليمبية ببكين (2008).  يلاحظ الثراء اللوني للعرائس.

ولقطة تعكس جمال العناصر البصرية (يلحظ هنا اللون والحركة) عامل مهم في فنون القتال الصينية، وكذلك في أفلام القتال التي اخرجها زانج ييمو، وهو ما يميزها عن أفلام الآكشن الغربية.  اللقطة
من فيلم منزل الخناجر الطائرة (2004) .

تركز الدراسة على الثراء اللونى في أفلام زانج ييمو الذي ظل من السمات المميزة لجميع أعماله.  يعزو زانج هذا الميل إلى نشأته في شمال الصين، حيث تأثر بالفن الشعبي والبيئة الثقافية في هذه المنطقة التي تحتفي بالثراء اللوني وجمال المرئيات.  يمثل اللون الأحمر مختلف المعاني في أفلام زانج ييمو المبكرة.  فاللون الأحمر بالنسبة لجوي إير بطلة فيلم الذرة الحمراء يمثل اليانج (الذكورة) التي تهيمن على محفة الزفاف، ويمثل الحياة، فالنبيذ الذي يصنع من الذرة البرية الحمراء يعين أسرتها على العيش، ويمثل الموت، فالنار التي تلتهمها في نهاية الفيلم حمراء. وهو ينتقل في فيلمي جو دو وارفعوا المصباح الأحمر ما بين قوة اللون الأحمر إلى هدوء اللونين الأبيض والأسود الممثلين لليِنّ (الأنوثة) والموت وفقا لقواعد الأسلاف التي تنتقل من الأب للابن.
يحتوى الكتاب على تحليل لأفلام زانج ييمو فيتناول البعاد الفكرية ، و المرأة والجنس وشخصيات الرجال ، كما يذكر الكتاب مساهمات  زانج ييمو في عوالم فنية أخرى مثل المسرح والاستعراض إذ لم يقتصر إبداع زانج ييمو على عالم السينما، بل غامر بالعمل بالإخراج المسرحي على خشبة المسرح، وبالمسرح الحي الذي يقدم في الهواء الطلق، كما اختير لإخراج استعراضات وختام دورات الألعاب الأوليمبية في الصين وفي الخارج.  



نشر بموقع الجزيرة الوثائقية الأحد 30 ديسمبر 2012
رئيس تحرير الموقع: حسن مرزوقى

السبت، 29 سبتمبر 2012

مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوربية 17-22 سبتمبر 2012



الأقصر عاصمة العالم وفخرا للمهرجانات المصرية

نجاح ينقصه 

حضور ضعيف لأهالى الأقصر

حين دخل الفاتحون على أحصنتهم قاطعين بحورا وصحارى ووديان فاجأتهم أعمدة المعابد الضخمة  وباحاتها المتسعة، صاحوا بدهشة " الأقصر" معبرين عن دهشتهم لرؤية هذه القصور الشامخة ، تركوها على حالها، احترموا ثباتها ولم يغضبوا لرؤية تماثيلها الضخمة وعلى الأرجح غير معتبرينها أوثانا تُعبد فلا هى من عجوة تؤكل ولا يسهل كسرها بمعدات زمانهم،  بل مضوا فى فتوحاتهم حتى وصلوا من طيبة القديمة التى سموها الأقصر إلى منف التى أصبحت القاهرة التى تقهر أعداءها وتحتويهم فلا يعودوا هادفين لمحوها أو تغيير ثوابتها. وبقيت الأقصر مدينة الآثار والحضارة المصرية القديمة يحافظ عليها أهلها مسلمون ومسيحيون، كل يدين بدينه يجمعهم الإيمان بالله الواحد الذى عرفه أجدادهم . يعيشون على تراث الأجداد متفاخرين به، شارحينه على طريقتهم – حتى ولو بإسقاط حاضرهم عليه- فخورين بمدينتهم الصغيرة ببريها الغربى والشرقى.
 امتدت يد المدنية الحديثة لتكمل جمالها بفنادق فخمة وبمركز للمؤتمرات رفيع الذوق والامكانات، حيث كانت تعرض أفلام المسابقة الرسمية الطويلة وعدد من أفلام القسم الخاص. اكتمل بناء قصرجديد للثقافة حيث كانت تعرض أفلام المسابقة القصيرة، كما كانت الندوات تقام فى قصر بهاء طاهر الذى لم يفتتح رسميا بعد وأقيم قريبا من مسقط رأسه على بعد نصف الساعة من وسط مدينة الأقصر. أزاح مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوربية الغبار عن القاعات وبث فيها الحياة عبر السينما أحدث الفنون، وبأنفاس المصريين القادمين من العاصمة غالبا، مع عدد من أهالى مدينة  الأقصر التى غطت بجمالها على كل ما عداها من مدن شهدت بها مهرجانات للسينما. لمست هذا الجمال فى عروض الهواء الطلق بنادى التجديف حيث أقبل أهالى الأقصر لحضور العروض الخمس لأفلام صورت بالأقصر ولعدد من الأفلام المصاحبة للتكريمات. تشعر وكأنك على سطح مركب ضخم مطل على نيل الصعيد العريض والخلفية من الجبال الصخرية وشريط زراعى بمزروعات خضراء ونخيل قصير القامة. حضرت عرض فيلم " 3 على الطريق " للمخرج محمد كامل القليوبى رئيس مجلسإدارة مؤسسة نون التى تقيم المهرجان وقد سمعت تعليقات الحضور من أهالى الأقصر متسائلين عن مشاكل الطائفية بين المسلمين والمسيخحيين التى عرض الفيلم لبدايتها فى الثمانينيات مندهشين من وجودها منذ 20 عاما. لم يكن الإقبال الجماهيرى بنفس الدرجة على عروض الصباح وخاصة فى الأفلام القصيرة وحتى فى الأفلام الطويلة رغم وجود الترجمة العربية على الأفلام، وهو ما دعا رئيس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة إلى أن  يعبر عن تمنيه أن يحضر الأهالى العروض فى الدورات القادمة، وقد أدلى بهذا التصريح فى ندوة عقدها يوسف شريف رزق الله مع الحاضرين  من مخرجى الأفلام سواء القصيرة أو الطويلة ومع أعضاء لجنتى التحكيم طالبا منهم التعليق وإبداء الرأى على الدورة الأولى، وكالعادة كثرت كلمات الإشادة وندر النقد البناء الذى تركز على مراجعة البرنامج حتى لا تتعارض عروض المسابقة القصيرة مع الطويلة، وإضافة عدد من أجهزة  فيديو لمشاهدة الأفلام التى يتعذر لسبب ما مشاهدتها، ودراسة كيفية حضور طلاب المدارس والجامعات والأهالى العروض بشكل منظم. أغلب الاقتراحات أبداها الضيوف الأجانب حيث  يتمتع الأجانب بشكل خاص بقيمة المصارحة بدلا من النميمة والأحاديث الجانبية كما اعتدنا نحن. عبقت الأقصر بأنفاس الأوربيين الذين جاءوا بفنونهم راغبين فى التواصل والوقوف على حال البلد الذى تصلهم أنباء عن عدم الأمان به، تردد فى كلماتهم سواء فى الندوات أو الأحاديث الجانبية أن البلد أمان وأنهم سيعودون ليصححوا الصورة التى تصل مواطنيهم عنا. ولو لم يفعل المهرجان سوى هذا يكون قد أدى دورا كبيرا فى دعم السياحة التى يعتمد عليها أهل الأقصر كمصدر أساس ووحيد للعيش. لم تكن السياحة صفرا كما توقعنا، بل كانت هناك وفود رغم حرارة الجو ولكنها طبقا للمعدلات التى أخبرنا بها الأقصريون قليلة جدا ولا تتناسب مع المتوقع. لم تكن الزيارة الأولى للأقصر ولكنى لمست حجم التحديث الذى عمل عليه محافظ الأقصر السابق اللواء سميرفرج الذى يشيد به الأقصريون، كما لمسنا من المحافظ  الحالى السفير عزت سعد حماسا مماثلا فى دعم الأنشطة الثقافية، وكان حفل الختام الذى أقامه جامعا للحضارة القديمة ممثلة فى عرض الصوت والضوء لمعبد الكرنك، ومختتما بعروض فرقة الأقصر للفنون الشعبية حيث أدت الفتيات بجانب الفتيان عروضا غنائية راقصة ترتبط بالفن المميز لجنوب مصر والمحبب إلى قلوبنا، أبدعت الفرقة التى تميزت والفرحة والبسمة مرتسمة على وجوهها وكأنهم فى سعادة أن تتاح لهم فرصة التعبير أمام هذا الحشد من ضيوف مهرجان الأقصر الأول للسينما المصرية والأوربية.
الأفلام القصيرة
أربعون فيلما قصيرا عرضت بالمهرجان، كلها بالمسابقة وهو رقم كبير كان من الأفضل الإبقاء فقط على الأفضل منها، لا يذكر الكتالوج لجنة للاختيار وعلى الأرجح أنه مجهود لمنسقة المسابقة القصيرة ميريت ميخائيل، وهى أفلام شديدة التنوع تختلف فى مستواها الفنى وكانت المشاركة المصرية ضعيفة العدد والمستوى ولا تعبر عما حققه فنانى الأفلام القصيرة وخاصة من المستقلين فى مجالهم. ولا أفهم سببا للاكتفاء بمنح جائزتين فقط الذهبية والفضية وعدم وجود جائزة ثالثة برونزية كما فى المسابقة الطويلة، رغم أن صناع الفيلم القصير هم الأولى بالتشجيع. أتفق – جزئيا– مع لجنة التحكيم مع ما ذهبت إليه من جوائز فقد كان فيلم "هناك رجل اعتاد ضربى على الرأس بالمظلة " من مقدونيا أفضل فيلم اهتم به الحضور القليل ولم يجدوا مخرجه ليسألوه عن الفكرة وليعبروا عن اهتمامهم بها. وكان كلوك من أيرلندا معبرا عن سينما خاصة جدا مستمدة من تراث الحكايات الشعبية عن الطفل الذى يحسب نفسه دجاجة ، وقد عبر المخرج من خلالها عن مشكلة أطفال الملاجئ وانتقد قسوة القائمين على إعالتهم. انحازت اللجنة للأفلام التى شطح فيها المخرجون بخيالهم، وخرجت من الجوائز أفلام مميزة كفيلم فى الصندوق من أستونيا والقلب الكبير من بولندا، وأستغرب وجود عدد من أفلام التحريك فى تسابق واحد مع الروائى الحى إذ تتطلب تحكيما منفصلا ويتم تذوقها بشكل مختلف وكانت كلها مميزة وتستحق جوائز خاصة اكتفت اللجنة بمنح الرجل ذو القلب المسروق شهادة تقدير.  أحيانا كنت المتابعة الوحيدة للأفلام القصيرة ومعى مخرجيها ، ولجنة التحكيم التى كانت تشاهد مع الحمهور و، لم أجد حولى أحدا من شباب الصحفيين ليسأل سؤاله الخالد " الفيلم ده عاجبك؟" وكأنهم بالرفض يضعون أنفسهم فى مكانة كبار النقاد والعالمين بالفن الرفيع. أحسب أنهم فضلوا متابعة الأقلام الطويلة، ولكننى أيضا لم ألمح الكثيرين منهم عندما انتهت أفلام المسابقة القصيرة وركزت على متابعة الأفلام الطويلة، جائز حضروهم الذى لم ألحظه، هم نادرا ما يكملون فيلما أو يبقون للمناقشة. أحسد الشباب على ثقتهم  وترفعهم. وأحى زملاء صحفيين ونقاد وأخص منهم ماجدة موريس ومجدى الطيب وطارق الشناوى وأمل الجمل، الذين حرصوا على المتابعة بتركيز وكانوا أكثر تواضعا ولم يسمحوا لأنفسهم بالحكم على أفلام لم يشاهدونها.
الأفلام الطويلة :
 أحد الأفلام الهامة بالمهرجان فيلم " البرتقال والشمس الذهبية " لم يتابعه حتى النهاية سوى المخرج الكبيرداوود عبد السيد والسيناريست هانى فوزى وماجدة موريس والسيناريست فايز غالى وكاتبة هذه السطور وجرت فيما بيننا مناقشة ونحن ننتظر وسيلة الانتقال لمكان الإقامة استمعت فيها بآراء داوود عبد السيد حول الفيلم وبعلمه الغزير. يناقش الفيلم قضية هامة تورطت فيها السلطات الإنجليزية والكنيسة بتهجير أطفال الملاجء دون مراجعة ذويهم للعمل فى السخرة فى استراليا وخاصة فى بناء كاتدرائية. يدين الفيلم بشدة رجال الدين الذين تورطوا فى هذا الأمر والحكومات المتعاقبة. عبر بناء هوليودى لا يخلو من الميلودراما تتبع المتخصصة فى الشئون الاجتماعية خيطا يبدأ بتتبع جذور فتاة لا تعرف أما لها وتصل بجهودها للم شمل هؤلاء الضحايا مع ذويهم وتتكشف الجريمة الرسمية. المخرج جيك لوتشهم ابن المخرج الكبير كين لوتش  صاحب الأفلام التى تتناول قضايا سيسية من وجهة نظر اشتراكية، وهى نفس وجهة نظر المخرج الفرنسى فى فيلمه الهام"جليدكليمنجاروا" الذى توقعنا له جائزة ويناقش قضية الفصل الجماعى للعمال وتصفية الشركات فى النظام العالمى الجديد بأسلوب ينتمى إلى المدرسة الواقعية الاشتراكية التى تتناول بشكل رومانسى قضايا الصراع الطبقى وتنتصر للنضال ضد الرأسمالية حتى لو تم بشكل فردى. حرج الفيلم من سباق الجوائز رغم تمتعه بإعجاب الحاضرين على اختلافهم من مخرجين ونقاد وصحفيين جذبهم الفيلم وقهر تعاليهم. وهو نفس ما حدث مع فيلم باربرا الذى سبقته سمعته بحصوله على الدب الفضى من مهرجان برلين الأخير وأحسبه يستحق الجائزة الذهبية من المهرجان. والفيلم يناقش قضية هامة تتعلق بالقمع فى ألمانيا الشرقية من خلال شخصية الطبيبة باربرا التى تعاقب على طلب خروجها من البلد بنفيها فى إحدى قرى ألمانيا الشرقية. تتغيرحياتها بتعرفها على الطبيب الذى يقبل البقاء فى الشرق رغم كل الظروف لمساعدة المرضى الذين يحتاجونه ومنهم ستيللا الشابة  التى تنجح فى الهرب من معسكر الاعتقال وتمنحها باربرا فرصة السفر للخارج بدلا منها بينما تبقى هى للقيام بدورها الإنسانى مع الطبيب الآخر. الفيلم يتميز بمزجه بين العام والخاص ويالانتصار للدور الإنسانى للطبيب وتحمل المسئولية.
بهذه الأفلام الثلاث بالإضافة لفيلم رحلة إلى البرتغال وفيلم الصندوق من صربيا الحاصلين على شهادتى تقدير بالإضافة للأفلام أخرى شهد الزملاء بتميزها كفيلم الدب وفيلم الابن البار الذى حاز ذهبية المهرجان ومنعنى التركيز فى عروض الأفلام القصيرة من مشاهدتها. ومع فيلم ابنة حارس القبور الذى حاز فضية لجنة التحكيم نكون أمام مجموعة جيدة جدا من الأفلام التى تستحق المشاهدة والنقاش مع صانعيها الذين كان وجودهم بيننا دعما لعلاقات جميلة بين البشر فى عالم يبذل فيه الفنانون جهدا للتغلب على خطايا السياسيين ومشعلى الحروب. وضحت خبرة ماجدة واصف رئيس المهرجان فى جذبها لأسماء هامة من سينمائى أوربا شاركوا سواء فى التحكيم أو فى الندوات وبأفلامهم .
مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوربية الدورة الأولى 17-22 سبتمبر هو ثالث مهرجان يعقد بعد ثورة 25 يناير سبقه مهرجان السينما الإفريقية بالأقصر أيضا فى فبراير وبعده مهرجان الإسماعيلية فى يونيو تشهد بأن السينما نجحت فى التواجد رغم تغير السياسات بل يمكننا القول أن الإحساس بأهميتها قد دعا وزارات الثقافة والسياحة والمالية بالإضافة للمحافظات لدعمها بكل الوسائل الممكنة لتؤدى دورها الثقافى والسياحى والإنسانى فى دعم السلام بين الشعوب.

الأربعاء، 18 يوليو 2012

الطريق إلى الآخر فى مهرجان الإسماعيلية السينمائى الدولى 15


الشعب باق .. والقيادات تتغير
كنا فى حالة من النشوة فرحين بالتفاعل مع فيلم سحرنا بنسيجه الفنى وبنائه المبتكر، وروح محبة تشع من شخصيات الفيلم من القاهرة حتى الصعيد، لاحظت ضيفة أجنبية تبتسم لى يبدو عليها التساؤل عما يجرى، كان النقاش يديره زميلنا فوزى سليمان محتفيا بإحدى شخصيات العمل - وهى  والدة المخرج- غير منتبه للترجمة إلى الإنجليزية للأجانب الحاضرين، ناسيا وجود المخرج، حتى نبهناه نحن شعب المهرجان من النقاد والسينمائيين، واستمر الجزء الأول من الندوة نقاشا مع السيدة سهام ويقوم ابنها نمير عبد المسيح بدور المترجم، ثم بالطبع عاد الأمر إلى صوابه بتوجيه الأسئلة للمخرج الذى كان يجيب بالعربية ثم يترجم بنفسه ما يدور. اقتربت من الضيفة وتعارفنا سريعا، إيرينا من كرواتيا، وأشارت لى فى البرنامج عن فيلمها،أشرت لها عن فيلم أشارك فى مونتاجه أخذت أترجم لها ملخصا لما يجرى، كريستوف زميلها بجوارها شارك فى التعارف والتآلف، بعد العشاء أخبرتنى عن نشوتها البالغة للفيلم وللندوة التى جرت، نعم كما عبر مخرجه نمير عبد المسيح فى حفل الختام فى رسالة المهرجان " جرت ندوة حلوة جدا بعد عرض الفيلم" كانت الندوة هى الجائزة الأولى المدهشة التى تلقاها المخرج وخصوصا بعد تخوفه من رد فعل الجمهور المصرى وتوقعه أن يحدث الفيلم مشاكل عند عرضه. ندوة حلوة مماثلة جرت بعد عرض فيلم إيرينا وتسابقنا" حلاوة الروح The Ornament Of The Soul " للتعبير عن إعجابنا بفيلمها كل يستعرض قراءة خاصة به يتسع لها العمل الراقى بسمو روح شخصيته الكرتونية التى تشبه روح مبدعته إيرينا برانييك جيكيش.
توقعنا له جائزة ولكنها ذهبت إلى فيلم آخر بديع أيضا وأعقد حرفية، يعتمد على شخصية حقيقية لمخترع السينما الأول فنان التحريك الذى صمم جهازا للعرض يشبه ما نعرفه بالكينتسكوب، ورسم حركات متتابعة لشخص يلقى نفسه فى مياه البحر، وفى النهاية وبنفس الكيفية ينتحر فنان التحريك بعدما نسب اختراع السينما للأخوين لوميير. بوجدان فنان شامل من رومانيا التى عاشت استبدادا يشبه نظام مبارك، وثورة خُطفت وعاد النظام السابق، لم تكن ظروف بوجدان المشابهة لظروفنا عائقا أمام إبداعه لفيلم هام فى موضوعه، مبتكر فى استخدام أساليب فنية متعددة لفنون التحريك،  فيلم انبهر به شعب المهرجان ولجنة تحكيمه فمنحته جائزة أفضل فيلم تحريك فى المهرجان.
استحق الفيلم التسجيلى الطويل " العذراء والأقباط وأنا " 82 ق ثلاثة جوائز كبرى أفضل فيلم تسجيلى طويل من لجنة التحكيم الدولية، وأفضل فيلم فى المهرجان من جمعية نقاد السينما المصريين وجائزة صلاح التهامى لأفضل فيلم تسجيلى طويل. وبلغ الإعجاب به مداه مع تشوق النقاد لمشاهدته فى عرض ثان له فى إطار نشاط النقاد يوم الأحد الذى تلى انتهاء المهرجان وشهدت حضورا مكثفا لعشاق السينما التسجيلية من نقاد ومبدعين ، وجرت ندوة ثانية بحضور المخرج " نمير عبد المسيح " ووالده هذه المرة الذى كان يسارع بالإجابة عن الأسئلة بدلا من ابنه. وتغيبت الأم التى كانت نجمة الندوة الأولى التى جرت بقاعة سينما رينساس بالإسماعيلية بعد عرضه فى ختام الفترة الصباحية من صباح الأحد 24 يونيو وهو اليوم الأول للعروض فكانت بداية قوية جعلت الجميع يحرصون على ألا يفوتهم فيلم وخاصة فى القسم التسجيلى الطويل الذى تميزت أفلامه الثمانية على اختلاف موضوعاتها. المخرج نمير عبد المسيح المولود بفرنسا عام  1975 لأبوين مصريين من مسيحى مصر. كان عمله الأول تسجيلى عن والده يبدأ بسؤال الابن له عن ماضيه السياسى فى مرحلة سبقت ولادة نمير، وهى فترة لم يكن الأب يحب الحديث عنها، كان العمل تجربة قصيرة ذاتية طرق بها أبواب الفيلم التسجيلى وبعد عرضه عام 2006 وجد نفسه مشغولا بفيلمه الثانى وظل يكتب له السيناريو ويعد له حتى انتهى منه فقط عام 2012 خلالها تطور الفيلم من عمل موضوعى يناقش حدث ظهور العذراء فى عدة أماكن بمصر ليصبح عملا ذاتيا يخص علاقته بوالدته وأسرتها الصعيدية المسيحية . نشب بينه وبين أمه خلاف حول ظهور السيدة العذراء جعلها نقطة انطلاق لعمل الفيلم. يبدأ الفيلم بتعليق المخرج على صور يذكر فيه أنه مسيحى مصرى ممن لم يتحولوا إلى الإسلام عندما دخل مصر، ويذكر كيف كانت أمه تتفاخر دائما بأنهم ينحدرون إلى الفراعنة من قدماء المصريين. بهذا التعليق يتضح أن نمير يخاطب بفيلمه الغرب الذى يعيش فيه حاليا. أثناء رحلة بحثه كمخرج عن الإجابة نعرف عن طبيعة المصريين – الأقباط_ وكيف يرتبطون بالأم العذراء مريم التى يشبهها سائق تاكسى بأنها مثل الوطن مصر، أم حانية تضم بحنانها كل المصريين. الفيلم قراءة اجتماعية للشخصية المصرية يتجاوز مناقشة حقيقة ظهور العذراء ليكشف عن طبيعة البرجوازية المصرية وعلاقتها بجذورها الريفية. أهم ما فى الفيلم أننا نلمس الحالة الإبداعية من بحث وقلق لنمير كونها جزءا ظاهرا فى العمل وأحد مكوناته الرئيسية. فيلم وثائقى ببناء روائى يصاغ له سيناريو يتغير مع كل مرحلة من الفيلم.
  يستحق الناقد عدنان حسين العراقى المقيم بلندن جائزة أفضل متابع إذ لم يتغيب عن فعالية واحدة ولم يفته فيلم واحد بالمهرجان. وكذا المصرية مريم الخولى المنتشية بجمال الأفلام وكانت فى ندوة الفيلم الكورى " كوكب القواقع" قدرت أن يحصل الفيلم على الجائزة الكبرى بالمهرجان، أيدها عدد كبير من النقاد رغم إحساس البعض ببطء إيقاعه ورؤية البعض الآخر لهذا البطء كتأمل مرتبط بإيقاع شخصياته. 
كوكب القواقع يتناول قصة متحدى إعاقة أعمى وأطرش مع زوجته القزمة الحدباء التى تتفاهم معه بلغة خاصة بالنقر بأصابعها على يديه، يبنى المخرج فيلمه بوحدات مشهدية مشبعة كل منها يوضح جانبا من حياة الزوجين مشهد كيف يغير لمبة النيون بإرشاداتها، ومشهد كيف يستقبلون أصدقاءهم من متحدى الإعاقة على عشاء بالمنزل، ومشهد للتنزه حيث يحتضن شجرة ويواعدها وهى تشجعه، مشهد تعرفه على قطرات المطر وتوجه أصابعه ليشعر بها، مشهد لبروفة على مسرحية قام بتأليفها، ومشهد يمارسان رياضة التزحلق على الجليد، لانملك إلا أن نشعر نحن الأصحاء بالعجز أمام قدرتهما على ممارسة الحياة بكل نواحيها من عمل وترفيه، نسيج الفيلم أقرب إلى الشعر الذى نسمع مقاطع له يُجمله فى مشهد النهاية وهو يغطس فى قاع البحر" أغمض عينى حتى أرى، وأغلق أذنى حتى أسمع " الحوار فى الفيلم مقاطع أدبية عرفنا من المخرج فى ندوة تلت عرض الفيلم أنها من تأليف شخصية العمل وهو فى الحقيقة معلم هذه اللغة الخاصة للتواصل بين العمى والصم. لا يمكن تناول موضوع المعوقين بكل هذه الرقة والجمال إلا من فنان تربى فى بيئة تساعد على تفجير الإبداع وإطلاق طاقاته الخلاقة، واستحق جائزة لجنة التحكيم فى قسم التسجيلى الطويل.
الحضور العربى كان طاغيا بحضور النقاد عدنان مدنات ومصطفى المسناوى وفجر يعقوب وناجح حسن ورمضان سليم، والمشاركين بالندوات  قيس الزبيدى وبشار ابرهيم والناقدة اللبنانية هدى ابراهيم التى تحركت نشطة بكاميرا الفتوغرافيا تسجل كل ما يدور بهمة وعشق للسينما ومبدعيها، المراسلة الإذاعية مها برنس غطت المهرجان برسائل يومية، وتميز حضورعدد من أصحاب الأفلام، المخرجة نغم عبود تألقت مع عملها الأول " خلف النافذة" بفيلمها وتفاعلها مع الجميع. والأردنى سعيد نجمى بفيلمه الحساس " وجوه" وهو لوحة فنية عن بدو صحراء البتراء الأردنية ، واللبنانى رامى نيحاوى الذى وصل المهرجان متأخرا بفيلمه الهام " يامو" وهو فيلم مركب عنه وعن أمه اللبنانية ووالده السورى، بعمق يصل لقلب إشكالية العلاقة بين اللبنانيين وسوريا . لاحظنا عبر المهرجان كيف تخلصت السينما اللبنانية من الموضوع الواحد الذى يركز على الحرب اللبنانية، وانفتحت على آفاق أرحب تنفتح للحياة وتحقق أساليبها الخاصة المستفيدة من تراث السينما العالمية مع بعد خاص يشبه صناعه فىإقبالهم على الحياة وقدرتهم على تحقيق رغباتهم وأحلامهم بحرية.
 مسئولية الإشراف على الندوات أسندت للناقد الشاب رامى عبد الرازق، وأدى مسئوليته باقتدار وبرز فيها الناقد الشاب أحمد شوقى متحمسا لمتابعة مركزة لتفاصيل كل فيلم، ومترجما بدقة ما يدور فى ندوتين أدارهما. سعدت بهما شابين متحمسين ومعهما مجموعة من الشباب إياد ابراهيم ومحسن حسنى وآخرين يضيفون برؤاهم الجديدة زخما لفنون التلقى والتفاعل الخلاق.  كنا نستكمل النقاش فى أوقات الراحة القليلة، وبلغة أجنبية وسيطة لا نجيدها بشكل كامل لا نحن ولا الضيوف وغالبيتهم من دول أوربا الشرقية، حيث لم يحضر أغلب المدعوين من دول أوربا الغربية استجابة لتحذيرات حكوماتهم بأن مصر ليست آمنة الآن ، شعوب دول يوغوسلافيا الصديقة من ماسادونيا وكرواتيا، ومن الصرب وكوبا ومن تركيا أيضا حضروا وشهدوا أن مصر أكثر أمانا من دول كثيرة سافروا إليها. روح الصداقة بين المشاركين فى المهرجان من المصريين ومن الدول الصديقة عربية وأجنبية أضفت روحا خاصا على المهرجان تتعزز بعد مشاهدة أفلام فنية رائعة، وعبر جو نقاش حر يعتمد على الرغبة فى التواصل محققين شعار المهرجان الذى اختاره مديره الفنى الناقد أمير العمرى" الطريق إلى الآخر" . وأتصور أنه بدون تفاعل الحضور مع الأفلام وتشاركهم فى النقاشات لكانت جهود القائمين على المهرجان تضيع سدى، لم تتغير أسماء أغلب الحضور فى دورة المهرجان 15 عن أسماء الحضور فى الدورات السابقة، بداية من الناقد الكبير أحمد الحضرى حتى رامى عبد الرازق، الضيوف العرب كما هم مع تباديل وتوافيق قليلة، بقينا نحن شعب المهرجان والمتحمسين لإقامته، والفرحين بنجاحه مهما تبدلت علينا القيادات أو الإدارات، نظل نحن المتلقين المتابعين بإخلاص عروضا متواصلة وندوات مانحين للمهرجان شرعيته والقدرة على استمراره مهما تبدلت الظروف. فى السطور السابقة حاولت أن أنقل الحالة العامة لدورة مهرجان الإسماعيلية وهى صورة مكثفة لفعاليات مهرجان ازدحم بالعروض والبرامج ، المحصلة النهائية إيجابية جدا، أما السلبيات فأثق فى قدرة القائمين على المهرجان فى تلافيها فى الدورات القادمة.
نشر بجريدة القاهرة 17 يوليو 2012

السبت، 14 يوليو 2012

هاشم النحاس : رؤية خاصة لإبداع فنان

ن
 

إشكالية تناول الفن التشكيلى فى فن السينما
يداعب الذاكرة لقطة لعدد من كراسى المقاهى على شاطيء بحر تداعبها الأمواج ، الكراسى لا يجلس عليها أحد وكأن جالسيها قد رحلوا عنها وتركوها وحيدة فى الغروب. هذه الصورة من فيلم " ألوان " التسجيلى لهاشم النحاس عن عدد من لوحات الفنان فاروق حسنى، الذى شغل منصب وزير الثقافة لما يزيد عن 22 عاما، يشهد حتى أعتى معارضيه أنه فنان تميز بلوحاته التجريدية ، وعلى الأرجح فإن هاشم النحاس الفنان الملتزم المنتمى لمجموعة مثقفى الستينيات ممن يميلون إلى اليسار يرى إبداع فاروق حسنى ويقدم رؤيته عن ذلك فى عمله القصير12ق.
نسمع أصوات موج البحر مع عناوين البداية ، يأخذنا إلى لوحة تجريدية للبحر ومنها إلى لوحات أخرى، ثم لقطة حية لأمواج البحر ونسمع معها أصوات طيور النورس ثم عودة إلى اللوحات، اللون الأحمر فى اللوحات تعبير فنى عن حيوية الموج ودفئه. ويستمر التوازى بين الأمواج التى تضرب الصخور وبين اللوحات، نقرأ تاريخ 1994 على أكثر من لوحة، ولقطة النهاية مع كراسى المقهى دون بشر ساعة الغروب . عناوين النهاية مكتوب بها رؤية هاشم النحاس، أسأله لماذا لم يكتب سيناريو وإخراج مثل غيرها من الأفلام يقول: " لا أتحدث عن الفنان ولكن عن رؤيتى عنه، وكيف أراه، مع الأفلام عن الفن التشكيلى والفنانين التشكيلين ليس هناك سيناريو معد قبل التصوير، ولا تهمنى كثيرا المعلومات عن الفنان، أقدم رؤية للفنان ولبعض أعمله وليس رؤية كليه شاملة عنه، وخاصة فى زمن الفيلم الذى يقل عن ربع الساعة. لا أستطيع خلالها تقديم فيلم عن فلان لضيق الوقت ولاحتياجه لوسائل تعبير وشرح ، ولكنى أفضل اختيار زاوية ما للفنان من وجهة نظرى كمخرج وهذه الرؤية تتفق مع فيلم يخلو من التعليق أو من صوت للفنان أو لناقد يشرح أعماله، فكلها وسائل تحدد المعنى ولكنى قصدت أن أقدم معانى مفتوحة ورسالة مفتوحة للتذوق الفنى ، من أجمل الآراء التى سمعتها من مشاهد لفيلم " ألوان: ما ذكره المشاهد أنه لم يفهم لوحات فاروق حسنى إلا بعد مشاهدته للفيلم. وهذا الرأى أسعدنى جدا، حيث أضع مكانى أقرب للمتذوق السينمائى منه إلى الناقد السينمائى، المتذوق يوصل رؤية إلى المتلقين ، أنا أيضا أعتبر نفسى متذوق سينمائى ولست ناقدا سينمائيا حيث لا أكتب إلا عن الأعمال التى تعجبنى، الأفلام التى أريد أن يشاركنى القارىء إعجابى بها
عمل آخر عن الفنانة أزميرالدا حداد باسم عروس البحر حيث حركة الكاميرا مسيطرة منذ اللحظة الأولى واختيار للوحة تشبه الفنانة ترسخ حقيقة أن الفنان لا يرسم سوى نفسه أو انعكاس الأشياء على وجدانه، أثناء المشاهدة أجد نفسى أدير تعليقا فى رأسى وكأننى أكمل نقص التعليق المعتاد مع الأفلام الوثائقية والذى ينبذه المخرج هاشم النحاس ولسان حاله يقول سأتركك أيها المشاهد دون أن أفرض عليك شرحا ، ها هى الصورة أمامك فاستمتع وأبدع قراءتك. نشاهد الفنانة تعمل على لوحة تركيب باستخدام بعض المواد ، قطع من شبك صيد، نماذج صغيرة لأعلام دول، نماذج مجسمة لأشكال مختلفة من الأسماك، المزج فى اللون بين التصوير والنحت على سطح اللوحة،تحرك مصفاة تنثر بودرة اللون على اللوحة ، ثم تنفخها كمن ينفخ فيها من روحه. ثم استعراض للبيت الذى يشكل لوحة كبيرة الفنانة بشخصها جزء منها. ثم منضدة الرسم تعمل عليها الفنانة بتركيز شديد دون أن يبدو أن الكاميرا تشوش عليها ،  أسأل المخرج هاشم النحاس كيف يعمل التشكيلى بكل هذا التركيز وحوله محمود عبد السميع بكاميرته ومعدات الإضاءة ، كيف تندمج فى لوحتها وحولها فريق عمل الفيلم، يقول النحاس : " هنا يأتى دور المونتاج الذى يوهم بالتلقائية ، أستبعد غالبا بدايات اللقطات  ونأخذ اللقطة من لحظة اندماج الفنان عندما ينسى الكاميرا ويركز كلية فى لوحته، أحيانا عندما تكون هناك نظرة أو ابتسامة للكاميرا أستخدمها وأجدها مناسبة ومفيدة للفيلم." ونعود لفيلم " عروس البحر " حيث لا يتركنا المخرج تماما بدون معلومات، إذ ينتهى بلوحة مكتوبة عن الفنانة أزميرالدا حداد متى تخرجت والمعارض التى شاركت بها والمقتنيات. يأخذ المخرج اسم الفيلم من أحد عناوين لوحة للفنانة وجده موحيا وينصرف إلى أكثر من معنى، ويشبه أغلب أعمالها ويتشكل منه عالمها الفنى متنوع الأساليب. سيمضى الفنان على طريقه محققا لنافس جهة الإنتاج بالتلفزيون المصرى عملا عن النحات أحمد شيحا يبدأه بنحت على حجر يحيلنا إلى الفن الفرعونى. أسأل المخرج عن كيف يتعامل مع إطار اللوحة التى ينقلها داخل إطار الصورة يقول بحماس : " أقوم بإلغاء الإطار، وأعمل إطارى الخاص، أتعامل مع اللوحة وكأنى أصور واقعا يحدث أمامى، إطار السينما مختلف عن إطار لوحة الفنان، أنقل ما أشعر به تجاه اللوحة، وأؤسس للوحتى أنا ، وهو نفس المنهج الذى أتبعه مع الأشخاص والأماكن الحية، أختار من اللوحة الأجزاء التى أشعر بها فقط من لوحة الفنان ، ولهذا أحرص على نقل إحساسى وليس إخبار المشاهد بمعلومات، قد تأتى مؤخرا أو فى وسط الفيلم، أو لا تأتى المهم كيف أرى اللوحة وأتذوقها وأنقل رؤيتى للمشاهد. المونتاج له دور كبير بدون لمسات المونتير كمال أبو العلا لم يكن فيلم " ألوان" ليخرج هكذا، اللوحة ساكنة وأنا أحرك الكاميرا على أجزاء بعينها داخل الإطار، متى يتم القطع على اللوحة ومنه إلى لوحة أخرى، فى كادر معين جزء من الثانية يحدده بإبداع المونتير الخلاق الذى هو صانع إيقاع الفيلم ،إيقاع يتحقق بدون موسيقى تصويرة التى استعضت عنها بالمؤثؤات الحية التى خلقت شريط صوت الفيلم من صوت البحر والرياح وهى التى ضبطت إيقاع الفيلم وشكلت إحساسى باللوحات حاولت إيصاله للمشاهد. فى أعماله عن فنانين تشكيليين وأعمالهم قدم المخرج هاشم النحاس رؤية خاصة تحيى إبداع الفنان وتسهم فى تذوق إبداعاته.
اتبعت نفس منهج المخرج والمفكر السينمائى هاشم النحاس فى كتابة هذه الزاوية عن جانب من أعماله المتعددة التى تحتفى بالإنسان البسيط كما فى النيل أرزاق أو تسلط الضوء عل عملاق الأدب العربى نجيب محفوظ فى " نجيب محفوظ ضمير عصره" أو على مجموعة من رموز الفن التشكيلى المعاصر المهدد الآن من طيور الظلام الساعين إلى السلطة الآن فى مصر. 



   

الجمعة، 1 يونيو 2012

المجتمعات العربية بعيدا عن ناطحات السحاب




النقاد يشاهدون فيلما من الإمارات
المجتمع العربى
 بعيدا عن ناطحات السحاب

فى إطار نشاط جمعية نقاد السينما المصريين عرض عرضا خاصا فى مصر فيلم " ظل البحر " العمل الثانى للمخرج نواف الجناحى ، رغم انشغال المصريين بالمداولات السياسية الخاصة بأول انتخابات رئاسية حرص العديد من النقاد والصحفيين على الحضور وقام فريق من قناة النيل للدراما بالتحاور مع المخرج والنقاد حول الفيلم . قدم الناقد والمترجم محسن ويفى المخرج قبل عرض الفيلم ، وتحدث نواف فى عجالة عن بداية الاهتمام بفن سينما يخص الإماراتعام 2001، جمعنا الأفلام (أنا واثنان آخران: مسعود أمرالله، وعلي الجابري) لعرضها للمجتمع، وذلك في مسرح المجمع الثقافي بأبوظبي، جمعنا وقتها 58 فيلما من مختلف الأطوال والأنواع كلها مصنوعة بأيادٍ إماراتية في سنوات مختلفة، وكان اسم الفعالية "تظاهرة أفلام من الإمارات".عام 2002، قررت إدارة المجمع الثقافي تحويل خطوة العروض إلى مسابقة ذات جوائز مادية، وهذه هي المرحلة التي أصابنا القلق فيها من عدد الأفلام التي يمكن أن تنجز في أقل من سنة، وتوقعنا 10 على الأكثر، ثم فوجئنا بوصول حاولي 90 فيلما. تحول الاسم في هذه السنة إلى "مسابقة أفلام من الإمارات" ومن وقتها وهناك محاولات جادة لإنعاش سينما تعبر عن الإمارات وعن هموم فنانيها، نواف بدأ بعدد من الأفلام القصيرة ثم قدم فيلمه الأول "الدائرة " فى 80 ق عام 2009  ، ثم فيلمه الثانى "ظل البحر" عام 2011. بعد عرض الفيلم وقبل أن يفتح الباب للنقاش توجه محسن ويفى بسؤال إلى نواف الجناحى حول فريق عمل الفيلم، إذ لوحظ أنها كلها أسماء أجنبية. وكان السؤال يعكس رأيا عن وجود أفلام إماراتية وليس سينما إماراتية أو خليجية ، وهو رأى نقدى شائع يصف منتج السينما فى البلدان العربية المختلفة بأنها أفلام سورية أو عراقية أو خليجية وليست سينما بمعنى الصناعة والأسلوب والمنهج العام، مع الاعتراف بخصوصية فيلم " ظل البحر " وتعبيره عن الحياة الاجتماعية فى الإمارات خلافا للصورة النمطية عن مبانى دبى الشاهقة والحداثة المعاصرة بها.
تنتمى قصة الفيلم وأحداثه إلى الثقافة العربية عاكسة مشاكل مازالت تعانى منها المجتمعات العربية من خلال التركيز على منصور الذى بالكاد دخل أعتاب الرجولة وعلاقته الرومانسية مع كلثوم، والحسية مع مطلقة تكبره سنا، ونشاهد تفاصيل علاقته بصديقه المقرب وبأمه الكادحة ووالده المقعد . تميزت ديكورات الفيلم والأماكن التى تم التصوير بها، وكلها مناطق طبيعية وليست ديكورات فى الاستديو، تميزت بتعبيرها الدقيق عن المستوى الاجتماعى للأسر المختلفة، تلعب الأبواب دورا هاما بتنوعها ودلالاتها، فمنزل منصور بابه مصمت يعكس تواضع حال أسرته، وباب الفتاة كلثوم بالحديد المشغول والملون بلون أحمر ولون أخضر فزدقى يمثل جمالا خاصا ويشير لجمال صاحبته التى هى أيضا على أعتاب الأنوثة ولكنها مسئولة فى بيتها بعد وفاة والدتها. يعكس باب حديدى آخر عريض وبه جزء يفتح بسهولة الوضع الاجتماعى للمطلقة الشابة ووالدتها فى منزلهما الفسيح الأقرب إلى فيللا لطبقة موسرة، الباب الذى احتمى فيه منصور مرة من مطاردة لأقرانه وبعد عبوره تعرض لإغواء الفتاة ، الحُرمة التى تنتظر رجلا، كما وصفت نفسها له. مشاعر المراهق منصور تتحول من إعجابه الرومانسى بكلثوم إلى انجذابه الحسى للأخرى التى تتزوج للمرة الثانية بعد أن كان منصور قدتورط فى بيع دراجته ليحضر لها المجموعة الكاملة لأغانى عبد المجيد عبد الله الذى تعشقه.
وإذا كان الديكور والتصوير والمونتاج قد قام به فنانون من جنسيات أخرى إلا أن اختيار الممثلين كان إبداعا خاصا بمخرجه وقد نجح فيه لدرجة الامتياز . شرح نواف للنقاد عن مصادفة التقائه بالفتى الذى قام بدور منصور مؤكدا أنه كان اختياره الأول والوحيد، بينما حدد عدة اختيارات للأدوار الأخرى حتى استقر على السورية نيفين ماضى لدور كلثوم وعراقى لدور صديقه المقرب، وكويتية فى دور الفتاة المغوية. هذه الكوزموبوليتانية فى الفيلم منهج اختاره نواف حتى أن عمله القادم عن سيناريو لروسى ، هو يؤكد أنه يرغب بالتعبير عن حالات إنسانية عامة ليست بالضرورة من الإمارات تحديدا، قال إنه قد يقدم فيلما تدور أحداثه فى مصر بممثلين مصريين أو فى أى مكان، السينما بالنسبة له فن عام يمكن أن يعبر عن حالات إنسانية فى أى مكان وزمان.
كان من بين الحضور المخرج والناقد الكبير هاشم النحاس الذى عبر عن إعجابه بالمستوى الجمالى للفيلم ولغته البصرية رغم ما فاته من تفاصيل الحوار الذى تم بلهجة خليجية، وجه الناقد ياقوت الديب نقدا حول إلصاق تهمة الاغتصاب بمغترب آسيوى وليس لشخص إماراتى، وكانت إجابة نواف أنه عكس فى فيلمه جانبا من الواقع لعدد من الحوادث تقع ويتم التعتيم عليها إعلاميا، صحح الحضور أنه لم يكن بالفيلم اغتصاب ولكنها حالة تحرش لاشك تجعل الأخ غاضبا بعنف لمن تحرش بأخته بينما الأب لاه عنها وعن أختها الصغيرة بعد وفاة أمهما، زوجته وإحساسه بالوحدة وفشله فى تجاوز محنة فقدها. الأخ الأكبر جاسم يعمل فى أبوظبى ويرغب فى اصطحاب الأسرة كلها معه محققا طموح كلثوم فى الالتحاق بالجامعة والعمل. وبعيدا عن تفاصيل قصة الفيلم اتفق الحضور على امتلاك المخرج نواف الجناحى لأسلوب خاص يشى بفنان ينتظر منه الكثير فى أعماله القادمة.  
يميل المخرج لتناول الأزمنة الضعيفة وليس الأزمنة القوية المعتادة فى السينما التجارية، فيحذف من فيلمه مشهد التحرش ولكنه يبقى على ردود الأفعال، وكذا ماحدث من علاقة بين المراهق والمطلقة، لا نشاهد سوى مقدمات الحدث ورد الفعل على البطل، التركيز على قدميه تنتظران ماء البحر ليغتسل، زاوية الكاميرا التى تركز على أقدام الشخصيات تعبر فى مشهد عن مطاردة الحلاق الآسيوى لكلثوم وخوفها من الذئاب، أقدام الأب الهارب من مسئولياته وأقدام المرأة اللعوب بكعبها العالى، وأخيرا أقدام منصور وهو يتطهر فى البحر. صور بلاغية لاحظتها الناقدة والمترجمة سهام عبد السلام وعبرت عنها فى اللقاء الحميم الذى جرى بالقاهرة مع مخرج عربى قادم من بلد ليس به تقاليد لصناعة سينما ولكنه بانفتاحه على العالم ودراسته القصيرة فى مصر والأطول فى أمريكا لفن السينما جعلته قادرا على الإمساك بخيوط حكايته التى يرويها لنا بإيقاعه المتمهل والمتأمل، العاكس لإيقاع الحياة فى مدينة صغيرة تقع على الخليج العربى.
مهرجاناتنا فى القاهرة  ومراكش ودبى وفى الدوحة وأبوظبى وغيرها من مهرجانات هى نوافذ مفتوحة على العالم، وكذا نحن فى عروضنا الخاصة فى المراكز الثقافية المنتشرة عبر بلداننا العربية نفتح نوافذ عريضة على ثقافات العالم تقربنا من بعضنا البعض، وتصحح مفاهيم مغلوطة يبثها الإعلام عن بلداننا المختلفة، لتأتى السينما الصادقة بلغتها الفنية المركبة فتعيد بناء معلوماتنا وانطباعاتنا وتضعها فى إطارها الصحيح. الاهتمام والحب الذى أحيط به نواف الجناحى يعكس رغبة شعبية فى الانتماء العربى للمصريين على اختلاف ثقافاتهم وأعمارهم، ويعكس رغبة فى عدم البقاء بلا منافس فى حقل السينما وفنها الجمي