Thursday, 28 January 2021

Anne with E مسلسل عن رواية " آن في المروج الخضراء"

 

كيف تكتب مسلسلا ممتعا وعصريا عن زمن فات

" آن في المروج الخضراء"

شاهدت مؤخرا 27 حلقة تمثل المواسم الثلاث لمسلسل كندي تدور أحداثه في السنوات الخمس الأخيرة للقرن التاسع عشر، المسلسل عن رواية لكاتبة لوسي مود مونتجمري تتناول فيه شخصية صبية يتيمة تربت في ملجأ بعد وفاة والديها، ثم تنتقل إلى مزرعة المروج الخضراء بديلا عن صبي عرض تبنيه ماثيو وماريلا وهما أخ وأخت لم يتزوجا بعد وفاة والديهما والرحيل المؤسف لأخيهما الأكبر الحنون والقوي، المسلسل رومانسي تاريخي نجح من خلال الشخصية الرئيس أن يستعرض جانبا من تاريخ البلاد وتحولاته الاجتماعية من المساواة بين الفتيات والشبان، ومن تغير القيم العنصرية واضطهاد السود والهنود الحمر، يتميز برسم شخصياته بعيدا عن التنميط ، الجارة راشيل حشرية ولكنها فعالة تميل لتفهم منطق خرين، البطلة آن مندفعة وشجاعة ولكنها تتجاوز الحدود وتتدخل في خصوصيات الآخرين وترتكب أخطاء نتيجة تسرعها، صديقتها ديانا برعم ما تتميز به من تعاطف ورقة تستغل إعجاب فتى فقير لها فتتبادل معه القبل فقط لتجرب دون أن تنوي الارتباط الحقيقي به، ماثيو قليل الكلام غير قادر على التعبير عن مشاعره فيساء فهمه ويفسر بأنه خال منها. يصحب التغييرات الاجتماعية  ظهور الكهرباء والطباعة وكيف ستدخل البلدات الصغيرة تجري تجربة شرحها المدرسة الجديدة بشخصيتها الصادمة والمختلفة عن السائد ، ترتدي البنطلون وتقود الدراجة وترفض زواجا بلا مشاعر حقيقية بعد وفاة زوجها، المسلسل درس في الكتابة كيف لا تسقط في الميلودراما وأنت تتناول قصة فتاة يتيمة، وكيف تقودنا حكايتها لاستعراض التطور التاريخي الذي مرت به جزيرة الملك ادوارد والمدينة الصغيرة ، موقع الأحداث التي تلخص عملية الانتقال من القرن التاسع عشر الى القرن العشرين.

نشكو كثيرا من مسلسلات الثلاثين حلقة ونطالب بالاكتفاء بأن تكون سبع حلقات أو عشر، ولكني مع هذا المسلسل لم أشعر بالإطالة لأن هناك عنصرا جديدا يدخل مع كل حلقة في حكاية آن ، فتظهر شخصيات ليتم طرح قضايا مختلفة كلها تصب في نبع قصة آن الرئيس وترتبط بكل من تتعامل معه، زميلها ومنافسها في التفوق جيلبيرت وحكايته، عائلها وحكايته مع حب قديم، زميلات الدراسة وحكاياتهن، محبتهن لها أو صراع بعضهن لاختلاف القيم والعادات. دون خطابة سنعرف أن سماجة الشاب المغرور بيل سبببها معاملة والده الخاطئة وتدليله له، سنعرف أن كراهية الزميلة  س سبببها دفاعها عن القيم المفروضة عليها من والديها، وهكذا لا يوجد شرير بطبعه،  أو مثالي وخير لأنه ولد كذلك، بل هناك تأثير وتأثر بالبيئة المحيطة.

شعرت بالغيرة من صناع المسلسل، كاتبته والمخرجات والمخرجين الذين تناوبوا على إخراج الحلقات لأنهم وجدوا من ينتج لهم عملا أبطاله مراهقين في مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب، فأبطال العمل في مرحلة ما قبل الجامعة هم من يحركون الأحداث، هم من يخطئون ويتعاركون ويثورون ، يحلمون ويقاومون سيطرة الكبار وقادة المجتمع، هم الأبطال أما الكبار فهم في الأدوار الثانية. عمل يحتفي بالحياة ويدافع عن حرية هؤلاء المراهقين في اختيار مستقبلهم ، يجري هذا على خلفية من المناظر الطبيعية التي لا تظهر باردة مثل الكارت بوستال ولكنها طبيعة حية تزيدها كلمات آن الثثارة جمالا،  طبيعة تتنوع بين الغابة التي يعيش فيها ثعلب نادر وحيد، لا نسمع عن وجوده كما يمكن لإنتاج فقير أن يكتفي به، بل نشاهده وهو يقترب من آن التي تتوحد معه وتجده شبيها بها في وحدتها وكونها عانت من الكراهية والنبذ. وجوده سيطرح رفض قتل الحيوانات والحصول على فرائها ويصوره كعمل بغيض، ستحب كيف يظهر التل المطل على البحيرة التي تقع الجزيرة عليها والحقول التي يزرعها ملاكها دون الاستعانة بعمالة، فهم يقومون بالعمل بأنفسهم ولا يلجئون للمساعدة إلا عند الضرورة، وتكشف المساعدة عن تملك السود لبعض الأراض بعد قوانين ألغت نظام العبيد، كما تكشف عن الفارق بين أوضاع مواطني كندا من أصول انجليزية وآخرين من أصول فرنسية، عن يهودي في صفة بائع متجول، وهندي أحمر يصنع عصا الجولف التي يحتاجها البيض، وابنته التي صادقتها بطلتنا آن وكتبت عنها في صحيفة المدرسة.

استغل المسلسل الخلفية التاريخية مهتما بكل تفاصيل الأزياء وشكل البيوت والأثاث والعلاقات داخل مدرسة الفصل الواحد ليطرح قضايا معاصرة، منها تقبل المثلية، وندية المرأة والرجل، وتقبل الاختلاف في اللون أو العرق أو الطبقة. على مدى حلقات المسلسل عايشت تاريخا لبلدة كندية صغيرة وكأنك تقرأ كتابا عن تاريخ البلاد ولكنه مصاغ في دراما تم كتابتها بفن ممتع.

بمثل هذه المتابعات أمكننا الاستفادة مما يبث على الشبكة الدولية  من أعمال تنتجها المنصات الحديثة، نتفلكس وشاهد وغيرها في التعرف على انتاجات متنوعة من مختلف بلاد العالم يمكن التعلم منها كيف تقدم عملا غنيا ممتعا ويطرح أفكارا تقدمية حقيقية عن ضرورة تقبل الاختلاف وعن الإيمان بالتغيير لتستمر الحياة.

صفاء الليثي 

نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 26 يناير 2021 رئيس التحرير عماد الغزالي 


 

Friday, 15 January 2021

عن فيلم المخرج رشيد مشهراوي "فلسطين بث مباشر"

نقل الرواية الفلسطينية بصدق ودون مبالغات

 شاب حليق الرأس ، أسمر البشرة أخضر العينين ، تظنه الأخ الأصغر للمخرج خيري بشارة ، وإذا سألته قال : إيه أنا من غزة ، قريب من مصر . فقط لهجته الشامية ، وأسلوب حديثه عبر جمله القصيرة ، وتعجله الدائم لينهي الندوة الرسمية ، لأنه على موعد مع الأصدقاء على مقهى هناك ، لديه قرون استشعار لأماكن دافئة في القاهرة أو رام الله ، في الإسماعيلية أو دمشق ، في فرنسا أو أمستردام ، رشيد مشهراوي صاحب الفيلم الوثيقة على الرغم من نسيجه الروائي " حتى إشعار آخر " وصاحب " حيفا " ، حاصد جوائز مهرجان القاهرة الدولي ، جائزة أفضل فيلم عربي والجائزة الذهبية لأفضل فيلم في المهرجان ، "  القاهرة " تسمعها من رشيد مشهراوي  وكأنها اسم الحبيبة الساحرة الأم " القاهرة .. هيك ، المترو والأصحاب ، جو تاني " .

بعد انتهاء مهرجان الإسماعيلية التقاه مثقفو القاهرة في اتحاد التسجيليين المصريين ، قدم ندوته محمد ملص وقال : " رشيد مشهراوي هو نفسه بث مباشر ، أفلامه التي قدمها عن فلسطين روائية وتسجيلية ، وفي فيلمه " فلسطين بث مباشر " يقدم الأحداث كجزء من الحياة ، الفلسطينيون يعيشون يتحابون، والحدث، الانتفاضة والاحتلال والقصف جزء من حياتهم اليومية  وسيضيف رشيد في نهاية الندوة بعد عرض الفيلم ، بأن فيلمه ليس مختصا بالبحث عن مشاهد القصف والضرب ، الفيلم تعايش وليس دعاية عن هيئة الإذاعة الفلسطينية ، نحن نعيش حياة مثل كل البشر، نضحك ونمزح ، الناس يطلقوا ، ويتزوجوا ، خارج الفيلم أصيب مراسل الإذاعة برصاصة حية ، لم أقدم هذا في الفيلم ، ليس هذا هدفي والمراسل الذي أصيب ليس مميزا عن غيره ممن أصيبوا ويصابون كل يوم ، حزنت على " إيمان حجو " ولكن هناك مئات غيرها ، هذه تقارير صحفية، ولم تعجبني طريقة تعامل مهرجان الإسماعيلية مع الفيلم الفلسطيني، نحن مشاريع حياة ولسنا مشاريع موت ، وليس كما تريدنا ااسرائيل ، وفيلمي موجه للإعلام الغربي ، هذا الفيلم سيشاهده العالم في استراليا ، وهولندا ، تعمدت صدق الرسائل ، مراسل صادف حادثا واحدا ، شخص واحد استشهد ، نقلت هذا لتوضيح مصداقية الرواية الفلسطينية ، الفيلم جسد أشياء لوضع ثقة ومصداقية بين المشاهدين والحدث .

" فلسطين بث مباشر " أحدث أفلام رشيد مشهراوي صور بالفيديو مستخدما أغلب الوقت كاميرا يدوية تتحرك مع الناس في موقع عملهم بالإذاعة ، أو في الشوارع حيث الحدث اليومي للحياة الفلسطينية عام 2001 . يبدأ الفيلم بأحداث ومذيع وسطها يبث عبر تليفونه المحمول : " استشهد مذيع في القناة الفرنسية .. " مجموعة من المراسلين الأجانب رجال وسيدات مع معداتهم بجوار المذيع ، ثم لوحة مكتوبة " هنا صوت فلسطين " بخط عربي جميل إخراج رشيد مشهراوي . داخل محطة الإذاعة بث إذاعي ، ثم اجتماع يدور فيه نقاش نسمع تفاصيله ، والكاميرا تتنقل بحرية ، ثم انتقال للشوارع ، وعربة الإذاعة تستعد للبث من موقع الاستعداد بالتظاهر ، ثم داخل الإذاعة والمذيع يقول : " ننقل إليكم من ميدان المنارة حيث يجتمع الناس لإحياء ذكرى النكبة ، ثم الموقع مرة أخرى ومظاهرة شعبية تهتف " بره بره يا احتلال " ثم انتقال لمكتب رئيس المحطة، محموعة العمل تتصفح الصحف اليومية ، مناقشة صاخبة ، ثم بث إذاعي بصوت مذيع قدير عن النكبة والبث الإذاعي الصوتي مستمر مع تغير الصورة في أكثر من مكان ، رئيس المحطة يوقف سيارته وتصعد سيدة تقدم نفسها " أنا بشتغل في وكالة القدس .. " تشرح طريقة عملها ، تعبر مظاهرة بجوار السيارة ونسمع صوت " لا تصور ، ولم لا ؟ صور " .

حتى الآن فيلم " فلسطين بث مباشر " يقدم ومن قلب الأحداث حالة مختلفة عن كل مانراه من لقطات لجنازات ورمي أحجار، يساورنا أثناء المشاهدة بعض الشك ، هل هو فيلم دعائي ؟ مشهد في منزل الزوجين السيدة التي التقيناها في السيارة ورئيس المحطة يتناقشان في العمل الزوج يقول " رويتر .. يتحدث عن عدم صحة الحيادية مطلقا ثم " كل قضيتنا إعلام ، هذه مساحة متروكة .. من يضغط يحصل على نتائج أكبر " .. ضعاف إحنا في الإعلام .. " وبالطبع يتحدث عن ضعف الإمكانيات. المشهد السابق به نقد ذاتي لوضع الإعلام الفلسطيني لا يخلو من قدر من الإحباط وسينعشنا المشهد التالي الذي يبدأ باغنية فيروز" لأجلك يا مدينة المدائن " وبث مع فتاة لطيفة تقدم برنامجها وهي في حالة من البهجة، وبرنامج " بطاقات محبة " الفتاة تعيش الحالة تبهجنا إشارات يدها الراقصة لتعلو الموسيقى وتنخفض مع إلقائها ، تبث أغنية فتصاحبها الفتاة بالغناء " إن شاء الله ترجع ليا " ثم تذيع وننتقل إلى قاهرة المعز مع يس مطر واتصال من فلسطين لمصر وأغنية أخرى " سلم لي عليه " الفتاة تغني ثانية لا يقلقها وجود الكاميرا و لا فريق تصوير المخرج رشيد مشهراوي  . قطع مفاجئ والفتاة تشرح برنامجها " بنطير مع الناس من مطار صوت فلسطين " الفتاة تتحدث بسعادة وإيمان بما تفعله . وانتقال مع مذيعة أخرى جادة تقدم خاتمة نشرات الأخبار " عاد الهدوء الحذر .. " يغلب الحجم المتوسط على صورة الفيلم ويبدو أن البث التلفزيوني هو هدف رشيد الذي يقترب من العاملين في الإعلام الإذاعي بدرجة كافية ونلمح حروف الهيئة بالإنجليزية P.B.Cصباح مبكر الصورة ندية مشربة بزرقة ، جرائد الصباح وغيرها من مظاهر حياة يوم جديد ، تلاميذ في الطريق إلى المدارس، رجل يرش مياه أمام دكانه ، وعربة الوكالة الفلسطينية تصل أمام مقر هيئة إذاعة وتلفزيون فلسطين ، نقاش في المكاتب الداخلية عن مقتل الطفلة " إيمان حجو " العمل يجري في استديوهات الإذاعة وموت الطفلة جزء من الأحداث وانتقال لمكتب به سيدات تبكين في هدوء ويدخل عليهن زميل ، حنشتغل ولا حنعيط " حوار طبيعي يحدث عادة فالرجال يتماسكون والنساء لا تحبسن  الدمع وخاصة إذا كان الموت لطفلة رضيعة ، ونسمع البث الإذاعي ويركز المخرج على فقرة اشتراك عرب 48 أعضاء الكنيست في الاحتجاج .

مراسل الإذاعة تستوقفه نقطة تفتيش ، الجنود الإسرائيليون يدركون وجود الكاميرا يتعاملون بتهذيب ، ونعود لمقر الإذاعة اتصالات عبر التليفون ومتابعة من خلال التلفزيون، وجود التلفزيون يفرض علي سؤالا لماذا اختار  مشهراوي  البث الإذاعي ؟ هل بدا له التحدي أكبر ؟ لا يمكن الاستغناء عن الصورة تماما حيث يتم الانتقال في بعض الأوقات لموقع الحدث. حركة حرة داخل الممرات، واجتماع آخر " لدينا أعدل قضية ولكن محامينا ضعيف ، وعندهم أبأس قضية ومحاميهم قوي " ومرة أخرى عن مساندة الإعلام الغربي والأمريكي لإسرائيل .

سيارة إسعاف ومشهد لحادث والمراسل يتابعه ، المصابة تدخل المستشفى ، يسرع المراسل ويصل إليها يسجل معها ، يدخل دكانا ويعد الرسالة بطرق بدائية عبر تليفون عتيق وجهاز تسجيل منزلي " أصيب الفتيان .. ببلدة الخضر .. ، ومن ناحية أخرى " المشهد يدل على فقر إمكانيات الإذاعة بعيدا عن المقر الرسمي وهنا المراسل يختم إرساله " صوت فلسطين بيت لحم " ومرة أخرى شارة هيئة الإذاعة P.B.C .

مشهد حياتي والمراسل يشتري خبز ، سلالم حجرية ومكان يوحي بأنها مدينة عريقة ، ثم داخل منزل رئيس المحطة يداعب ابنته وزوجته في حوار مع الكاميرا " حياتنا كلها متأثرة بالعمل الذي نعمله .." ثم الرجل يميل إلى اليأس " بخاف أحبط ..بعد ثلاثين سنة غير متأكد من الرسالة التي يوصلها .. " ينهي حديثه وتبقى كاميرا مشهراوي على وجهه مع لحظات صمته. مراسل بيت لحم يصل رام الله يحتفى زملاؤه به ويتبادلون حديثا إنسانيا عن تزايد وزنه ، صورة عرفات وعلم فلسطين في مكتب الرئيس ، اتفاق على عمل ومكالمة عبر المحمول ، لقطة دخيلة للرئيس ليتمكن المخرج من اختصار المشهد ، ثم بث إذاعي مع مراسل من مطار السلطة في نابلس ، قطع كهربائي وانقطاع الإرسال " نعتذر عن القطع ونواصل ..  ، 200 مستوطن اقتحموا .. " حادث كبير ودخان متصاعد عن بعد، العيش تحت الخطر واحتمال توقف الإرسال في أي وقت حوار دائر بهذا المعنى . ثم في الخارج عدد كبير من سيارات الإسعاف ، مكان به مراسل يكتب وعدد كبير يتابعون ما يكتبه ، مصاب يخفون وجهه بسرعة غالبا توفي ، المخرج يتحاشى مشاهد الدماء على عكس أفلام تبالغ في هذا ، المراسل ينقل من خلال المحمول " قصف بطائرات إف 16 . ثم موقع به منازل مهدمة ، وشخص يودع ابنه ، الحياة مستمرة رغم الموت وتحت أي ظروف ومراسل يبعث اسم المتوفي " اسماعيل أبو رفيع ، 21 عاما ، داخل الإذاعة فتاة تطمئن والدتها التي تلح على عودتها ، الفتاة تعطي التليفون لزميلها أو قد يكون خطيب الفتاة " أيوة يا خالتي .. ما تخافي ، كلنا واخدين بالنا عليها " ثم الفتاة تبث الأخبار " استشهد اليوم الشاب اسماعيل أبو رفيع 21 عاما .. " تنهي عملها وتواجه الكاميرا حابسة دموعها " احنا هون ، بدهم ينهونا ، احنا هون " الكاميرا باقية على وجهها الصامت في تصميم كبير . بث من رئيس الإذاعة " أسعد الله مساءكم أينما كنتم ، مستمعينا في فلسطين نتمنى لكم ليلة هادئة خاليا من القصف ، والذين يستمعون إلينا خارج فلسطين نتمنى لكم الاستمتاع في الخارج حيث النسيم العليل .. " موسيقى على مشهد ليلي خارجي وتظلم الشاشة وتكتب العناوين " فلسطين بث مباشر " .

في فيلم رشيد مشهراوي يبدو حماس الفتيات أكبر، قدر كبير من اليأس والإحباط ونقد ذاتي مرير على لسان مسئول المحطة ، شكوى من زوجته عن صعوبة الحياة ، وإصرار من فتيات على البقاء والمقاومة .

أداء العاملين أمام الكاميرا الذي بدا طبيعيا شرح سببه  رشيد مشهراوي  قائلا : الكاميرا أصبحت جزءا من حياتنا ، دائما هناك مصورين ومراسلين من كل العالم ، انعدمت الرهبة من الكاميرا وقال إننا ترددنا كثيرا قبل التصوير وتعايشنا معهم ، الكاميرا أصبحت مثل أجهزة الصوت بالنسبة لهم لا يزعجهم وجودها ، الفتاة التي حادثت أمها نسيتنا تماما واندمجت في مشاعرها ومع عملها ، كان هدفي الدخول في كواليس الإذاعة وبالطبع فكرت في تناول البث التلفزيوني ولكن تناول البث الإذاعي مثل تحديا أكبر أمامي كمخرج يريد نقل الرواية الفلسطينية ورسالة الإعلام الصوتي بصدق ودون مبالغات .

صفاء الليثي

   حاشية: عرض الفيلم بمهرجان الإسماعيلية وأعدنا عرضه بندوة الثلاثاء في نشاط جمعية التسجيليين المصريين التي رأسها المخرج فؤاد التهامي .

تعريف من ويكيبيديا رشيد مشهراوي مخرج أفلام فلسطيني

ولد رشيد مشهراوي عام 1962 لعائلة لاجئة أصلها من يافا ونشأ في مخيم الشاطئ في قطاع غزة. إثر مرض والده اضطر في جيل 14 عاما للعمل للمساعدة في إعالة عائلته. لم يدرس السينما بل وصل إليها من خلال اهتمامه وتجاربه بالفن التشكيلي، أخرج فيلمه القصير الأول جواز السفر عام 1986 حول زوجين علقا في المعبر الحدودي بين إسرائيل والأردن وذلك لأن الزوج أضاع جواز سفره. وعام 1992 أخرج فيلما كوميديا قصيرا بعنوان الساحرعام 1993 هاجر إلى هولندا حيث أقام لمدة 3 سنوات وأسس مع هاني أبو أسعد شركة أفلام أيلول التي أنتجت أفلاما بالتعاون مع شركة أفلام أركوس الهولندية. عام 1996 انتقل إلى رام الله حيث أسس مركز الإنتاج والتوزيع السينمائي في محاولة لتطوير طواقم إنتاج محلية.

يعتبرالمخرج رشيد مشهراوي أول سينمائي فلسطيني عمل على إنجاز سينما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد أنجز العديد من الأفلام التي كان أولها (جواز سفر) 1986 أي قبل الانتفاضة الأولى، ثم (الملجأ) عام 1989، و(دار ودور) 1990، و(أيام طويلة في غزة) 1991.. وبعد أن أسس رشيد مشهراوي شركة (أيلول للإنتاج التلفزيوني والسينمائي) عام 1992 قدم فيلمه الروائي الأول (حتى إشعار آخر) 1993، ثم فيلمه الروائي الطويل الثاني (حيفا) عام 1996..الذي كان أول فيلم فلسطيني يعرض بشكل رسمي في مهرجان كان السينمائي منذ أن تأسس المهرجان، وفي العام 1996 أسس رشيد مشهراوي (مركز الإنتاج السينمائي) في رام الله، وعمل من خلاله ورشات تدريب، وأسس مهرجان سينما الطفل، والسينما المتنقلة في فلسطين، وأنتج من خلاله مجموعة من الأفلام منها (رباب) 1997، و(توتر) 1998، و(خلف الأسوار) 1999، و(غباش) 2000، و(موسم حب) 2000، و(مقلوبة) 2000 و(من فلسطين بث مباشر) 2001، وفيلمه الروائي الطويل الثالث (تذكرة إلى القدس) 2002..ثم قام بإنجاز بعض الأعمال التجريبية مثل (قمر واحد) و(شهرزاد) و(حمص العيد) 2003، ثم فيلمه الروائي الطويل الرابع (انتظار) ، وفيلم وثائقي طويل (أخي عرفات) في العام 2005. 2008 أنجز فيلمه الروائي الطويل الخامس (عيد ميلاد ليلى) و في العام في العام 2009 قام بكتابة وإخراج اربع أفلام وثائقي بعنوان ( الأجنحة الصغيرة ) حول موضوع عمالة الأطفال في العالم العربي حيث تم تصوير الأفلام في مصر والمغرب وفلسطين والعراق، في العام 2011 قام بإعداد وإخراج فيلم وثائقي بعنوان (رجل وطن ومدينة) عن القائد الفلسطيني المقدسي فيصل الحسيني في العام 2012 أنهى فيلمه الوثائقي الجديد (أرض الحكاية) وفي العام 2013 أنجز فيلمه الروائي الطويل السادس الذي عرض في مهرجانات عالمية وعربية وبدأت عروضه في مدن مختلفة وفي بداية العام 2014 أنجز فيلم وثائقي بعنوان ( رسائل من اليرموك) عن حصار المخيم الفلسطيني المحاصر في دمشق جراء الأحداث الجارية في سوريا، حصل على العديد من الجوائز العالمية في المهرجانات الدولية، وشارك في عضوية ورآسة لجان تحكيم في مهرجانات عربية ودولية. غزة واشنطن هو مشروع سيناريو لفيلم روائي طويل متوقع تصويره في نهاية العام 2015 ، اعتبر الناقد سمير فريد فيلمه حتى إشعار آخر أول فيلم فلسطيني لأنه أنتج في الأراضي الفلسطينية المحتلة بواسطة طاقم فلسطيني.

 

Thursday, 14 January 2021

مأزق الخطاب الإعلامي المصري (عام 2002)

 قناة النيل للأخبار جهد شاب ينقصه الاكتمال

تطالعنا مذيعة الربط بالقناة الثانية " حياة عبدون " بوجهها المبتسم دوما وتردد بأنها تعدنا بأننا لن ندير مؤشر القنوات عن القناة الثانية التي تقدم مائدة حافلة من البرامج والأفلام والمسلسلات التي سيلتف حولها كل أفراد الأسرة . ومع جزيل الشكر والاعتذار لها ولأسرة القناة الثانية – الحافلة بالأفلام والمسلسلات الأمريكية - فإننا لن ندير مؤشر القنوات عن قناة النيل للأخبار- إحدى قنوات النيل المتخصصة - التي نجحت خلال أحداث الانتفاضة الثانية وخاصة مع بدء الاجتياح الإسرائيلي لمدن السلطة الفلسطينية في بث التقارير الحية وتقديم برامج إخبارية وعددا من الحلقات – يطلق عليها خطأ أفلاما تسجيلية – تتركز موضوعاتها على الصراع العربي الإسرائيلي الذي كان أحد الأسباب الهامة في شحن الشعب المصري بكل فئاته العمرية للوقوف مع الشعب الفلسطيني وانعكس ذلك في أشكال مختلفة من التضامن بداية من المظاهرات الغاضبة ، انتهاء بمقاطعة البضائع الأمريكية والمطاعم المنتشرة خاصة في العاصمة والمدن الكبرى .

تطالعنا وجوه الفتيات الشابات بملامحهن المصرية بعيون سوداء وشعر غير مصبوغ تقدمن النشرات والبرامج بكفاءة تامة مع زملائهن من الشباب ، تامر أمين، أحمد أنور، شريف عامر ، محمد البلك وآخرين ، والفتيات منى الشايب ودعاء جاد الحق  ودينا سالم وأخريات . جيل ولد بعد حرب أكتوبر 1973 ، ومع ذلك لديهم وعي بالأحداث التي مرت بها مصر والمنطقة العربية ، وعي يتبدى في برامج صامدون ، والصورة في أسبوع ... وغيرها من البرامج التي جذبت المشاهدين وجمعتهم حولها . ويبقى سؤال لمن توجه القنوات المتخصصة عبر القمر الصناعي المصري " نايل سات " ؟ الأغلب أن هناك خطأ في لغة الخطاب الإعلامي للقناة حيث تحفل اللغة بكلمات " السفاح " و" المجازر الوحشية " وهي لغة لا يفهمها أغلب البشر وخاصة في دول العالم الأول – أوربا وأمريكا – الذي يهمنا أن نتوجه إليه خاصة هذه الأيام، والأرجح أنها لغة خطاب للاستهلاك المحلي وتعمل على تنفيس غضب المشاهدين وتتركهم وقد حققت نوعا من التطهر والراحة ، فهل هذا هو المطلوب ؟ ومع نجاح الخطاب الإعلامي المصري في التقليل من درجة التعتيم التي سادت فترات سابقة إلا أنه يظل في حاجة إلى تطوير وخاصة بالتخفيف من نغمة التفاخر التي ترد على لسان مسئول الإعلام الأول السيد " صفوت الشريف " كما ترد في الإعلان المصور على القناة الذي ينتهي بأن الخبر ينتقل هكذا ،  ثم تظهر شارة قناة النيل للأخبار  وكأنها إعلان تجاري عن سلعة أو فيلم في دور العرض .

في شهر مايو تم الإعلان عن إقامة " ليلة فلسطينية " أقامتها قناة النيل للأخبار في المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية وعرضت فيها أعمال تسجيلية أطلق عليها خطأ " أفلام تسجيلية " وهي بالكاد حلقات إخبارية برامجية يفتقد الواحد منها للوحدة الفنية التي تجعله فيلما تسجيليا دون أن يقلل هذا من قيمة ما تحتوي عليه من معلومات وروح تضامن مع القضية الفلسطينية التي تمثل أحداثها مادة خصبة لتغذية كل الأنشطة الإعلامية مما يجعل متابعتها يخدم القنوات أفضل مما تخدمها القنوات .

 بعض هذه الأعمال لا يرقى لمستوى الحدث وخاصة العمل " بنت صهيون " الذي قدم عن موسوعة د. عبد الوهاب المسيري " اليهود واليهودية والصهيونية " وفي الحلقة التاسعة من المسلسل الإخباري التي عرضت طالعتنا فتاة تعلق بصوت ينقصه الكفاءة المطلوبة وتكرر ظهورها في لحظات ربط لا تناسب كون ما أطلق عليه فيلما تسجيليا مسجلا وليس بثا مباشرا يحتاج فقرات ربط بل كان يجب أن يُبنى كفيلم من خلال ما احتوى عليه من حوار مع مؤلف الموسوعة " د.عبد الوهاب المسيري " ومن اشترك معه بها " أ.أحمد صدقي الدجاني " وباحث شاب آخر، واستخدام ما يقولونه على المشاهد الوثائقية دون حاجة لوقوف الفتاة بجوار بعض الآليات العسكرية التي سببت بلبلة للمشاهدين وتبين أنها آليات مصرية رغم أن الحديث يدور عن الآلة العسكرية اليهودية والفكرة الصهيونية، جلست الفتاة في وضع إعلاني فاردة ساقيها على مركبة حربية وخلفها يرفرف علم مصر، وفي النهاية يتبين من العناوين أن من قرأت التعليق هي المخرجة " لمياء جودة " التي على حد علمي ليس لها أعمال سابقة تؤهلها للتصدي لتقديم موسوعة هامة أمضى أستاذا جليلا عمره كله في تحقيقها ومعه باحثين أفاضل يكفي ظهورهم لجذب المشاهدين دون الحاجة للقطات ذات الطابع السياحي التي تناسب برامج منوعات وليس برامج جادة في قناة نحترمها ونلتف حولها .

وسط البث التلفزيوني لقناة الأخبار عن الحادث الاستشهادي في حيفا ظهر شابين إسرائيليين يتابعان نقل المصابين  وهما يتضاحكان وكأنهما يشاهدان فقرة في سيرك ، مع المتابعة المتكررة لنشرات الأخبار أعيد المشهد وتأكدت من بُعده عن التخيل ، بل هما بالفعل يضحكان بلا مبالاة مستندين على حاجز على الرصيف أحدهما قميصه أبيض شديد البياض وهو ما يلاحظ في مشاهد أخرى يسود فيها ارتداء الإسرائيليين لملابس بيضاء ناصعة بخلاف ملابس اليمينيين منهم حالكة السواد والجميع يتحركون على مهل بإحساس تام بالسيطرة والأمان . على الأقل هذا ما تنقله الصور وما أكده فيلم من إنتاج قناة النيل للأخبار باسم " القدس .. بعيدا عن نشرات الأخبار " يحكي فيه مذيع قناة الأخبار " شريف عمار" عن جولة في القدس صحبته فيها مراسلة قناة النيل للأخبار " شروق أسعد " في جولة شبه سياحية تنتهي بسيرهما وسط مسيرة لشابات وشباب إسرائيليين يحملون علم إسرائيل ناصع البياض مع النجمة الزرقاء والخطين الأزرقين ، نهري النيل والفرات.  يعبر بطلانا شريف وشروق الطريق وقد انتابهما صمت بليغ ، ويسود الكادر الأعلام الإسرائيلية التي ترفرف بأمان تام وتتسيد الصورة والمشهد . ووسط عدم استيعابي قرأت اسم المخرج " حسين الرزاز " وبمشاعر غاضبة استنكرت أن نقدم فيلما ينتهي بمشهد لا يقل عن ثلاث دقائق ترفرف على سمائه أعلام إسرائيل بدلالتها التوسعية ، وعلى قدر الغضب الذي يمكن أن يصيبنا من المشهد على قدر صدق الرسالة التي وصلتنا من شباب قطاع النيل للأخبار عن الحالة التي وصلت إليها القدس ؛ بقايا من تراث عربي في مقابل واقع إسرائيلي وإحساس مفرط بالأمان والثقة .

وفي احتفالية " ليلة فلسطينية " شاهدنا عملا آخر للمخرج الشاب " حسن الرزاز " يظهر بوضوح أن المخرج لا يستوعب جيدا لغة الصورة ولا يعرف أين يضع الكاميرا وكيف يتحرك بها لينقل المعاني التي يريدها، ففي فيلم صور في ديسمبر 1998 عن مدن السلطة الفلسطينية نجد التعليق يخبرنا عن نابلس بينما الصورة تقدم لقطة متوسطة لمنازل المستوطنات ثم تتراجع الكاميرا لتظهر المستوطنة كمنتجع سياحي دون التأكيد على كونها كانت مزارع زيتون أو منازل فلسطينيين بل يمضي التعليق في ذكر ما تتميز به نابلس دون أن تنجح الصورة في نقل ما يخبرنا به التعليق .

قام المخرج بعمل نسخة جديدة من فيلمه التسجيلي " النيل يعانق فلسطين " وهو حلقة من برنامج النيل يعانق الأشقاء فأصبح " النيل يعانق فلسطين /نظرة أخرى " يتوقع المشاهد أن يلجأ المخرج لعمل إزاحة لصورة مدن السلطة الفلسطينية التي صورها في ديسمبر 1998 لتحتل صورة الاجتياح الإسرائيلي الذي بدأ مساء 28 مارس 2002 ولكنه اكتفى بوضع أحداث الاجتياح في إطار يحتل 25%من الصورة بجوار المشاهد القديمة في إطار مماثل ، وكتابة على الشاشة " النيل يعانق فلسطين "، وعندما حدثت الإزاحة سيطرت  الصورة القديمة بدلا من الأحداث الجديدة في تقابل بين الأمل واليأس  كما يقرأه المذيع " أحمد أنور " الذي احتلت صورته ثلاثة أرباع الصورة بجوار مربع لا يكاد  يُرى من مشاهد البلدة . والعمل المذكور بأكثر الكلمات تهذيبا محاولة تمت في تعجل لا يرقى إلى مستوى الحدث .

وتلخيصا لمأزق الخطاب الإعلامي المصري الذي يأخذ موقف الدفاع بإصراره على الحديث عن الريادة المصرية حتى في الوقوف مع الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى الحديث عن جيل أكتوبر وإنجازاته كرد فعل على الدور الذي لا يمكن إنكاره لجيل الستينيات في مختلف المجالات الإعلامية والثقافية وهو الجيل الذي أرسى قواعد الفيلم التسجيلي المصري وقام بدوره في توثيق أحداث الفترة الناصرية وما بعدها بمستوى فني متكامل خلافا لمحاولات شباب قناة الأخبار الذين يخلطون بين أسلوب التقارير الإخبارية التي تحتاج مذيع ربط كما تفعل مراسلة قناة الأخبار شروق أسعد في تقاريرها الهامة وبين حلقات تسجيلية تحتاج صياغة فنية وبنية تعتمد على ما وصل إليه فن المونتاج الذي ينجح في خلق صدام وجدال ومعرفة جديدة عن طريق الانتقالات بين الأفكار واللقاءات والمواد المصورة للأحداث على غرار ما يقدم في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإنجليزي وأيضا القناة الفرنسية الخامسة التي تقدم أعمالا تسجيلية متنوعة لمختلف القضايا السياسية .

أن يقال عن نشاط ما أنه يقام تحت رعاية السيدة الفاضلة " سوزان مبارك " حرم رئيس الجمهورية فهو قول في محله لأنها بالقطع لا تتقاضى راتبا على جهودها كما أنها تقوم بها بشكل تطوعي كقدوة للجميع على بذل الجهد في مجالات رعاية الأطفال والمرأة وعددا من مشروعات تنمية المجتمع التي تحتاج روح التطوع لتحقق أهدافها ، أما أن يحتفل السيد وزير الإعلام ويمنح بركاته وتقديره للعاملين تحت رئاسته مع إطلاق تعبير " تحت رعاية " فهو أمر لا يجب أن يحدث بل على العكس يجب أن  توجه الدعوة لكبار المثقفين وأهل الفكر والإعلام ويستمع لآرائهم المخلصة في ما تقدمه القناة  لكي تبقى مصر في مواصلة رسالتها الإعلامية التي تخدم قضايانا الوطنية بعيدا عن كلمات لا يصح ترديدها في عصر السماوات المفتوحة مثل " الريادة والعظمة " وكل تلك النعرات العنصرية التي تدعي التفوق ولا تترك المشاهدين يعبرون لها عن إحساسهم بذلك بل تصادر على آرائهم إلى حد يتهم فيه من يقدم رأيا مخلصا بتهمة سخيفة تسمى " الإساءة إلى سمعة مصر " ، على هذا ودون الخوف من أي تشكيك في الانتماء فقد انزعجت بشدة من القول بأن الاحتفال يقام تحت رعاية السيد صفوت الشريف وأندهش لتعبير تحت رعاية الذي يطلق على عمل هو من صميم عمل السيد المحترم  ويدخل في مهامه الوظيفية كوزير للإعلام في حكومة منتخبة من الشعب .

                                   صفاء الليثي

نشر بجريدة العربي الناصري 2002

 

رسالة الإعلام الفلسطيني في " الطير الأخضر "

الطائرات الورقية فعل مقاومة

الاثنين 18 مارس 2002 كان موعد لقاء أفلام فلسطين التلفزيونية مع مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال الكاتبة والمخرجة ليانة بدر التي تشارك بفيلمها " الطير الأخضر " في مسابقة قسم أفلام التلفزيون حضرت بصعوبة مع مجموعة الأطفال  الفلسطينيين للمشاركة في لجنة التحكيم كما هو متبع في مهرجان الطفل بالقاهرة ، واستطاعت أن تنهي المراحل الأخيرة من فيلمها " الطير الأخضر " في مصر وعنه تقول  :

" قدمت الفيلم  بمشاركة الأطفال لننقل وجهة نظرنا إلى العالم لما لاحظناه عن الصورة النمطية للطفل الفلسطيني الذي يرمي الحجارة ، أردت تقديم فيلم يحكي فيه الأطفال عن أحلامهم وقت الانتفاضة والتعبير عن إرادة الحياة عندهم " .

" نحن أبناء فلسطين ، نعرف نرقص ونغني ونحكي كثيرا من القصص الحلوة " بصوت طفلة يعلق على صور لأطفال صغار يحملون أعلاما صغيرة ، ومظاهرة الأطفال فيها يحملون لافتات سلام ضد العنف ، وتعليق الطفلة مستمر : " نحب نعيش أحسن من هيك ، نعيش حياة غير طبيعية غير باقي العالم " ثم موسيقى على رسم من رسوم الأطفال يوضح طائرة ورقية مشتبكة في سلك شائك ومعلومة مكتوبة " معرض 100 شهيد ، 100طائرة "  فتاة اسمها مريم تحكي عن طفل فتح القفص وأطلق سراح العصفور قبل استشهاده بيوم والصورة من قفص مفتوح إلى الفتاة تتطلع من نافذة وتقول إنها تريد أن تكون مخرجة ، فتاتان أمامهما صندوق به كتاكيت ، أحدهما تحكي عن تربيتها للكتاكيت " الصيصان " ثم لقطات لعساكر الحواجز يشيحون للناس ليتحركوا بسرعة ، مريم تجري وسط الناس بينهم رجل متوسط العمر على عكاز ، فتاة أخرى تحكي أنها كتبت " أهلا وسهلا تفضل اجلس تحت القصف ثم تحكي عن صديقتها التي ارتدت ملابس سوداء حتى لا  يشاهدها الجنود في الظلام فواصل موسيقية على لقطات هادئة نوعا ثم الفتاة تحكي أنه يوم في الساعة الخامسة والنصف من صباح الخميس 18/10/2001سمع صوت " ممنوع التجول حتى إشعار آخر " الدبابات تلف حول البيوت ثم انتقال إلى طائرة ورقية وتقديم لثلاث صبية جمال ومأمون واسحق أبو موسى الأول يريد أن يصبح طبيب بيطري والثاني لاعب كرة قدم الثالث يحكي عن استشهاد واده " ناصر لطفي " نرى صورته معلقة على جدار الصبي يحكي عن استشهاد أبوه ثم نعود إلى جمال الذي مات كلبه المخرجة تسأله " أول مرة تربي كلب ؟ " يجيب وسط دموعه الحبيسة " ثاني مرة " . مأمون يفرجنا على جوائز لعب الكرة " كأس مؤسسة شباب البيرة " ويحكي عن أخوته من استشهد منهم ومن بقي . فتاة من أسرة غنية تحكي عن حلمها أن تكونعصفورة ، تطير وتلف حول العالم " أطلع على القمر وأقعد عليه " ثم تحكي أن ما يعجبها في جو الانتفاضة أنهم يجتمعون جميعا ويحكون ، ثم تعزف على بيانو صغير وهي تغني " أوضاع في بلدتي / أحداث لا تنتهي / منها الكبير الكبير / منها الصغير الصغير / فصمدنا أمام الغزاة / لنحرر فلسطين " ثم نراها أمام السور تتطلع لمنطقة مقابلة بها مستعمرة إسرائيلية ثم تجيب عن سؤال للمخرجة عن وضعها لعلم فلسطين على صدرها فتجيب " افتخاراً بالوطن " تحكي :  " في يوم عيد الاستقلال تبع الإسرائيليين ، كان في ألعاب نارية حلوة ولكن احتفالهم لاحتلال بلادنا شيء يضايق " تواصل بأن شارون منع اللعب بالطائرات الورقية فتحمس الصبية للعب بها في مواجهة المستوطنة ثم نسمع غناء بدون موسيقى " ركضنا في الساحة ولعبنا لعبات / ولعبنا في الساحة وحكينا حكايات " الصورة في الفيلم مخالفة لما اعتدنا مشاهدته في شرائط الأخبار بعيدة عن الحماسة والصراخ بل تنقل صورة هادئة تشبه نارا تحت الرماد ، شوارع الفيلم هادئة ، بقايا صورة على حائط تبدو كلوحة لرجل محفورة في الجدار ، أطفال صغار يلعبون بجوار سيارات مهشمة ، أشياء مقلوبة في منزل والأطفال يجلسون على الأثاث المبعثر وطفلة أخرى تحكي أنها تحب أن تتعلم العبرانية لتقول لهم " اطلعوا من بيوتكم " مش الكم بيوت !؟ " طفل يحكي عن تربيه للعصافير وبيعها ليساعد أهله وكيف أنه أصبحت لتتحمل البقاء لأربع ساعات على الحواجز فتموت . ثم لقطات من فوق أسطح المنازل الفتيات تنشرن الغسيل فتاة تلفت وتحدثنا " المستوطنة قبالنا ، نحن ما بنخاف لكن الصغار يخافون ، ما فيش عندهم أطفال " تحكي عن حبها للعب بطائرة يصنعها أخوها تحمل علم بلادها وتطيرها في السماء ثم نلتقي بالأخ وهو صبي على أعتاب الشباب لنصل لمشهد النهاية ونشاهده يحكي عن حبه لعمل الطائرات الورقية وكيف أصبح يعلم الأولاد ، حتى قام بعمل طائرة على هيئة علم فلسطين " أطيره علشان أقهر العدو والمحتلين أراضينا ، أرفعه لأكسر أعينهم ، ردوا علينا بطائرات عليها علم إسرائيل بس ما قدروش يعملوه بنفس الفن وعلى طرقنا  " .

فيلم " الطير الأخضر "  يقدم نماذج مختلفة لأطفال أغنياء بيوتهم لها حدائق ، وآخرون يعملون أعمالا بسيطة لمساعدة عائلاتهم مثل صبي يبيع قهوة لمن يريد وآخر يتجول بأكياسه يبيع أدوات مدرسية وثالث كان يربي عصافير ولكن الأحداث عطلت تجارته الصغيرة وأماتت عصافيره. فتاة تعيش في بيت كبير وله حديقة ولكنها محاطة بسور في مواجهة مستوطنة كانت أرضا فلسطينية حتى وقت قريب غيروا اسمها وبنوا بيوتهم عليها .

فيلم " الطير الأخضر " مصور بالفيديو بكاميرا نصف احترافية وعلى فترات متباعدة تبعا لما سمحت به الأحداث ويقدم أطفال رام الله والبيرة وهم يحكون روايتهم للمعيشة وسط الانتفاضة ، أنهت " ليانة بدر " اللمسات الأخيرة في المونتاج في مصر وبلغ طوله 38 ق وفاز بالميدالية البرونزية في مسابقة الأفلام التلفزيونية والتحريك قالت عنه المخرجة والكاتبة ليانة بدر أن الفكرة بدأت من أطفال جيران لها في رام الله يسكنون في منطقة تواجه مستوطنة إسرائيلية ، وما أثار فضولها رؤيتها لطائرات ورقية مرسوم عليها علم فلسطين وكنت أدهش كيف لايخاف الأطفال من رفع طائراتهم في أماكن خطرة بها سكان يقومون بأعمال قنص وقتل وعندما بدأت في عمل الفيلم فهمت من الأطفال أنهم يعتبرون هذا العمل فعل مقاومة .

وعن ظروف تصوير الفيلم قالت إنها اهتمت بألوانه الغنية التي تعكس جمال الطبيعة في فلسطين وأنهم يعانون من صعوبة وجود ميزانيات لعمل الأفلام وتلقت دعما من " سيدا " المؤسسة السويدية للتعاون ، ولم تتمكن من تجهيز مواد دعاية لتصاحب الفيلم في مهرجان القاهرة الدولي للأطفال ونتوقع ما بين الحصارات الإسرائيلية في فترات التوقف أن تنمكن من بثه عبر الإنترنت كما اقترحت السيدة " منى شوقي " مديرة وكالة أنباء الشرق الأوسط بالقاهرة التي عبرت عن سعادتها بالفيلم لأنه ينقل رسالة هامة عن هؤلاء الأطفال ورغبتهم في العيش في حب وسلام وأنها شاهدت صورة مختلفة عن كثير من الأفلام الأخرى  .

تحدثت ليانة بدر عن توارد خواطر كل الأطفال الفلسطينيون في أكثر من فيلم بحلمهم أن يكونوا عصافير وكونه حلم جماعي لا يقدر أحد على قمعه . كما تحدثت عن نجاحهم في عبور الحواجز للحاق بطائرة مصرية تصادف وجودها لكي تتمكن هي والأطفال الفلسطينيون أعضاء لجنة التحكيم من الوصول في الموعد والمشاركة مع أطفال العالم في تظاهرة الأطفال الدولية استجابة للتعاطف الكبير من الشعب المصري والعربي وشعوب العالم .

    مقال قديم أعيد نشره ليبقى في ذاكرتنا              صفاء الليثي

نشر بجريدة العربي الناصري الأسبوعية مارس 2002 / مسئول صفحة السينما ماهر زهدي

 

عن كتاب فيلليني سينما السحر والأحلام للناقد أمير العمري

كتاب ممتع ومحفز على إعادة مشاهدة الأفلام

لا شك أن المكتبة السينمائية العربية تعاني من نقص شديد في مؤلفات السينما خلاف للترجمات، ولهذا يأتي كتاب " فيدريركو فيلليني سينما السحر والأحلام للناقد أمير العمري" إضافة هامة للمكتبة العربية في صياغة جيدة لا تربك القاريء، زاخرة بالمعلومات والاهتمامات التي تتناولها الصحافة السينمائية عادة ممتزجة برأي نقدي يخص الكاتب نفسه ، واقتباسات من نقاد أجانب مرموقين يتم ذكرهم في متن النص كما يرفق بعد كل فصل مصادر الدراسة التي رتبت زمنيا بحيث خرج الكتاب كمرجع شامل لكل أعمال فيلليني ومقتطفات من أقواله، معلومات ما يعرف بالميكنج أو كواليس عمل الفيلم، مع ذكر ردود الأفعال وقياس مدى النجاح التجاري والنقدي لكل عمل من أعمال فيلليني دون إغفال أعماله القصيرة. نتوقف في الكتاب عند جمل تبلغ أهميتها ما لجمل حوار الأفلام من أهمية، إنها " يعيش السينما ولا يعمل بها فقط" كما يصفه الناقد" بيتر بوندانيلا" ، "غير أن السينما تظل أقوى من الحياة"، " يمكن اعتبار الفيلم رحلة في عقل كائن خرافي " يحمل الكاتب لقب دكتور فهو خريج كلية الطب جامعة عين شمس عام 1976 ، ويمكن أن يحمل اللقب ليكون دكتورا في السينما بهذا العمل البحثي الهام الذي يعتمد المنهج البحثي في الكتابة عن عبقري قنان، بذكر المصادر وتحليل الأعمال ثم الوصول الى استنتاج نهائي، مذيلا برأيه، أو منتهيا بجملة قالها فيلليني نفسه، مثل " تعلمت من كازانوفا أن غياب الحب هو أعظم الآلام" .

كتاب أمير العمري عن فيلليني يكسر عددا من المسلمات على رأسها مقولة، الفنان أسوأ من يتحدث عن عمله، فعلى النقيض تماما فإن فيلليني أفضل من يتحدث عن أفلامه ويشرح طريقته في العمل أفضل من أي ناقد يتبع منهج التفكيك والتأويل. وهو أيضا قادر على شرح الفيلم للممثل وخاصة أنه لا يعطي ممثليه سيناريو كامل ولا نسخة حوار سيرددوها في الفيلم، يشرح العمري كيف يوجه ممثليه بالبوق الشهير الذي يحمله عبر الميكرفون ويعتمد على الدوبلاج ، تسجيل الصوت لاحقا لكي يضبط تماما الجمل التي يريد قولها. مسلمة أخرى يكسرها الكتاب ففي عرضه للأفلام يقوم الناقد بشرح المشاهد ووصفها بالكلمات قبل أن يخرج بتحليله النقدي، وهذا الوصف لم يمثل عائقا أمامي للاستمتاع بالفيلم بعدما أعدت مشاهدته بتحفيز من المعلومات والتحليل الشامل الذي قرأتع بالكتاب. فمهما وصل وصف المشاهد بالكلمات لا يمكن أن تغنيك عن مشاهدتها، في فيلم فيلليني الذي يمزج الواقع بالسحر والخيال بالأحلام كما ورد كثيرا في وصف طريقة عمله. يكتب العمري ، "ساتيركون فيلليني " عالم غير متماسك،غير متجانس، مركب من الصور والتداعيات التي تندفع من عالم الحلم ، وينقل أيضا أن أصدقاءه المقربون أكدوا أنه كان يختلق ذكريات شخصية للاستمتاع فقط بتصويرها في أفلامه" . أثناء قراءتي للكتاب كنت ألهث في محاولة لملاحقة الأفكار المنهمرة من فيلليني وناقد أجنبي يتحدث عنه والعمري في استدراكاته واستنتاجه الأخير، وكأن حمى الكتابة عن فيلليني قد انتقلت من الكاتب الى القاريء وتشربت روح فيلليني وشخصيته الصريحة القوية، أتمثله حين يقول ، لم أفهم الكثير من قصتك ..، ولكني أخيرا حصلت على حريم الملك سليمان، وأتوقف عند قول الكاتب " لقد أصبح فيلليني علامة مسجلة ، ولهذا هناك "روما فيلليني"، "ساتيركون فيلليني" وكازانوفا فيلليني " في الكتاب شرح واف لسبب اقتران اسم فيلليني بالأعمال السابقة تحديدا .

ولشرح سبب سقوط فيلم " كازانوفا فيلليني " يذكر الكاتب أن هذا بسبب مخالفته للصورة السابقة عن كازانوفا لدى الجماهير، ينقل العمري مقولة " القاعدة الأولى في الفن أنك يجب ألا تصنع عملا فنيا عن شخصية لا تحبها ، وينقل الكاتب جون باكستر عن فيلليني قوله إن كازانوفا أسوأ فيلم أخرجته" ولكن في كتاب الناقد الإيطالي جيوفاني غرازيني يقول  فيلليني "كازانوفا" يبدو لي أكثر أفلامي اكتمالا وجرأة". وهكذا ينقل العمري بأمانة آراء لفيلليني ذاكرا المصدر وهو يضعنا في مواجهة شخصيته وتناقضاتها. 

في الملاحق ، نعرف كيف ولد فيلم " روما مدينة مفتوحة "  ونقرأ رسالة فيلليني الى ناقد ماركسي، ترسم صورة لطبيعة العلاقة الندية بين مخرج فذ وناقد محترم. علاقة متكافئة لا يعكر صفوها الخلاف في الرأي. افتقدت بالكتاب صورا كافية تمتع عين القاري بلقطات من مشاهد أفلامه، ولقطات له أثناء العمل، افتقدت صورا له في لحظات مع زوجته وأصدقائه لتكتمل صورة الإنسان والفنان التي بذل الكتاب جهدا كبيرا في تكثيفها عبر ما يمكن اعتباره نصا يصلح لعمل وثائقي مصور عن واحد من أهم صناع السينما على مستوى العالم.

وأخيرا أتمنى أن يتم الاهتمام بإصدار الكتب السينمائية في مهرجاناتنا الكبرى وأن تخصص ميزانية كافية لتكون الكتب كما وكيفا إضافة حقيقية لما يكتب عن السينما بلغتنا العربية.

صفاء الليثي

نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 12 يناير 2021 رئيس التحرير عماد الغزالي 



Thursday, 7 January 2021

عن " حظر تجول " وفوز بطلته بجائزة التمثيل مناصفة من القاهرة 42

 في " حظر تجول" سكتت فاتن وسكت الفيلم أيضا

فيلم المخرج أمير رمسيس  " حظر تجول" يعد فيلمه الثامن في مشواره مع السينما الروائية الطويلة ، يقدم رمسيس هنا سينما تعتمد على النجوم وتناقش قضية تشغل المجتمع المصري ، اختار رمسيس حي شبرا القاهري المعروف بتجاور المسيحي والمسلم من الطبقة الوسطى به، كما أنه قريب من قلب القاهرة حيث مركز أحداث العام 2013 وتطبيق حظر التجول على العاصمة، تبرز العناصر الفنية في الفيلم  بشكل جيد، ديكور البيت والشقة بطرازها المصري القديم، باب عريض في صالة المنزل وشرفات تقابلها شرفات منازل الجيران، العمارة بساكنيها وحتى السطح، تعبر عن نماذج متنوعة من نسيج المجتمع المصري، بداية من مشهد على السلم ومقابلة الجارة مرورا بمنزل الجار يحى الذي قد يكون مسيحيا دون أن يؤكد لنا صانع الفيلم، عند مشاهدة الفيلم تطمئن إلى حقيقة أنه مازالت هناك صناعة للسينما في مصر وتتساءل أيضا لماذا لا يوجد خلل سوى في السيناريو، قام أميررمسيس بتأليف فيلمه بنفسه كما فعل أحيانا في أفلامه السابقة، السيناريو  بدأ مشوقا وضعنا في حيرة عن ليلى وفاتن، هل هي حماتها؟ قريبة لها، ولكنه لم يصبر طويلا ثم أفصح عن العلاقة بشكل أسرع مما توقعت. بناء جيد لشخصية فاتن تقوم بها الهام شاهين  بتمكن، وشخصية غامضة لم أفهم تركيبتها النفسية تماما تقوم بها أمينة خليل، وشخص متسق مع نفسه يقوم به أحمد مجدي، طفلة السينما الغلباوية والجار يحي بملامح رومانسية، يحب عبد الحليم ويعاني صحيا أداء رائع للممثل الفلسطيني كامل الباشا. جارة لها قبول لدى المشاهدين هي عارفة عبد الرسول تضفي حيوية على  المشاهد القليلة التي تظهر بها، ولتكتمل التوليفة المصرية هناك سائق التوكتوك المنزعج من الحظر فيعوض الحبسة بإقامة ما يشبه الغرزة في منزله على سطح البيت. وأداء جيد للكوميديان محمود الليثي. ينتهي الفيلم كإشارة عابرة فقط عن مشكلة كبيرة قد تحدث في بيوتات كثيرة ويكون التعمية عليها مسببا لمشاكل أكبر. يمكن الاستمتاع بالفيلم رغم هنات الكتابة التي قام بها المخرج بنفسه. المناخ العام الذي يضعنا فيه " حظر تجول" يتجاوز الاسم بعيدا عما قد يوحي به سياسيا ويناقش فقط علاقة كراهية من ابنة لأمها غير معتادة في تركيبة الأسر المصرية.  فقد سكتت فاتن عن سبب قتلها لزوجها حماية لابنتها، وسكت الفيلم أيضا ، لم يناقش فيلم " حظر تجول " المسكوت عنه، مشكلة تحرش الأب بابنته، الصبية البطلة لم تدرك شيئا وظلت على حبها لوالدها الذي يتحرش بها وضبطته الأم متلبسا فقتلته ، وبدعوى شائعات طالت الأم عن علاقتها بالجار يحيى تصدقها الابنة وتكره أمها ولا تزورها في سجنها لمدة 17 عاما، لم يناقش الفيلم سبب محبة الابنة للأب الذي ينتهكها، هل لم تدرك وقتها فحش ما يفعله بها ؟ توقعت مع تقطيع الفلاشات باك على أجزاء عبر الفيلم أنه في لحظة ما ستدرك مدى الجرم الذي مارسه معها الأب، لحظة التنوير التي تكتمل بها الدراما، ولكن هذا لم يحدث. تحول الفيلم الى مناقشة علاقة كراهية من ابنة لأمها، تتحول الى قبول ثم اعتراف بها كأم وهذا جيد ولكن المشكلة الأساسية لم تحلل ولم تناقش .

"حظر تجول " فيلم تجاري محكوم بسينما النجوم ، النجمة الأم  الهام شاهين نجمة مخضرمة والنجمة الشابة أمينة خليل نجمة هذه الأيام ومباراة التمثيل بينهما دون ترك مساحة حقيقية لمشكلة الطفلة، لايبدو أن المخرج استشار طبيبا نفسيا ليفهم طبيعة مشاعر صبية تتعرض لانتهاك من والدها، ولم يتم مناقشة تركيبة هذا الأب ، حين يتم تناول موضوع اجتماعي هام كان يجب  استشارة طبيب نفسي لتوضيح بعض المفاهيم. وبالطبع شخصية ساكن السطح مزروعة لغرض الترفيه، مشاهد ظريفة ولكنها تبقى في إطار تركيبة الفيلم المصري الذي يقبل عليه الجمهور. لا أعتقد أن صناع العمل منتجه صفي الدين محمود وباهو بخش قد  حققوا هدفهم من فيلم يفتح نقاشا حول زنا المحارم أو الخلل النفسي لدى بعض الآباء.  ما أراده صناع الفيلم  من الحديث" عن المسكوت عنه"  لم يتحقق لأن الفيلم سكت كما سكتت فاتن وتم عرض الحدث بشكل غامض وترك لكل مشاهد حرية التفسير التي وصلت بي الى أن الفتاة كانت تجد متعة في مداعبات الأب وتلك مشكلة كبرى تمتد الى التوتر الجنسي بينها وبين زوجها ونفورها ورفضها بحجة وجود الأم رغم أن الحوار يعكس أن هذا التباعد مستمر قبل مجيء الأم بالإضافة الى غيرتها من ممرضة تتحرش بالطبيب الزوج، على طريقة الحدق يفهم تركت كل الأمور دون تعمق في تحليلها. هناك تعمية بحجة التناول الهاديء أو لعدم خدش حياء المشاهد ، وظلت المشكلة قائمة دون تحليل.

صفاء الليثي

نشر بجريدة القاهرة الثلاثاء 5 يناير 2021 رئيس التحرير عماد الغزالي



 

 

 

Wednesday, 23 December 2020

المخرج علي رضا وثورة يوليو

 توثيق فرقة رضا على شرائط السينما 35 مللي

في تركيبة ناجحة تم تقديم فرقة رضا في الفيلم المرح " أجازة نص السنة " 1962 الذي تحمس لإنتاجه مدير التصوير الفنان عبد العزيز فهمي، صور بالكامل في قرية حيث المثقفة الريفية زينب، النجمة ماجدة التي تملك مزرعة ريفية على وشك الإفلاس من ضغوط زوج خالتها، يحضر أخوها الطالب الجامعي مع مجموعة تمثل فرقة الرقص ومدربهم أحمد/ محمود رضا، لنشهد صراع قيم بين فريقين . منحنا الفيلم فرصة لنعرف مصادر رقصات تقدم على مسارح الدولة وتحي وتوثق لموسيقى وأزياء فلاحات وفلاحي مصر ، على موسيقى مقتبسة من أغاني فلاحية فولكلورية يصدح بها المطرب الشعبي المرتبط بالفرقة محمد العزبي. وجمال فريدة فهمي في رقصة على كولاج من الأغاني المصرية بتوزيع جديد.ومعها محمود رضا المعبر عن علي رضا نفسه وحلمهم في فرقة للرقص الجاد توثق تراث الفولكور المصري . في قالب من الكوميديا الرومانسية وقليل من تراث الواقعية يمتعنا الفيلم وبه توثيق بشريط السينما 35 مللي لفرقة رضا وفنها وقد صور على مسرح الطبيعة في الريف المصري.

نجاح لم يستثمر الا بعد خمس سنوات وقد تحمست شركة القاهرة للإنتاج والتوزيع السينمائي لفيلم بطولة نجمي الفرقة فريدة فهمي ومحمود رضا دون الاستعانة بنجم أو نجمة ومن بطولة فرقة رضا. في نسخة ملونة عالية الجودة هذه المرة تذهب الفرقة الى الأقصر حيث آثار مصر القديمة ولم تمض ربع الساعة حتى يقدم أغنية العمل التي تميزه والتي أصبحت تتردد في كل رحلة يقوم بها شباب المصريين، في زفة بالحناطير يغني محمد العزبي " الأقصر بلدنا " وفي ميزانسين رائع لعلي رضا يتم الانتقال بين لقطة متوسطة عامة فيها العزبي وبجواره الحوذي وبين لقطات عامة واسعة للفرقة يقودهم محود رضا وعلى صقفة مدوية وموسيقى علي اسماعيل مصرية الهوي، يرقصون وفي الخلفية معبد الأقصر بأعمدته الشاهقة، خلال ثلاثة دقائق فقط تم تقديم أهم لوحة فنية من لوحات فرقة رضا. سيستعين علي رضا بنجمي الكوميديا عبد المنعم ابراهيم وأمين هنيدي وسيوظفهما في أدوار تثير الابتسامة وتخدم الدراما، هذه المرة في قصة سينمائية من تأليفه مع كاتب السيناريو المرتبط به محمد عثمان . سيمضي الفيلم خطوات أبعد ليوثق تقريبا كل لوحات فرقة رضا التي نحفظها عن ظهر قلب، ويختتم الفيلم باستعراض كبير يلخص مصر من شمالها مع الصيادين وفنون بحري حتى الصعيد عبر التحطيب والنوبة برقصاتها الإفريقية، توثيق نادر لفرقة رضا ونجمهيا فريدة فهمي ومحمود رضا في عمل لا يقل عن أفلام الميوزيكال الأمريكية ، في غرام في الكرنك، تصبح الأغنيات حوارا منغما وجزء من دراما الفيلم بداية من ساحة محطة مصر، محطة القطار الرئيسية لمصر وانتهاء بمسرح أقامه أفراد الفرقة على خلفية معابدنا الفرعونية في الأقصر بلدنا.  الفيلم في قالب فيلم الرحلة ونسمع صلاح/محمود رضا يقول لأمينة/ فريدة مرعي ، الرحلة لي بداية الفرقة بتاعتنا اللي طول عمري بأحلم بيها، وكأنه يعبر عن المخرج علي رضا وحلمه الذي تحقق.  وبداية من العناوين على لوحات للفنان ايهاب شاكر صاحب تصميم أفيش الفيلم يعد الفيلم درة  من درر سينما الستينيات وفخرا لإنتاج فيلمنتاج في إنتاج رسمي كبير يحتضن التجربة ويوثق لها.  


 مواكبة سياسة الدولة والتغير معها

استمر النجاح المدوي للمخرج علي رضا وأعماله التي تعد بدرجة ما سيرة ذاتية له ولأخيه ولزوجته راقصة الفرقة الأولى ، ولكنه في أفلامه التالية توجه إلى واقع البلاد وأصبحت فرقة رضا جزءا من هذا الواقع المتغير معبرا عنه في أفلامه  الأربعة الأخيرة ، آخرها قضية عم أحمد (1985) وقبله أسياد وعبيد (1978)، آه يا ليل يا زمن (1977) ورابعهم يارب توبة (1975) كلها توضح بدرجة أو بأخرى علاقة علي رضا بثورة يوليو و فرقته الراقصة مع أخيه محمود رضا وزوجته فريدة فهمي .

قضية عم أحمد 1985

ينهي علي رضا فيلمه الأخير بكلمة البداية بدلا من النهاية، قصد بها سياسة جديدة لا تظلم الملاك ولا تحابي المستأجرين، إلا بالقانون. يقدم على رضا رؤية  متوازنة بين أولاد الذوات وأولاد البلد. بين سكان الفيلات والقصور من أصحاب الأملاك، وبين سكان الأحياء الشعبية ، بين طبقة البهوات وطبقة العمال ، بين عم أحمد والبيه. حتى ثلثي الفيلم بدا انحياز صناع الفيلم إلى أهل البلد، ثم يكشف في مشهد فارق في منحنى الفيلم عن تعثر الثري السابق وهو يوضح لابنه حقيقة موقفه المالي. ثم يعود إلى عم أحمد ، النجم الكبير فريد شوقي واختياره في حد ذاته انحياز إلى الطبقة العاملة الكادحة، إلى الفتوة والأسطى حسن، في مقابل جمال اسماعيل الذي لا يتمتع بنجومية تؤهل للتعاطف معه ولا مع مشكله تعثره المالي.

بالطبع هناك قصة حب بين الابن الثري العائد من دراسة بألمانيا( فاروق الفيشاوي) وبطة ( معالي زايد) نوارة الحتة حفيدة عم أحمد. قصة تغازل أحلام رواد السينما ومشتري التذاكر. تيمة تقليدية بها جانب واقعي  أن تكون الابنة الصغرى متعلمة وجدعة ومحبوبة من الجميع ، وكفيلم مصري أصيل، تحدث تعقيدات لا توجد صعوبة في حلها، بداية من قضية طرد المستأجر بحجة مخالفة القانون، ومرافعة شعبية تعتمد على المنطق وليس على بنود القانون من عم أحمد تذكر بمرافعة عبد الفتاح القصري في الأستاذة فاطمة. السيناريو لبهجت قمر المخضرم ، أحد كبار مؤلفي السينما المصرية منذ زمن. بمشاركة المخرج الذي نعرفه فقط  بأفلام فرقة رضا الستعراضية . كانت مفاجأة لي بأن يكون لمؤسس فرقة رضا ومديرها أفلام تسير على منهج السينما المصرية الشعبية ، وخاصة سينما حسن الإمام الذي عمل معه مساعدا في فيلم لواحظ (1957) وسنجد في " قضية عم أحمد" نفس فريق التمثيل المفضل عند (مخرج الروائع ) حسن الإمام. ونوع السرد بين الواقعية والكوميديا وقدر من التشويق ومغازلة أولاد البلد.

تحول علي رضا في مسيرته الفنية مع تحولات السياسة المصرية ، إدانة لطبقة باشوات واقطاعيي ما قبل الثورة في " يارب توبة 1975" ، إدانة لمراكز القوي في " آه يا ليل يا زمن1977 " و أسياد وعبيد 1978 ضمن سلسلة أفلام تنتقد ما سببته الدكتاتورية في عصر عبد الناصر،  ليصل في " قضيةعم أحمد 1985" لموقف تبني سياسة السادات وعودة الحقوق إلى أصحابها. قدم في عدة مشاهد دفاعا عن الملاك من واقع معرفته بمشاكلهم وإمكانية فقدهم لثرواتهم التي كونوها بالكفاح والعرق أيضا.

" قضية عم أحمد" ختام لمسيرة المخرج علي رضا بها صعود نجمه من مساعد مخرج وممثل أدوار ثانية إلى مخرج أفلام في نوعية الفيلم الاستعراضي الغنائي ، هي المعادل المصري لأفلام الميوزيكال الأمريكية، والأفلام البوليودية الهندية. قدم مع السيناريست محمد عثمان سلسلة أفلام تناقش التحولات في السياسة المصرية من قبل ثورة يوليو مرورا بها وحتى ما سمي بثورة التصحيح.

أسياد وعبيد 1978

تعمد على رضا تجهيل الفترة الزمنية التي يقصدها في عمله ، ففي قسم البوليس خريطة مصر معلقة خلف مكتب الضابط بدلا من صورة الرئيس، وفي بيت خطيبة البطل د. أحمد صورة الوالد حسين رياض. الأسياد المقصودين هم رجالات الحكم ، مراكز القوى من أمن الدولة، والعبيد هم أفراد الشعب بكل طبقاته، وخاصة الطبقة الوسطى، طبيا كان أو صحفيا أو أستاذا جامعيا، ومعهم أهل الفن الشعبي نانا صاحبة الكازينو وسعاد الراقصة وأبوها الملحن القديم ، طبقة يمكن اعتبارها في أفلام السينما معادل لطبقة البروليتاريا مطحونين ، تعاملهم مع الأسياد ليتمكنوا من العيش ، وقلوبهم مع العبيد. هدى سلطان ، نوال نانا كبيرة قبيلة العبيد تتعامل مع رفعت بيه وقلبها متعلق بد. أحمد. سعاد مع حسن ، ود.فاطمة سيتبين أنها ابنة نانا من محمود تركتها وربتها الزوجة التقليدية ....صناع السينما في مصر يقدمون تعاطفهم دائما مع أهل هذا الفن الشعبي، ولكنهم يرغبون في الارتقاء مع مهنيي الطبقة الوسطى المتعلمة والمثقفة. وخؤلاء وهؤلاء يطحنهم رجال الرئيس ( الغامض) البوليس السياسي الذي يعتقل ويعذب بقضايا ملفقة وتهمة جاهزة، قلب نظام الحكم. في الفيلم مزيج من الدراما المصرية وقدر من الغنء والاستعراض بفرقة محمود رضا، كازينو علي رضا ترقص فيه فريدة فهمي رقصات أقرب الى طريقتها الخاصة وليس على طريقة الراقصة الشرقية، تعني هدى سلطان أغنيات تحسب كفن يصفق له الجميع، في الحقيقة لم تكن بينها أغنية واحدة تشبه روائع قدمتها هدى سلطان في أفلام أخرى" وان كنت ناسي أفكرك" أو غيرها من أفلام الخمسينيات الرائعة مع الملك.  هناك محاولة للتعبير في مشاهد تم تنفيذها بأسلوب قريب من السينما التعبيرية ، فاطمة تحاول إقناع زملاءها بالدفاع عن المعتقلين ، تخطب فيهم بحماس، عبر لقطة مقبرة يختفي الصوا ويتم القطع على تربيزة الاجتماع وقد انصرف عنها الجميع. وفي مشهد آخر فاطمة جالسة في مكتب خطيبها في لقطة عامة بعيدة، المكان فارغ وهي في حديث هامس لنفسها، تعبيرا عن العجز عن التصرف. لمحات إخراجية تختفي وسط ركام من مشاهد ضعيفة ومكررة للتعذيب والتحقيق مع جمل حوارية نمطية يرددها رفعت بيه ، مشاهد مسلوقة نفذت على عجل ولم ينقذها عادل أدهم الذي لم يصل لمستوى أداء كمال الشناوي في الكرنك.

نسخة علي رضا من أفلام الكرنكة تظهر حقيقة علاقة أهل السلطة بأهل الفن ( الرخيص إذا جاز التعبير) مقدم فيها الخلطة التقليدية لفيلم مصري، به دراما، ميلودراما، قليل من السياسة وكثير من توابل الفواجع كإدمان سعاد، فقد نوال لابنتها وتركها للزوجة الشرعية ومفاجأة تعرفها على ابنتها في نهاية الفيلم، حب يكاد يصبح زنا محارم باحتمال علاقة بين نوال وخطيب ابنتها ، ووسط هذا إعلان موقف أن صناع الفيلم ضد الاغتيالات وقتل المعارضين، ضد التعذيب والشخصيات الفاسدة من رجال الرئيس. لم يقل الفيلم صراحة أن الرئيس وطني ومن حوله هم المخطئون ولكن يمكن استنتاج ذلك من السياق العام . 

آه يا ليل يا زمن 1977

المشهد الافتتاحي لتنفيذ الحراسة على إقطاعي من ( العهد البائد) تستقبل فيه فاتن هانم الضابط المسئول ويقدمه لنا من خلال الفلاش باك كأحد الثوار في مواجهة البوليس السياسي قبل ثورة يوليو.  الفيلم من سلسلة أفلام سميت أفلام مراكز القوى، تنتقد سلبيات العصر الناصري بالطبع بعد موت عبد الناصر وقت رئاسة السادات. اختيار رشدي أباظة النجم المحبوب في ثوبه الجديد بعد مرحلة الدونجوان تجعلني أميل إلى رغبة علي رضا في التركيز على رجال الحكم المحترمين وليس على صنف صلاح نصر . واختيار وردة الجزائرية المطربة في زهوها يحقق هدفين ، الهدف الأول يرسم صورة محترمة للهانم سليلة الباشوات ووالهدف الثاني الدفاع عن الفن الذي يمكن أن يكون بلا تنازلات، هدف طالما سعى إليه كبار رواد السينما المصرية، وجعله حسن الإمام تيمته المفضلة التي قدمها عبر تنويعات مختلفة. وردة الجزائرية في دور ابنة العز التي قسا عليها الزمن تضطر للعمل بداية من ممرضة في عيادة طبيب ثم في مطعم وأخيرا يلتقطها إلياس، لتغني مع الحفاظ على شرفها ودون تنازلات.

في الثنايا هناك طرح لفكرة العيش بدون زواج دون أن يتم الحكم أو انتقاد ذلك من صناع الفيلم، لا من كاتبه ولا من مخرجه، وجود فاتن هانم والطبيب يوسف شعبان في باريس يسمح بتصديق هذا الوضع، ومع ذلك لا يمكن الإفلات من وسوستنا المصرية والعربية  فيتبين أن الطبيب خدعها بحجة سفره الى بلده تونس التي سيصعب معها تقبلهما هناك دون زواج، وسيتضح أنه ارتبط بأخرى فرنسية ولم يسافر. السياق الميلودرامي لمسيرة حياة الهانم ضحية الثورة سيمضي من كارثة إلى أخرى حتى تكاد تلبي لالياس طلبه بمواقعة الأمير العربي الذي يرغبها، وسينقذها في اللحظة الأخيرة الفارس المغوار محمود شوقي الثوري القديم ورجل الحكم الحالي . رحلة فاتن مع المآسي انتقل بها المخرج من مصر إلى باريس إلى المفرب، وسينتهي ككل فيلم مصري بحكمة ينطق بها البطل: انت لازم ترجعي مصر، بلدك أولى بيك. في ملهى إلياس تغني وردة ليلة تساوي ألف ليلة ، مع استعراض راقص بفرقة دبكة مصاحب للغناء. وحين تقابل رشدي تصفه  لزميلتها في الملهى وصديقتها المقربة بأنه (واحد من اللي سرقوا أموالي وأرضي)، وتنهره، أظن صدفة مش كده!.. يقول حكمته (مصر اتغيرت يا فاتن هانم ، ثورة التصحيح قضت على مراكز القوى.) يا خسارة يا علي رضا، مسافة كبيرة بين مشاركته فيلما يظهر رشدي اقطاعي فاسد قبل الثورة، بملابس خديوية في فيلمه " يارب توبة 1975"، ورشدي في "آه يا ليل يا زمن 1977 " ، منتقدا عصر عبد الناصر ومدافعا عن سياسات السادات.

أعترف أنني لم أكن أدقق في العناوين وكنت كمشاهدة غبر مدققة أحسبه فيلما لحسن الإمام. بعناصر تجمع كل الأبطال في مشهد واحد رشدي أحد بهوات العصر، القواد يمثله عادل أدهم والشخصية الكاريكاتورية لأمير الخليجي يمثلها سمير غانم ، اختيار ممثل كوميدي ليؤديها لتقليل من شأنه والسخرية منه. شوشو الممثلة خفيفة الظل سهيى الباروني بطلة  دائمة في أفلام حسن الإمام ومريم فخر الدين زوجة البيه هانم ساذجة، كزوجة تقليدية  في الأعمال الثلاث لعلي رضا.

التحول لدى علي رضا يظهر ما بين "أسياد وعبيد 1978 و" آه ياليل يا زمن 1977 "، وبين يارب توبة 1975 كمخرج حرفي يتبع التيار السائد ولا يقوده، مع الثورة وضد العهد البائد في أسياد وعبيد، ضدها ومتعاطفا مع الباشا وابنته في آه ياليل يا زمن. ولكنه يقدم رؤية متوازنة في عمله الأخير" قضية عم أحمد 1085"  قبل أن يقابل ربه ، مع قصة لفريد شوقي وسيناريو محمد عثمان ترزي الكتابة الفيلمية الذي يتلاعب بعناصر الدراما متأثرا بالمناخ العام. وعلي رضا ممارسا لمهنته بروح المخرج المنفذ دون أن يسبق اسمه فيلم ل.. بل بتواضع يكتفي بعنوان إخراج علي رضا. فقط في " قضية عم أحمد " سيشارك في التأليف ويقدم ما يشبه المراجعة على أفكاره السياسية، فلا انحياز مبالغ فيه للثورة وفقرائها، ولا هجوم على سادتها وملاكها، والخطأ موجود لدى كل جانب والمصالحة مطلوبة بين فئات الشعب. تطهر علي رضا من آفة الأبيض والأسود، والنظرة الأحادية ليقدم عملا بشخصيات مدروسة ، بشر خطاؤون أيا كان الجانب الذي يقفون عليه، عمال في الحواري وسادة في القصور. يمثلون أطياف الشعب المصري ، ولابد من تعاونهما بالقانون مع بداية عهد جديد.

يارب توبة 1975

يستوقفني عنوان في التترات ، عن مسرحية أولاد الفقراء لفنان الشعب يوسف وهبي ، والقصة السينمائية وسيناريو وحوار محمد عثمان، اإنتاج لتاكفور أنطونيان. يوسف وهبي ومحمد عثمان اسمهما يفرض مقولة فنان الشعب " ما الدنيا إلا مسرح كبير " أكاد أسمه صوته بها في أذني.

المشهد الافتتاحي يقدم حسنية بطلة العمل سهير المرشدي، بعيون جريئة وحيوية مفرطة، والهانم مريم فخر الدين تناقش تفاصيل  حفل زار ستقيمه، في تقديم يقلل من ثقافتها ويسخر منها، هرج ومرج لاستعدادات الزار، ومطاردة من زكي ابن الباشا لحسنية ، سهير المرشدي في دور كبير ، زكي بلباس طالب كلية بوليس بطربوش ثم يدخل الباشا ويتسمر الجميع ، رشدي وقد أصبح ملائما في دور رجل سلطة في عصر ما قبل الثورة. يصرخ فيهم ، العالم في حالة حرب وانتوا بتعملوا زار، لترد الهانم، هتلر وموسوليني لو عرفوا هيسيبوا الحرب وييجوا معانا. سنعرف أن حسنية وأمها أم أحمد يعيشون في بدروم الفيلا ، هم أسرة محمد أفندي الأخ الشقيق لمراد باشا صديق رئيس الوزراء ويهدد الفلاحين بضرورة دفع إيجار الأرض قبل المحصول. تقديمه كفاسد كبير يصرخ، الفلاحين لازم يدفعوا، طول ما همه مديونين لنا نقدر نسيطر عليهم ونخليهم يعملوا اللي احنا عاوزينه، تقديم صريح لما سيتم بالفعل حيث سيعرض على ابراهيم تزويجه من حسنية بعد ثبوت حملها من ابنه زكي، المشاهد تتسارع ودراما ساخنة محتدمة على طريقة السيناريست محمد عثمان بكل عناصر الفيلم المصري كما يعرف في القواميس، سلسلة من الفواجع على رؤوس الفقراء، واستغلال لهم من الأغنياء يصل إلى نهايته مع تحول حسنية لمومس تكتم أنفاس ابنتها من زكي، وقد أصابها مرض لا تملك ثمن علاجه.

محمد عثمان دراماتورجي بارع ، يؤلف الدراما ويلونها حسب العصر ، شرير "يارب توبة" من رجالات أحزاب ما قبل ثورة يوليو، والضحية ابنة الطبقة الوسطى الكادحة، قد يقصد بها مصر ما قبل الثورة. سيصل أخيها الثوري وزوجها المخدوع الذي سامحها ، هم حُماتها المهتمون لأمرها ، سيصلان بعد قضاء مدة سجنهما حين تورطا في قتل زكي ، سيصلان دون أن يتمكنا من إنقاذ حسنية التي تورطت في قتل الابنة غير الشرعية وكأنهما، علي رضا ومحمد عثمان لايكفيهما مصير العاهرة لتصبح قاتلة أيضا في لحظة جنون. "يارب توبة " نموذج صارخ لقالب السينما السائدة في مصر، بعناصر الميلودراما بواقعية فجة، اغتصاب وشروع في قتل ، زواج مرتب قائم على الخداع وتورط في قتل. الباشا شخصية سادية ليس بها أي جانب خير، يجعل أخيه مقيما في بدروم فيلته يذله وأسرته، رغم نجاح أحمد في مقابل فشل ابنه ، حسنية رغم وعيها الفطري تتورط في علاقة تمارس فبها الحب على قش في حظيرة خيول الباشا، تفشل في رعاية ابنتها فتمارس البغاء. الوصول لحافة المآسي وقتل أي بادرة أمل، لايهم تفوق أحمد، حسين فهمي وحب ابنة باشا آخر له، نورا، رئيفة هانم، ولا يهم حب نشأ بين ابراهيم وحسنية بعد سبق رفضها له واعترافها ليلة الدخلة أنها تحب آخر. قليل من الحلو سيدمره مر علقم في مناخ فاسد لحقبة حددها صناع الفيلم بالحرب العالمية قبل ثورة 23 يوليو  1952.

أحسب هذا المنهج أقرب إلى المذهب الطبيعي الذي يعمد إلى تسجيل الواقع بكثير من الصراحة والقسوة ، كما يذكر د. نعيم عطية المترجم وأستاذ المسرح، عن أصحاب المذهب الطبيعي وقد شغفوا بتقليب الحجارة للكشف عن الحشرات والديدان التي تقبع تحتها. في مقابل منهج الواقعية بتنويعاته التي أفضل منها واقعية صلاح أبو سيف التي تكشف عن فراشات تشق الشرنقة التي نسجتها الدودة حولها، وتخرج لتساعد على إكمال دورة حياة تخرج العبير من ورود الطبيعة.

نشر المقال بعدد خاص عن فرقة الرضا بالفنون ديسمبر 2020 رئيس التحرير حاتم حافظ