الأربعاء، 1 أغسطس 2018

سينما يوسف شاهين / رحلة أيدولوجية


فنان يشبه شخصية مصر
أثناء البحث عن " يوسف شاهين" صادفني هذا الكتاب* الذي لم أسمع به ولا بكاتبه رغم أنه صدر عام 1990 في حياة يوسف شاهين، الكاتب قاص أيضا لو مؤلفات في القصة، ودراسات في السينما ، يتبع منهج التحليل السياسي والاجتماعي بادئا بلحظة ميلاد يوسف ورسم الخلفية لمصر والعالم ساعتها، ثم يستعرض السينما المصرية وما قدمته منذ ساعة ميلاده حتى بداية تعبيره بالفن عن مساهمته في بلده.
 

اختار الكاتب مقالا لتوفيق الحكيم وجعله مقدمة لدراسته العميقة عن شاهين وسينماه، فيها ما أسماه الحكيم " رسم العقل" الذي يقوم به نقاد وأساتذة باحثون، رسم العقل للدورة الفكرية كلها للأدب والفكر والفن. مقال الحكيم نشر بجريدة الأهرام تحت عنوان الثورة العقلية بتاريخ العاشر من نوفمبر سنة 1986 .
بهذا التقديم حدد الصاوي أنه سيقوم بعمل مشاهد للطبيب الذي يرسم المخ لتعيين علته وتميزه، برسمه للعقل المحرك لسينما شاهين وتحليلها فكريا .
باب " الفنان والمدينة" يرسم فيه بانوراما للأوضاع التاريخية التي ولد عندها يوسف شاهين محددا المكان فوق تل كوم الدكة بثغر الإسكندرية (وكانت المدينة في غاية الخراب بسبب ظلم النائب وجور القباض.) يستشهد الباحث بكتابات مؤرخين محتفظا بلغة الكتابة، معلقا بأسلوبه الأدبي ، مستفيضا في الوصف قبل أن يخلص لحقيقة ميلاد يوسف شاهين عام 1926 .
وتحت عنوان : خلفيات، سينما يوسف شاهين الفكرية، يستعرض في مدخله حال السينما المصرية التي كانت قد تشكلت عبر عقود التحق بها يوسف شاهين في عقدها الرابع في الخمسينيات. 
خلفيات يوسف شاهين الفكرية :
كانت قد تشكلت بداية سينما مصرية حققت بعض الإنجازات الإيجابية في تاريخ بر مصر، يرصدها الباحث بداية من فيلم زينب 1929 وكيف كان له تأثير إيجابي فيمن عملوا بعد مخرجه محمد كريم. بالحرص على التقاط الحقيقة فوق الأرض المصرية في مشاهد الفيلم وخاصة مشهد جني القطن الذي صوره كريم أثناء الحدث نفسه وسط بيوت القرية الحقيقية يسبق في ذ لك الواقعية الإيطالية التي تركت الأستديوهات وحرصت على التصوير في الأماكن الحقيقية. أصبح فيلم زينب وما تلاه من أفلام الثلاثينيات والأربعينيات حتى وصلنا إلى بداية الخمسينيات زادا حيا أمام شاهين وجعلته واحدا من تلاميذ هذه المدرسة الرحبة في الإخراج السينمائي.
كما أسهمت السينما الأوربية والأمريكية في وضع البذور الحقيقية لمولد شاهين . يستفيض الكاتب في عرض نماذج من السينما العالمية بعد أن عدد نماذجها المصرية ليخلص إلى أن تأثير هذه الأفلام كان مدويا في السلوك الإنساني على مستوى العالم، سيل متدفق من الإبداع الإخراجي قاد إلى عالم روسيليني وفيلمه " روما مدينة مفتوحة" وما تلاه من أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة بالإضافة إلى أعمال لعبت دورا حاسما في تكوين فنان السينما بأفلام قهرت التسلط الهوليودي ومهدت إلى قيام صياغات جديدة وفريدة في تاريخ السينما العالمية، ولم تكن السينما المصرية بين 1949-1950 بعيدة عن هذا التطور الفكري ، بل كانت هناك نماذج تصل إلى مرتبة السينما العالمية منها أفلام لعباس كامل، وكمال عطية وغيرهما كثيرون حتى نصل إلى أول أعمال يوسف شاهين " بابا أمين" عام 1950.
قبل أن يدخل باحثنا محمد الصاوي إلى تحليل بابا أمين يشرح الإطار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمصر عام 1950 تحت عنوان " بر مصر عام 1950" بادئا بشرح الوضع العام للعالم بعد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية وخاصة ايطاليا وواقعيتها الجديدة، وبريطانيا التي كانت مصر تحت قبضتها تقاوم الجبروت البريطاني في التمسك بمصر وخيراتها وكانت الأسلحة والذخائر الفاسدة التي استورها المقربون من الملك سببا في هزيمة ضباط وجنود الجيش المصري . وسط هذه المناخ بين المحتل الإنجليزي وفساد الحكام ، كان الشاب يوسف شاهين في الرابعة والعشرين يفكر كيف يتسنى له أن يخرج من مدية الإسكندرية ويحتوي العالم. تصور الباحث أن الفتى يوسف اختار مزاولة الفن ناشدا حياة أكثر اكتمالا ، عاملا على فهم القواعد التي تمكنه من ترويض طبيعته المتمردة وإخضاعها لسلطان الفن . شاهين ينتمي طبقيا إلى ذك النوع الطبقي الخاص من التعليم مع فيكتوريا كولج بالإسكندرية ، فتعرف على شكسبير وساهم في نشاط مدرسي حول مسرحياته ، ووعى النهج الأوربي في تطلعاته بأن يكون مثقفا ، يتعلم الفرنسية، ويصاحب خطى الرومانسيين حول مفهوم الفن. (وسواء أكمل دراسته أو لم يستكملها ، إلا أنه كان وليد الالتحام البيئي والنفسي والتعليمي ،وعندما عزم على الهجرة إلى أمريكا ليتعلم فن السينما كان يحمل في داخله شواطيء الإسكندرية وبحرها المتوسط ، في ضميره كان طمي النيل ما يزال له مكانه الدائم حيث ترتفع مناسيبه حسب الأخذ والعطاء ، ورغم كل ما توافد عليه من ثقافت الغير كان مغروسا في مسلمة مصرية ، مثل شخصية مصر ، خلاصة حضارية وثقافية ضربت بجذورها في أصل الأشياء. ) يستهد الباحث بمقال كمال عبد الرؤوف المنشور بجريدة مايو في 30 يونيو 1986 صفحة 11، محترما كل من يأخذ عنه مقطعا يكمل فكرته عن التكوين الذاتي للفنان يوسف شاهين. قبل أن يعود إلى السينما المصرية عام 1950 ويتصور أن شاهين تساءل وهو في الرابعة والعشرين من العمر عن السينما المصرية وماهيتها ، أين تقف وإلى أين تسير بالمتفرج ، محملا بزاد عالمي أمريكي ، مؤمنا بأن الفن وخاصة السينما أداة سحرية للسيطرة على دنيا واقعية ، ويوسف شاهين في هذه المرجلة من بداية حياته السينمائية كان ملهما بما كتبه فيشر في ضرورة الفن بأن ( الفن لازم للإنسان حتى يفهم العالم ويغيره، وهو لازم أيضا بسبب هذا السحر الكامن فيه) انطلق شاهين من عدة تساؤلات حول السينما التي تقدر أن تقدم شريحة من البشر بكل ما فيهم من مثالب ومزايا أولا من داخله ، ثم عبر مجتمعه بكل ناسه ومعالمه وتارخه ومدلولاته النفسية والاجتماعية.
بعد هذا المدخل في التحليل الماركسي الذي يربط الفنان بواقعه المعيش والطروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نستعد لما يقدمه محمد الصاوي عن أفلام شاهين بادئا بفيلمه الأول بابا أمين، متوقفا عند عمله الأخير وقت إصدار الكتاب عام 1989 من الإسكندرية بجمهورية مصر العربية.  
 تحليل الأفلام
يؤكد الكاتب قبل الدخول في تحليل الأفلام أن من حق الناقد أن يتفهم العمل الفني من وجهة نظره الخاصة وأن يصل إلى تفسيرات باطنية لم تدر في ذهن شاهين أصلا.
فيلم " بابا أمين " 1950

يحلل الصاوي عنوان الفيلم في صفحات طويلة بدائا بالكلمة الأولى ويخلص إلى أن البحث عن الأب كان شاغلا لكل الحركات التحررية في مصر ثم يحلل الثانية التي باعتبارها صفة للأولى " الأب الأمين" حتى يصل إلى أن شاهين أراد أن يعنون فيلمه الأول " بابا أمين" مستهدفا وعي تاريخ مصر في أخصب فترة من فترات تاريخها السياسي الاجتماعي، في الفيلم أراد أن يوقظ فينا رغم وعيه المحدود بها حب الأبوة فينا كمصريين وحب مصر كأبناء لها ، وهو هنا يقترب من المبشر ومن المعترض ومن المحذر ومن الذي يؤمن تماما بأن الفن من خلال الفيلم السينمائي هو السبيل الجاد نحو التنوير والوعي اليقظ بالأرض والوطن، وهذا ما سينسحب على كثير من أعماله السينمائية القادمة.
لن يخرج منهج الصاوي في تحليل الفيلم عن المنهج التقليدي الذي يروي قصة الفيلم – من وجهة نظره- قبل أن يدخل في تفسير الدلالات التي يستنبطها من الفيلم  فيحكي ( ..أراد رب الأسرة – حسين رياض- أن يوطد دعائم حلم مترف الأخيلة، ينتقل به من طبقة إلى طبقة أعلى) يسوتفسيرات وشروح قبل أن يخلص إلى أن ( فيلم " بابا أمين" دعوة ثورية إلى التغيير الرأسي والأفقي في التشكيل الاجتماعي المصري، أراد به المخرج كاتب السيناريو أن يفتح العيون التي نامت أمدا طويلا .. وهو صياغة فنية رفضية على مستوى الذات والمجموع.. وهي دعوة خفية إلى طرح قضية الديمقراطية والديكتاتورية كأساليب من أساليب من يحكم، على مستوى الأسرة الصغيرة، أو الأسرة الكبيرة، أي تراب مصر الوطني) إن قضية الفكر التنويري عند يوسف شاهين هي رحلة عميقة ، شاقة وطويلة .. يعلن عن بدايتها في صرخة عاقلة أيقظت كثير ممن يعملون في الفيلم المصري ، تعلن لهم مولد فنان حقيق من صلب الإسكندرية وتلابيب الأرض المصرية.
فيلم " ابن النيل " 1951
يشرح الصاوي أن مدخله الطبيعي إلى الخطوط الفكرية لخلفية هذا الفيلم هو أيضا الاهتمام بالعنوان "ابن النيل" ولكنه سيرصد تنويعات الأفلام المصرية التي أعقبت " بابا أمين" ويخلص إلى حدوث تغيير كبير في المفاهيم الفنية حتى لو كانت تميل نحو طابعها التجاري وشباك التذاكر ويقرر أن (من أفلح في هذا الطريق كل من المخرج محمد كريم وصلاح أبو سيف وأستاذه كمال سليم ومن بعدهم يوسف شاهين في الاستعداد الخاص بتغيير نمطية العمل السينمائي الذي ينشد المتعة الذهنية والفكرية والذاتية عند المشاهد ) ورغم تقييمه لفيلم أمير الانتقام لبركات إلى أنه لم يدرجه ضمن من اختارهم كمخرجين مجددين . يستشهد الصاوي بما كتبته د. نعمات أحمد فؤاد في كتاب شخصية مصر عن النيل ( لقد أعطى النيل لمصر الكثير، وعلمها الكثير، لكن مصر هبة النيل وهبة الإنسان المصريوثمرة جهوده الموصولة الطموح) وبهذا يكون ابن النيل يعكس معرفة أصية بمدلولات النيل  المرتبط بالإنسان المصري.
ويكتب الصاوي ( مثلما كان " بابا أمين" هو زمام الأمن والحياة وواهب المستقبل في منظومة شاهين السينمائية ، فالنيل هنا ، الأب الكبير، المانح الماضي والحاضر والغد، حدود الأبدية فوق أرض مصر، وهو رأينا ، سواء رضي بهذا التفسير الجواني يوسف شاهين أم لم يرض، فالعنوان يمثل لنا الخلفية العميقة الجذور لفيلم " ابن النيل" شكري سرحان.
يبدو لي من تكرار الصاوي ( سواء رضي بهذا التفسير الجواني أم لم يرض)  أن يوسف شاهين قد اعترض على تفسيرات الباحث ، الناقد اليساري محمد الصاوي ضمن اعتراضه الدائم على تفسيرات يسوقها النقاد لأفلامه ، وهي اعتراضات تحتاج بحثا مستقلا عن علاقة شاهين بالنقد والنقاد.  
وتحت عنوان السياق الفيلمي يسرد الصاوي بطريقته فبعد مقدمة لشرح البيت الريفي لفقراء مصر منذ عقود سحيقة يذكر أن هذا هو حال القرية المصرية عندما دخلتها كاميرا يوسف شاهين لتصور "ابن النيل" وبطله واحد ممن لايملكون، فهو فلاح أجير بلا عمل ، يعيش مع أخيه التقي الورع ، لكن حميده يتملكه نداء خي عبر القطار الذاهب إلى المدينة فيترك قريته لحظة اعتقاده بموت زوجته وهي تلد ويضيع هناك.. ) الكل من المهتمين يعرف تفاصيل الحكاية ولكن الناقد عليه افتراض أن القاريء لم يشاهد الفيلم فلابد من تعريفه بعناصر القصة التي تنتهي نهاية ثورية حيث يعود حميدة ومع النيل ، الأب الكبير الذي عندما يفيض يأتي معه الخير والخصب والنماء . وتحت عنوان " التأثير الني ليوسف شاهين" يكتب الصاوي ( مع نهاية " ابن النيل" لم يبرح الفيلم ذاكرتنا ، لماذا هذا التلاحم الحميم بين المتفرج والفيلم ، والإجابة تكمن في ذلك التشكيل الظالم للإنسان فوق أرض النيل.. الفيلم عودة لطرح قضايا الديمقراطية والاشتراكية من جديد ، لكنها هنا أكثر جرأة وأشجع ظهورا مما هي في فيلم حياة" بابا أمين"... عاد حميدة إلى الأب ، وإلى القرية ، عاد إلى الأصل الأبدي ، عاد إلى النيل ، الأب الكبير، عاد لكي نعود نحن أيضا ، نبحث في تراثنا عن كل ما يثبت ماضينا ، نعود مع حميدة أشد عزما على تأصيل الذات فينا .. ). للصاوي ثقافة موسوعية، من الأدب الفرعوني، وتراث المفكرين العرب، وأصحاب الفكر العالمي المعاصر، كل روافد ثقافته تظهر في تحليله للجانب الاجتماعي والسياسي للفيلم ، دون أن ينشغل بالحديث عن العناصر الفنية من تمثيل وتصوير.
فيلم " المهرج الكبير " 1951-1952
قدم شاهين فيلم " المهرج الكبير " 1951 وهو مهموم بقضايا الاعتلاء الطبقي للطبقات الأخرى والاغتيال لإرادة أمة تبحث عن حل قضية عادلة ، قضية التحرر للأرض والإنسان...اختار موظفا صغيرا ، متواضع الحياة.. تفككت طبقته وأصبحت في ذيل قائمة الطبقات المصرية.. اختل توازنه الاجتماعي حين رزقه الغيب من حيث لا يعلم .. ولكن المتعة الحرام لابد لها من نهاية ، وكانت نهايته أن مض مرضا لا شفاء منه .. هنا خرج من الإغفاءة الحالمة وعاد إلى أن القيمة تتمثل في العطاء ..فأصبح يدا لكل محروم ، وهكذا تحول " المهرج الكبير " إلى أب لكل الناس. ومات في هدوء مثل كل نبي أو كل صاحب رسالة .. فيلم " المهرج الكبير " حلم يقظة ، أمتعنا به يوسف شاهين ليقودنا مرة ثالثة إلى طرح قضايا الديمقراطية والديكتاتورية والاشتراكية والتي سيركز عليها في الأفلام القادمة).
ستصل شطحات الناقد إلى مداها حين يقدم تفسيرا عن معنى عنوان الفيلم، بوصفهم قوى الاستعمار التي تكاتفت على مصر ( أين ذلك المهرج العملاق الذي يدور في فلكه قضية تراب التحرر الوطني ، إن مصر أصبحت سيركا يشاهده العالم ويضحك عنه نكاية وسخرية من تعالي فرعونيته القديمة .. كانت قد ألغيت معاهدة 1936 ، لكن المهرج الأكبر تضاعف وتشعب إلى أربعة محاور من بريطانيا وأمريكا وفرنسا وتركيا ، من خلال مشروع الدفاع المشترك الذي أرادوا به تكبيل مسيرة مصر الوطنية. ... كان الحس الوطني في درجة الغليان ، بينما كان المهرج يلعب دوره التقليدي في سيرك يحكمه البطش والجبروت، وحكم السادة الذين باعوا التراب الوطني بأزهد سعر معلن).
فيلم "سيدة القطار" 1951
لم يحلل الصاوي العنوان ولم يتوقف عنده، بل ركز على شخصية الزوج المقامر ليقرأ الفيلم وكأنه إسقاط على ملك مصر المقامر وفي عنوان " معالم أواخر عهد" ذاكرا أن شاهين استمد هو والكاتب فيروز عبد الملك عوامل السقوط من صورة " الواقع" المصري المعيش  في النصف الثاني من عام 1951. سنجد الصاوي يستخدم مصطلح " الواقع" للمرة الأولى راصدا عددا من أفلام الفترة لمخرجين أسماهم تلاميذ مدارس الإخراج عند محمد كريم، وكمال سليم وكامل التلمساني، ذكرا أيضا الحرفية العالية في صناعة الفيلم السينمائي الذي تميزوا به، وخص شاهين بإطلاق تعبير إيمان " يوسفي " للخروج بالفيلم المصري عن أطره القليدية . يقصد إيمانا " شاهينيا " بالتعبير عن الواقع المعيش في سرد جديد وحرفية عالية.
يختم تحليله للفيلم بأنه إسقاط على مستوى الدولة رغم أنه لم يتعرض لها ولا إلى نظامها، ولكنه من خلال بطله صورة مثلى للنظام الذي كان قائما ، الأب الضال المقامر من أسرته، وحتمية نهايته أن يرحل ، وأن يجبره الجتمع على الرحيل. وبالطبع هذه قراءة للفيلم لا تغفل الظرف التاريخي الذي أنتج فيه وتربطه بمناخ الواقع المصري قبل قيام ثورة 23 يوليو بشهور.
يقرأ الصاوي أفلام شاهين الأربعة الأولى بأنها تحمل دلالات نهاية عهد، وإرهاصات لخطوات حتمية قادمة على مستوى الوطن وقضاياه. أعلى شاهين من الجدية في البحث عن الأبوة المعطاءة في فيلم " بابا أمين" 1950، وأعلى من العودة الحقيقية إلى جذور الجذور في التربة الريفية المصرية في فيلم "ابن النيل" 1951، وقنن حتمية الحل الاجتماعي الملح بين الإغنياء والفقراء في فيلم " المهرج الكبير" 1951، وحكم بالإعدام الذاتي على كل الذين قامروا وخانوا الأمانة في الحفاظ على الأسرة في " سيدة القطار " 1952.
سيشبه الناقد حريق القاهرة بانتحار بطل " المهرج الكبير " قائلا بأن الطرح الفكري عند يوسف شاهين قد واكب ثورة 23 يوليو 1952 ... إذن جاءت الثورة لتحقق لهذا الشعب أمانيه في حياة مضيئة بالمصرية والاتزام الوطني، كأنها قامت من أجل تحقيق فكر يوسف شاهين.. وهاهو المقامر الكبير والمهرج الطاغي يرحل في السادس والعشرين من يوليو 1952 ، إن هذه الثورة جاءت من أجل أن يطرح قضاياه من جديد وبشكل مكثف وصريح.
فيلم " صراع في الوادي" والخلفية الاجتماعية المبنية على حقيقة الخلل في توزيع أرض مصر ، مع فهم شاهين لطبيعة الصراع الطبقي بين الأثرياء وبين المعدمين ووجدها قضية المستقبل المطروح فوق رُبى مصر عام 1953، وتابع أيضا في " صراع في الميناء " ساعده الوعي المتنامى عنده والذي أوضحه ونماه  "الوحش" لصلاح أبو سيف و" جعلوني مجرما " لعاطف سالم ليصبح لدينا ثلاثة من فرسان السينما المصرية الجديدة الواعية بقضايا شعبها مع أبوسف وسالم وشاهين.  
لم يستمر شاهين في مسيرته الصاعدة من "صراع في الوادي" و"صراع في الميناء" بل سيقدم عملين لفريد الأطرش ، ومرت عدة سنوات تراجعت فيها السينما المصرية ولكن جاء عام 1958 ليعود شاهين بفيلميه جميلة بوحريد وباب الحديد، يكتب الصاوي (عندما تحاور ناقدنا الكبير سمير فريد مع يوسف شاهين وسأله: " لا خلاف حول أهمية عام 1958 في مسيرتك الفنية، أخرجت فيها باب الحديد ثم جميلة الجزائرية، وفي كل منهما رغبتك في التعبير عن الواقع الاجتماعي في مصر ؟ فأجاب: كنت أكثر وعيا بحكم الجو العام أيضا، وأردت في باب الحديد التعبير عن الواقع من حلال التعبير عن نفسي ).
فيلم " باب الحديد " 1958
 الصاوي يجد نفسه محصورا في المكان " باب الحديد"  ويؤكد أن الطرح الاجتماعي هو الذي يتوج هذا العمل بالكمال الفني ، الجديد هو بناء السيناريو  الذي لم يتقيد فيه بتسلسل الحدث حيث يصور يوما واحدا في محطة قطار العاصمة " باب الحديد" حيث تتابع سلسلة من الأحداث ، قصة حب ، وجريمة قتل ، وحالة جنون، ونضال شيال المحطة ضد المعلم الكبير . مع شخصيات العمل أبوسريع وقناوي الأعرج وهنومة، صال وجال عن نضال شيال المحطة أبو سريع ، فتوة من نوع ينسب شاهين السياسي اليساري المؤمن بحق العمال في نقابة تحصل لهم على حقوقهم. فتوة يستخدم شجاعته ومعرفته بحقوقه وليس قوته الجسدية . سيقف الصاوي عند شخصية قناوي ويحللها سيكولوجيا، سيثني بالطبع على أداء شاهين للدور وسيرفض ما ذهبت إليه الناقدة الألمانية أريكار ريتشر من أن قناوي يمثل الشعب المطحون كله، ويجده قولا يقوض ذلك التسلسل الفكري الذي قرأناه بسينما يوسف شاهين منذ بداية " بابا أمين" وحتى " صراع في الوادي " و" صراع في الميناء" .
إن أبو سريع وقناوي هما وجها العملة للحياة المصرية يعكسان إرادة التغيير التي بدت في كل أفلام يوسف شاهين التي أتت إلى السينما المصرية من خلال إرادة التغيير الاجتماعي والسياسي.
الكتاب الذي أعرضه يعكس منهجا ماركسيا في النقد السينمائي يتوقف فيه الناقد عند المناخ السياسي العام الذي نشأ فيه صاحب العمل، ويقارنه بمعاصريه من صناع السينما، يربطه بأعماله ، كتاب دسم به من المعلومات والآراء المسندة إلى أصحابها ، يستحق إعادة طبعه ليتمكن المهتمون من قراءة متأنية له .
صفاء الليثي
*عرض كتاب: سينما يوسف شاهين / رحلة أيدولوجية
تأليف محمد الصاوي، إصدار دار المطبوعات الجديدة الإسكندرية، و دار آزال للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان.
نشرت الدراسة في العدد 15 من الفيلم يوليو 2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق