الأربعاء، 7 مايو 2014

عن أفلام احتفت بالعامل بمناسبة عيد العمال



من العامل إلى فتاة المصنع

فى أجواء الحرب العالمية الثانية ظهرت موجة من الحداثة فى المجتمع المصرى تنادى بأفكار مناصرة للطبقة العاملة وللعمال الحرفيين ، من أوائل الأفلام التى قدمت صورة إيجابية للعمل والعمال فيلم " الورشة" عام 1940 الذى أخرجه استفان روستى عن قصة لعزيزة أمير كتب لها السيناريو اوالحوار محمود ذو الفقار ، لم ينجح الفيلم وقتها لغرابة قصته التى تنتحل فيها عزيزة أمير دور عامل وتعمل فى ورشة غيبت الظروف صاحبها. عام 1943 ظهر فيلم " العامل" بعنوان صريح عن أحمد وهو عامل شاب متحمس يدافع عن حقوق ذويه لدى أصحاب المصانع وشركات الإنتاج، تتضمن رحلته النضالية فى هذا المضمار علاقة حب تربطه بجارته هنية التى تؤمن به وبقضيته، يتكبد هذا العامل الكثير من المتاعب والمآزق، كأن يتآمر عليه صاحب المصنع، ويحاول الإيقاع به وتلويث سمعته أمام العمال المؤمنين به والواقفين خلفه عن طريق غانية إلا أن عفته ونزاهته تحولان دون ذلك. تتبدل الأحوال ويصبح أحمد - الذى نصبته العمال زعيمًا - صاحبًا لعماله وذا نفوذ ولا يتوانى عن مواصلة رسالته ومدافعته عن حقوق العمال، فأقام لهم مؤسسات وشركات لا يجدون فيها إلا الإنصاف وتقدير جهودهم وقد ثم ذلك بتحريضه للعمال على الإضراب عن العمل، حتى تتم تلبية مطالبهم ويخضع أصحاب المصانع أخيرًا.  الفيلم إخراج أحمد كامل مرسى ومن تمثيل حسين صدقى . وتلاه فيلم يوسف وهبى الشهير "ابن الحداد" عام 1944 المدافع عن طبقة العمال فى مقابل الأغنياء العاطلين المستهترين عبر قصة ميلودرامية عن طه ابن لعامل بسيط، لكن هذا العامل اهتم بتربيته حتى صار مهندسًا ومالكًا للعديد من المصانع. وقام بالزواج من ابنة أحد الباشاوات التي يتكشف له بعد زواجه منها مدى استهتارها الشديد وعدم اهتمامها بزوجها أو حتى ابنها، وغرقها الشديد في حياة اللهو. وبعد أن يخسر طه جميع أمواله، ينتقل هو زوجته وابنته للعيش في أحد المناطق الشعبية.  وهى الفكرة التى تطورت فى فيلم " المظاهر " عام 1945 لمخرج العزيمة كمال سليم. وهو الفيلم الذى أتوقف عنده نظرا لريادته فى فكرة احترام قيمة العمل والسخرية من طبقة مستغلة غارقة فى المظاهر الكدابة. فى حارة جمعت ورشة لعامل مثالى محمود الذى قام بدوره يحى شاهين وهو رئيس نقابة العمال الذى شجعهم على الانضمام إلى نادى النقابة وممارسة الرياضة ، ساند هنية التى فقدت خالتها فذهبت إلى عمها الذى ترك باب الشعرية ليعيش من مطاحنه مع زوجة تمارس استعلاء الطبقة الثرية المستغلة . تحرضه زوجته على إخفاء ثروة هنية التى ورثها عن والدها أخيه الى توفى، ولكن مدير العمل يخبرها عن ثروتها ويحيك حوللها شباكه ليتزوجها ويعوض نا سرقه، تغتر وقتيا بالمظاهر وتستجيب له،  ليدخل الفيلم فى لعبة التحول التيمة المتكررة فى العديد من الأفلام المصرية فتتحول هنية من محبة للأسطى محمود إلى خطيبة لمدير المطاحن الفاسد استفان روستى، وبعد عدة مقارنات بين جدعنة ولاد البلد وفساد الأثرياء تعود هنية إلى حبها وتتزوج الأسطى محمود. يقوم اسماعيل يس بدور الذراع اليمنى للبطل ويغنى أغنيات تحمل كلماتها تفاخر بأولاد البلد إذ يغنى مين قدنا فى قوة العدد ، وأغنية أخرى تنصح العمال بالبعد عن الفاسد فى الحارة المعلم بيومى تقول كلماتها يا اخوانا العنوا ابليس ، دى نقابة عليها رئيس . كما تضمن الفيلم ثلاثة أغنيات لرجاء عبده من أروع ألحان محمد القصبجى وعزت الجاهلى. 
فيلم المظاهر يعلن مساندته بشكل مباشر لأهل باب الشعرية ولاد البلد الأصليين، الانديجين كما ترد على لسان الأبطال فى مقابل طبقة ملهومش صنعة فى الدنيا غير إنهم ياكلوا ويشربوا ومايشتغلوش. وكعادة الأفلام المصرية لابد أن تحدث لحظة تنوير للبطل فيفيق فؤاد شفيق ويعلوا صوته على زوجته وبنتيها من هنا ورايح مدرسة عربى مفيش فرنساوى واحفظوا القرآن. ليظهر يحى شاهين الأسطى محمود ويقول له دلوقت أفتخر إنك نسيبى وتأتى النهاية السعيدة. يقال أن الملك حضر عرض فيلم العمال فانتبه المنتجون أن الدولة تساند هذا الاتجاه من تشجيع العمل اليدوى الحر ومن الدعوة لاحترام أولاد البلد. تعزف السينما المصرية على لحن تفضيل الأصل الشعبى فى أفلام يدور جانب كبير منها فى بيوت أولاد الذوات ولكن ما يدور بها يتم انتقاده غالبا فى مقابل الجدعنة وولاد البلد وهم يتفاخرون ، مين قدنا فى الجدعنة.
ومنذ هذه الموجة من الأفلام الواقعية الطليعية وحتى الآن يقدم العمال والعاملات باحترام بالغ. وتعرض قضاياهم بشكل مباشر وثورى كما فى المظاهر ودرب المهابيل أو بشكل يمتزج فيه الصراع الاجتماعى ويعرض لاختلاف الطبقات كما فى المظاهر . فى بداية عام 2014 قدم المخرج محمد خان فيلمه " فتاة المصنع" الذى يدور فى أجواء الحارة المصرية بنماذجها الحية والمركبة وخاصة من النساء مع الفتيات العاملات فى مصنع صغير وحكاية بطلها مهندس المصنع ومديره،  ذكرا وحيدا تدور حوله الحكايات. وما زال حلم الصعود الطبقى يراود فتاة المصنع الشقية الحالمة، وما زال حلمها يصطدم بالنظرة الطبقية التى تفضل فتاة من طبقة برجوازية صاعدة على فتاة يتيمة احتاجت أن تنزل إلى سوق العمل. فى الأفلام الأولى يتحقق حلم الصعود وينتقل العمال من الفقر إلى الغنى بسواعدهم وبجهدهم الشريف، وفى الأفلام الجديدة  يستحيل على العمال والعاملات تحقيق هذا الحلم ويبقى أملا صعب المنال فى زمن توحشت فيه الرأسمالية المرتبطة بعالم مترامى الأطراف لا يسمح للحالمين بتحقيق أحلامهم ويدفعهم دفعا للبقاء على حافة العيش.  بدأت قضايا العمال تطرح فى إطار من الواقعية المباشرة التى تسعى إلى توجيه المجتمع مدفوعة من خوف الرأسمالية من تحقق فكرة الاشتراكية فلجأت إلى تكوين النقابات والدعاية لها. ووصلت الآن إلى وعى باستحالة التعايش بين طبقة تستغل طبقة أخرى إلا من خلال ثورات كبرى تجبر أصحاب العمل على احترام الحقوق. العمل قصة كفاح تغلب عليها الرومانسية الحالمة، وفتاة المصنع يعكس تسليم العاملات بأوضاعهن ومحاولة الابتهاج رغم الحظ التعس.  

شكر خاص للناقد والمؤرخ السينمائى محمود قاسم للمعلومات القيمة التى عرفتها منه.
نشر بجريدة الجمهورية الأربعاء 7 مايو 2014/صفحة السينما إشراف حسام حافظ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق